أقلام وأراء

محمد أبو رمان : الإنقلاب الإسرائيلي على الأردن

محمد أبو رمان

محمد أبو رمان ١٠-٥-٢٠٢٢م

تتجاوز تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينت، “المستوى التكتيكي” في الرد على الموقف الأردني المتصاعد ضد التجاوزات الإسرائيلية في المسجد الأقصى وفي عملية تهويد القدس المستمرة، فالكلام واضحٌ وصريحٌ، ويأخذ طابعاً استراتيجياً في مراجعة ملف الوصاية الهاشمية على القدس؛ حين يقول بينت “إسرائيل هي الطرف السيادي في المدينة من دون أي اعتبارات لحسابات خارجية”، وذلك رداً على رئيس القائمة الموحدة في الكنسيت الإسرائيلي، منصور عبّاس، ويضيف “القدس الموحدة هي عاصمة إسرائيل”.
معنى الكلام أن الموقف الإسرائيلي يتمثل اليوم بالتنكّر (والتخلص من) لأيّ التزامات تجاه الأردن كانت قد تعهدت بها إسرائيل، سواء في اتفاقية وادي عربة بين الدولتين للسلام (قبل قرابة 27 عاماً)، أو اللقاءات الثنائية التي كانت لا تخفي فيها إسرائيل القبول بالوصاية الهاشمية، ولا تتهرّب منه ولا من التدخلات الأردنية في لحظات التوتر والاقتحامات الإسرائيلية ومحاولات تغيير الأمر الواقع هناك.
ليست فقط تصريحات بينت هي الصادمة، بالنسبة للمسؤولين الأردنيين، بل الحملة الإعلامية المتتالية والمستمرّة ضد الأردن، منذ أحداث الحرم القدسي في الأسبوع الأخير من شهر رمضان. وكان واضحاً استثمار الإعلام الإسرائيلي غير المسبوق خطبة رئيس الوزراء الأردني، بشر الخصاونة، في مجلس النواب. وتجاوزت المسألة النقاش في موضوع القدس، إسرائيلياً، إلى التهديد والوعيد للأردن ومحاولة الترهيب من أي مواقف صلبة في الموضوع الفلسطيني، بالتذكير بالأزمات الداخلية السياسية وهكذا.

الجانب الآخر من الصدمة أنّ هذه التصريحات تأتي من رئيس وزراء تربطه علاقاتٌ جيدة بالأردن، وتحسّنت العلاقات في عهده، بعدما شهدت أزمة كبيرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، وربما راهن سياسيون ومسؤولون أردنيون أنّ مصدر الحملة الدعائية ضد الأردن هو التيار السياسي المرتبط بنتنياهو، حتى جاءت تصريحات بينت لتؤكّد أنّ هنالك تحولات كبيرة ومفصلية وحاسمة إسرائيلياً في ملف القدس والمسجد الأقصى، وأنّ المسألة لا ترتبط بأيّ حال بموقف نتنياهو وحكومته، وإنّما أصبحت مصدر إجماع واتفاق إسرائيليين.
يتعلق الجانب الثالث بالتحول في المحيط الاستراتيجي الإسرائيلي، بخاصة بعد عمليات التطبيع المجانية العربية، والتي استبطنت أمراً خطيراً جداً، هو التنازل عن مركزية القضية الفلسطينية، رسمياً وغير رسمي، ثم الاستدارة التركية أخيرا بتراجع دور أنقرة فيما يتعلق بالقدس والقضية، وأخيراً التلويح للأردن عبر تسريبات وقنوات خلفية (من الإسرائيليين) بأنّ هنالك بديلاً عربياً مستعداً للقيام بمهمة الوصاية وبالتنسيق مع إسرائيل!
لا يزال مسؤولون أردنيون يرون مسألة القدس بدرجة أقلّ من الخطورة الموصوفة أعلاه، إذ يراهنون على الدور الأميركي، بخاصة مع إدارة الرئيس الحالي، جوزيف بايدين. ووفقاً لمسؤولين بارزين، مارست الإدارة الأميركية ضغوطاً شديدة على الإسرائيليين لوقف الانتهاكات للمسجد الأقصى، فضلاً عن أنّ المسؤولين الأميركيين طلبوا فعلاً من الأردن توضيحات أكثر بشأن الوضع القائم ومحاولات إسرائيل تغييره، وذهبت هذه الورقة بالفعل إليهم، وفيها مقاربة متماسكة وصلبة، بشأن الوضع القانوني والإجراءات الإسرائيلية الراهنة.

في الأثناء، يزور الملك عبدالله الثاني حالياً الولايات المتحدة، ومن المقرّر أن يلتقي بمسؤولين أميركيين من مختلف المؤسسات المهمة، وفي مقدمتها الكونغرس، ويسعى، من خلال لقاءاته وجولاته، إلى الإمساك بالمبادرة مرة أخرى، ووقف التفرّد الإسرائيلي الحالي، والعمل على رد الاعتبار لأهمية السلطة الفلسطينية وقيمة الدور الذي تقوم به، بعدما تراجعت، بصورة ملحوظة، القناعات الأميركية بدور الرئاسة الفلسطينية وتراجع كذلك الدعم المالي، بل بعبارةٍ أدقّ جرى تجفيفه، إلى درجة أصبحت فيها السلطة في وضع اقتصادي ومالي وسياسي حرج غير مسبوق.
السؤال الجوهري، في خضم هذه الحيثيات والوقائع والتحولات الكبيرة والعميقة في موازين القوى الداخلية والدولية والإقليمية: إلى أي مدىً فعلاً يستطيع الأردن إحداث اختراقٍ في الوضع القائم وحماية القدس من التهويد والمسجد الأقصى من المشروع الصهيوني التاريخي، وقد بدا واضحاً، خلال الأعوام الأخيرة، أننا أمام تسارع كبير نحو هذا المخطّط؟
ماذا يمكن بالفعل أن تقدم الإدارة الأميركية؛ فلا توجد خطواتٌ إلى وراء باتجاه السفارة الأميركية في القدس، ولا باتجاه تجنيب المدينة المقدسة سيناريو التهويد؛ ما يمكن أن يجري فعلاً هو مماطلة أو تأجيل لما هو قادم من دون حلول حقيقية، هذا إذا لم يحدث السيناريو الأسوأ بعودة الجمهوريين، بخاصة أنصار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، إلى مراكز القوة. ومعروفٌ أنّ صهره، جاريد كوشنير، لا يزال منذ عامين في المنطقة العربية، ويقوم بدور فعال في تجسير العلاقات العربية – الإسرائيلية.

لا يمكن التقليل من حجم الجهد الأردني، بخاصة نشاط الملك والديبلوماسية المكوكية التي يقوم بها وزير الخارجية، أيمن الصفدي، في إيجاد مسار ممانع دولياً وإقليمياً للخط الإسرائيلي، وربما يكون الأردن الدولة الوحيدة حالياً على هذا الخط النشط، وهذا مصدر انزعاج الإسرائيليين، بخاصة إذا كانت الرسائل تأتيهم من أطراف عربية أخرى، تقول لهم إنّهم يشعرون بالحرج أمام محاولات الأردن وضغوطه لاستصدار مواقف عربية، فيبدو الأردن اليوم وكأنّه الطرف العربي الوحيد الذي يشاغب على الإسرائيليين.
مع ذلك، لا بد من الإقرار بأنّ الإسرائيليين أكثر إدراكاً وإصراراً على موضوع القدس، ويدركون محدودية هذه الجهود الديبلوماسية، ويقرأونها ضمن إطار تكتيكي وعملياتي (processing) وليس استراتيجياً ولا حاسماً، ضمن موازين القوى الحالية، وضمن المسارات الراهنة، ما لم تحدُث تغييرات جوهرية تعيد ترتيب الأوراق، وتعزز من الموقف الأردني، بل استخدام الأردن أوراقه التي كان يستخدمها، ويلوح بها لإسرائيل، فتتراجع، كما حدث في عملية محاولة اغتيال خالد مشعل 1997، وبعدها مواقف متعدّدة كانت إسرائيل تتجنّب فيها استفزاز الأردن. لكن من الواضح أنّ المسألة قلبت اليوم رأساً على عقب، وما عادت إسرائيل لا على صعيد نتنياهو، ولا رئيس الحكومة الحالي، ولا الإعلام الإسرائيلي، تتردّد بالتلويح للأردن بأوراق جديدة والتلميح بالتهديد.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى