أقلام وأراء

هُزم الإرهاب في مصر وبقيت ذيوله

محمد أبو الفضل

محمد أبو الفضل ١٣-٥-٢٠٢٢م

لا توجد دولة في العالم بعيدة عن العمليات الإرهابية مهما تنامت قدراتها الأمنية والاستخباراتية وإجراءاتها الاحترازية، فلم تعد الهجمات تحتاج إلى استعدادات كبيرة للنيل من هدف معين في دولة متقدمة أو نامية، حيث تتعدد مصادر الإرهاب وتتنوع أهدافه وآلياته وسيظل هذا الشبح يطارد دولا كثيرة، شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا.

تريد هذه المقدمة تفسير أسباب وقوع عمليات في دولة ما، وليس القبول بها كأمر واقع، لأن هناك دورا تقوم به الأجهزة المعنية يتطلب خطوات صارمة لتقويض الإرهاب والتخلص منه، فكل هجوم يحدث يستغل تقصيرا أمنيا أو يستثمر في ثغرات لم يتم سدها ليصل إلى غرضه.

وظهرت تجليات هذه المعطيات في استنتاجات العملية التي استهدفت محطة رفع مياه في سيناء السبت الماضي، وأدت إلى مصرع ضابط وعشرة من جنود الجيش المصري، وفتحت الباب لتساؤلات عديدة حول حالة الإرهاب في مصر، وهل هُزم فعلا أم لا يزال يحتاج إلى المزيد من التحركات بما يتخطى البعد الأمني، ثم جاءت عملية أخرى في سيناء أيضا الأربعاء، راح ضحيتها خمسة من الجنود وأصيب اثنان.

لم تقل هذه النوعية من العمليات إن هناك تراخيا مباشرا أو تقاعسا أمنيا ولو أعطى البعض انطباعا بأن تنظيم داعش الذي أعلن مسؤوليته عن العملية الأولى تم دحره وتجفيف منابعه في سيناء، وهو ما يعرفه الكثير من المواطنين الذين اكتووا بنيران العنف وتوابعه بلا ذنب أو جريرة.

ما حدث درس يعيه الجميع يتعلق بأن الإرهاب قد يكون هُزم لكن بقيت ذيوله تحاول إحياء دور المتطرفين في التنغيص على الدولة المصرية التي كانت في مقدمة من خاضوا معارك ضارية ضدهم، وحطمت مشروعا قبل أن يرى أصحابه النور.

تشير الأرقام إلى أن التكفيريين تلقوا هزائم قاسية في مصر، فقد انخفض إجمالي العمليات الإرهابية من 346 عام 2015 إلى 45 عملية عام 2021 أغلبها خطف وقنص، وعمليتا سيناء هما أول عمليتين نوعيتين منذ بداية العام الجاري، ما يعزز تقديرات سابقة تفيد بالتراجع الملحوظ دون الجزم بعدم وقوع عمليات في المستقبل.

وأثار حدوث العملية الأولى بمهارة فائقة مخاوف من احتمال أن تكون التنظيمات الإرهابية عثرت على روافد دعم جديدة أو قامت بدراسات دقيقة للأماكن الرخوة التي يمكن استهدافها؛ فقد أصبحت المرتكزات الأمنية والمناطق التابعة لها محصنة ويصعب اختراقها، ما يستوجب توسيع خطوط التأمين ليشمل أماكن أخرى، وهي عملية تحتاج إلى إمكانيات وفيرة بحكم طبوغرافية سيناء الوعرة والمتشابكة.

ونجحت قوات الأمن في تكبيد العناصر الإرهابية خسائر جسيمة، وألقت القبض على قيادات تم الحصول منها على معلومات مهمة أسهمت في تطويق العديد من البؤر التي يتمركز فيها التكفيريون، ففقدوا جانبا كبيرا من قوتهم بعد قطع خطوط إمداد السلاح والغذاء وتدشين كمائن ثابتة ومتحركة شلّت حركة الإرهابيين.

وتمكنت القبائل المتعاونة مع الأمن المصري في نهاية أبريل الماضي من اقتحام قرية المقاطعة في شرق شمال سيناء، والتي كانت تمثل ما يشبه بيئة حاضنة لعدد من الفارين، أو العاصمة التي تحصن بها إرهابيون بعد محاصرتهم في المناطق التقليدية، وهو مُعطى استُخدم في التدليل على أن المتطرفين لفظوا أنفاسهم، لكن العمليتين الأخيرتين تفرضان إعادة النظر في هذه النتيجة التي كادت تتحول إلى مسلّمة لدى دوائر غير رسمية.

لم يصدر بيان أو تصريح على المستوى الرسمي يؤكد أن الإرهاب انتهى تماما في بر مصر، ولا يستطيع قائد عسكري واحد ممن يعرفون جغرافية سيناء جيدا القول إنها باتت خالية من العناصر المتطرفة أو يدعي عدم وقوع عمليات إرهابية في المدى المنظور، فالمسألة معقدة وتتداخل فيها نواح أمنية مع مجتمعية.

إذا كانت قوات الأمن استطاعت قصقصة الأجنحة الرئيسية للإرهابيين ونسجت علاقة جديدة مع قبائل سيناء أعادت الاعتبار للتعاون والتنسيق بين الجانبين، فبعض عوامل الاحتقان الكامنة يمكن أن يستغلها ما تبقى من عناصر تكفيرية متوارية عن الأنظار لتشكيل خلايا تمثل معينا لها لخوض جولة جديدة من الإرهاب.

كما أن التوظيف السياسي للعنف من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية لن يتوقف طالما أن هذه الأداة يمكن أن تحقق لأصحابها ما يصبون إليه من أهداف استراتيجية أو تكتيكية، فأحد أسباب استمرار الإرهاب في المنطقة أنه أصبح سلعة قابلة للتداول، الأمر الذي جعله ينتقل من مكان إلى آخر وفقا لمتطلبات يحتاجها من يقفون خلفه.

وفي ظل ما تواجهه مصر من تحديات داخلية وخارجية لا يستبعد البعض من المسؤولين أن تظل هذه السلعة متداولة في بلدهم على فترات متقطعة، ويجد من يستهدفونها عناصر تقبل بالتعاون معهم ولو تباينت الأهداف الظاهرة والخفية، فما قام به النظام المصري من تغيير في بعض التوازنات التي جرى الترتيب لها أدى إلى توسيع رقعة خصومه الذين يجدون في الإرهاب مدخلا جيدا لإرهاق هياكل الدولة.

ولذلك جرى الاستعداد للتعامل مع سيناريوهات من هذا النوع من خلال أدوات متعددة، أبرزها زيادة نطاق الإجراءات الأمنية في الأماكن المتوقع أن تشهد عنفا محتملا في مصر، ومن بينها سيناء، وزيادة وتيرة التعاون والتنسيق في مجال تبادل المعلومات مع دول عربية للكشف مبكرا عن خطوط تحركات العناصر المتطرفة.

ولا يقتصر وقوع عمليات إرهابية على سيناء، فمساحة الدولة المصرية تصل إلى مليون كيلومتر مربع وتحيط بها دول تمثل ركيزة لجماعات تمارس العنف بضراوة، ومهما تنامت التحركات الأمنية من السّهل أن يجد الإرهابيون ثغرات ينفذون منها، لإثبات أنهم مازالوا قادرين على تكبيد النظام المصري خسائر، وأن كل الإجراءات التي اتخذها لن تفت في عضدهم، وهي الرسالة التي حملتها عملية سيناء، ضمن رسائل أخرى مهمة تتعلق بمستقبل مشروعات التنمية في هذه المنطقة.

ومن الخطورة حصر الإرهاب في الجماعات المتطرفة المعروفة التي تمارس عنفا منظما، الإخوان وداعش والقاعدة ومن لف لفهم، لأن مفهومه الشامل بدأ يتوسع ويصطحب معه عمليات فردية وربما عشوائية، وهي الظاهرة التي يمكن أن تشهد رواجا خلال الفترة المقبلة في مصر، والتي تعكس في محصلتها نجاح قوات الأمن المصرية في محاصرة التنظيمات التي مارست الإرهاب بصورة تقليدية.

ويشير ولوج هذا المسار إلى أن الطريق طويل ويحتاج إلى تحركات مكثفة تقتلع جذور الإرهاب التي تنتشر في عقول شريحة من المواطنين قد يجدون في التعاون أو الاقتناع بأفكار متشددين أداة للتعبير عن غضبهم، بما يتيح للذيول فرصة التحرك بعد أن توقفت غالبية الرؤوس عن الدوران في مصر، حيث تكبدت خسائر جسيمة تتطلب منها التفكير في إعادة ترتيب أوراقها استعدادا لمعارك أخرى.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى