أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: ندرة الوزراء السياسيين تضاعف أزمات الحكومة المصرية

محمد أبو الفضل 2022/08/21

طرح التعديل الوزاري الأخير في مصر الكثير من الأسئلة حوله، ولماذا تم التخلص من 13 وزيرا دفعة واحدة وهم الذين لم تفض أعمالهم إلى نتائج ذات قيمة خاصة أن حقائبهم كانت مرتبطة بتقديم خدمات مباشرة للناس. فهل يعود الأمر إلى قلة الكفاءات؟ ومن يتحمل المسؤولية في ما وصلت إليه البلاد من ندرة في الكفاءات المتخصصة؟

تعتمد الحكومات المصرية في العقد الأخير بشكل أساسي على نوعين من الوزراء، أحدهما ينتمي إلى شريحة التكنوقراط وروافدها، والآخر ينحدر أصحابه من المؤسسة العسكرية بشقيها الجيش والشرطة. وتخلو الحكومة في غالبية تشكيلاتها، بما فيها التعديل الوزاري الذي جرى الأسبوع الماضي، من أي وزير يمكن وصفه بالسياسي أو تربى في بيئة حزبية تفرخ محترفين وبارعين في ممارسة السياسة.

ظهرت النتائج السلبية لهذا المنهج في مواجهة المشاكل الجماهيرية، فمع كل اختبار ساخن تدخله الحكومة أو أحد الوزراء مع المواطنين يتأكد أن غياب السياسيين يمثل خطرا، ولا يعني ذلك تشكيكا في ضعف الكفاءة المهنية، لكن ينطوي على تجاهل للمكونات السياسية في الأزمة والتعامل معها بطريقة لا تحتمل القسمة على اثنين، فإما أن تنتصر الحكومة لرؤيتها أو تنهزم وتستعد لجولة أخرى تضبط فيها الدفة لصالحها.

يساعد الوزراء السياسيون الحكومة على تمرير تصوراتها بطريقة متوازنة وأقل قدر من المماحكات مع الشارع، وهو ما يكاد ينتفي في الحالة المصرية حاليا، فما لم يتدخل رئيس الجمهورية لحسم المواقف الشائكة لا تهدأ الأزمات التي تنشب مع شريحة من المواطنين، سواء خاصة بغلاء أسعار وخدمات أو سن قوانين جديدة.

وتحمّل هذه المسألة رئيس الدولة فوق طاقته، حيث بات الوحيد القادر على إطفاء النيران التي تنشب في عباءة الحكومة، ويمكن أن تمتد شراراتها ويتعثر الرئيس نفسه في أداء هذه المهمة لاحقا، فالسياسيون هم الأقدر على التنبؤ بالأزمات قبل حدوثها والتعاطي معها عقب حدوثها، لأنهم تربوا وسط الشارع وخبروا مشاكله، ومن مصلحتهم تحقيق النجاح الذي يقود إلى استمرارهم في مناصبهم فترة طويلة، وتمكن الأحزاب التي رشحتهم نفسها من الاستمرار في أداء دورها.

هنا بيت القصيد، حيث الأحزاب التي يصل عددها في مصر إلى مئة حزب لا تقدم كوادر حقيقية تمت تربيتها بصورة سياسية صحيحة، ربما يدعي البعض أنهم يعرفون دهاليزها ويجيدون ألاعيبها وفنونها، غير أن الواقع لا يعكس ذلك، فلا أحزاب بدون سياسة ولن تنتعش هذه وسط بيئة مغلقة، أممت فيها الأحزاب.

تزدهر الأحزاب مع اتساع مساحة الحريات، وتنتشي المعارضة كلما زادت هوامش الحركة السياسية أمامها، ويستفيد النظام الحاكم من كل هذا، وفي ظل النقص الحاصل في هذه وتلك لن تظهر عناصر تنتقي الحكومة منها وزراء محترفين في عالم السياسة، وهو ما جعل الحلقة التي يختار منها النظام رئيس الحكومة والوزراء ضيقة، فامتلاك مروحة واسعة في عملية الاختيار لن يأتي مع عقم السياسة والسياسيين في مصر.

يمكن أن يكون الوزراء التكنوقراط والمنحدرون من المؤسسة العسكرية أقل صخبا ويعملون بهدوء وفقا لآلية حددها النظام الحاكم، لكن وزراء مزعجين يأتون من مشارب متباينة يمكن أن يكون ذلك أكثر جدوى، فمن مصلحة رئيس الدولة أن يملك خيارات متعددة من خارج الصندوق الذي خرج منه معظم الوزراء في مصر على مدار العقود السبعة الماضية ولم تكن نجاحاتهم كافية لمنحهم صك الكفاءة.

تعود ندرة الوزراء السياسيين إلى عجز الأحزاب عن الحركة وضعف الحياة السياسية برمتها في مصر، ويصعب تحديد أيهما خرج من رحم الثاني، فهي متلازمة متواصلة منذ فترة وتصاعدت ملامحها بعد أن وجد فيها كثيرون مصلحتهم، فقيادات المعارضة تبرر كسلها وعجزها بأن الأجواء العامة موصدة أمامها، والنظام يعتقد أن عدم وجود سياسيين أكفاء يضطره إلى اللجوء إلى الحلقة الضيقة من التكنوقراط والعسكريين.

ويتحمل الجانبان المسؤولية عن الندرة في الوزراء السياسيين التي تضاعف المشاكل أمام الحكومة ولا تجد وسائل ناجحة تساعدها على تمرير رؤاها بأقل قدر من الاحتكاكات مع المواطنين، والكثير من القرارات التي تتخذها والتوجهات التي تتبناها جيدة، إلا أن إخراجها وتنفيذها ومتابعتها تواجه بتعقيدات، وهو جوهر عمل السياسيين.

لا يقارن دور السياسيين في مصر بأي دولة متقدمة، ففي الأخيرة توجد معايير للتربية السياسية والتصعيد داخل الأحزاب، وليس ضروريا أن يكون وزير الدفاع عسكريا أو وزير الداخلية شرطيا، أو وزير الاقتصاد خبيرا في الرأسمالية العالمية، فالتكوين له أسس تسهم في إيجاد مناخ يسهل على رئيس الدولة الانتقاء من بين خيارات عدة.

قد يكون في مصر سياسيون أو بقايا منهم تعتمد عليهم الحكومة في أداء بعض الأدوار الهامشية، لكنها لا تسند إليهم المهام كاملة بوضوح، لأن مفاتيح القرار موجودة في غرف مغلقة لا تعترف بالسياسة والدور الحيوي الذي تقوم به، أو بمعنى أدق لها تعريفات وتوصيفات سياسية يحددها صانع القرار وحده.

تعتقد الحكومة المصرية أن تركيزها على الشق الاقتصادي والأمني يتناسب مع طبيعة التحديات الشاقة التي تمر بها الدولة هو ما دفعها إلى عدم الاهتمام بورقة السياسيين، وحتى هذه لا تبرر عدم اللجوء إلى من يستطيعون إدارة الأزمات بحنكة تساعد الحكومة على تخطي العقبات في كل خطوة تقوم بها ولها علاقة مباشرة بالمواطنين.

تبنى النظام المصري نمطا سياسيا معينا يخدم أهدافه ووضع قواعد لهيئات تتولى إفراز كوادر يمكن الاعتماد عليهم، غير أن ما تم تقديمه حتى الآن لا يفي بالغرض، لأن العناصر الشبابية التي تخضع لتنشئة سياسية فوقية لن تمكن أصحابها من التحلي بدرجة عالية من المرونة تمكنهم من التعامل برشادة مع الأزمات، حيث يتقيدون بالرؤية العامة المطلوب تنفيذها دون مساحة للإبداع يفرضها الواقع المصري.

وتمثل التعقيدات الراهنة دافعا رئيسيا للاستعانة بطبقة سياسية متمرسة تجيد امتصاص الأزمات بدلا من اللجوء إلى الخشونة التي تعمق الجراح وتضع المطبات أمام الحكومة لتنفيذ تصوراتها، وفي المحطات التي لجأت فيها إلى إجراءات فوقية اضطرت للتراجع عن بعضها لأن هذه السياسة تحمل استفزازا للناس وتجبرهم على الرفض والعناد.

ومع تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ستكون هناك حاجة إلى وزراء سياسيين ذوي خبرة يمكنهم حل لغز التأثيرات السلبية، فالمواجهة الحاسمة في ظروف تئن فيها شريحة كبيرة من المواطنين ليست حكيمة، حيث تجلب معها نتائج عكسية، وعلى الحكومة البحث عن مخضرمين حقيقيين للاستعانة بهم في المرحلة المقبلة.

يؤدي الاستسلام لمسألة الندرة بحجة أن الحكومة غير مسؤولة عنها وأنها نتيجة تراكمات تاريخية إلى زيادة حدة المشكلات، فقد أثبتت الطريقة التي تتعامل بها أنها غير صائبة تماما، وبدلا من أن تفكر في تغيير سلوك المواطنين وإعادة النظر في سياساتها الصائبة عليها العمل على تغيير تفكير الوزراء كوسيلة يمكن أن تحقق نجاحا، فالسياسيون أقدر على حل الأزمات ذات الأبعاد الشعبية من التكنوقراط والعسكريين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى