أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: مصر تتخلى عن الدبلوماسية الموسمية

محمد أبو الفضل 4-11-2022: مصر تتخلى عن الدبلوماسية الموسمية

تكاتفت جملة تطورات أشارت إلى أن مصر عازمة على إدخال تعديلات على توجهاتها الخارجية، والتخلي عمّا يوصف بالدبلوماسية الموسمية التي كانت تظهر من حين إلى آخر عندما تريد الإيحاء بأن دورها الإقليمي لم يتغير أو تم الانتقاص منه أو أنها اختارت طريق الانزواء بسبب تراكم الأزمات الداخلية.

ترك النشاط السياسي الذي ظهر عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال القمة العربية في الجزائر يومي الثلاثاء والأربعاء انطباعا بأنه “نجم” القمة، وأسبغ عليه البعض من المراقبين لقب “أهم” زعيم عربي في أثناء فعالياتها واللقاءات الثنائية التي عقدها على هامشها، في خطوة تعيد الاعتبار إلى التمسك بدور بلاده في المنطقة، بما يتعدى الأزمة في ليبيا والقضية الفلسطينية وغيرهما من الملفات الحيوية.

وجدت القاهرة أن المرحلة الماضية التي أسرفت خلالها في التصريحات كلما كانت هناك حاجة لم تجن من ورائها مكاسب وجرى التعامل مع الكثير من المواقف بحسبانها من الأدوات السياسية التي لا تصطحب معها تحركات صارمة.

ولّدت هذه الفكرة قناعة بأن الأزمات الداخلية أجهضت جانبا من طموحات الدولة المصرية الخارجية، وظهرت قيادتها كأنها غير مستعدة للاشتباك مع قضايا تتطلب قدرا من التضحيات قد تشغلها عن همومها المحلية، الاقتصادية والأمنية والسياسية.

لم يكن إطلاق مصر للقناة التلفزيونية “القاهرة الإخبارية” بالتزامن مع عقد قمة الجزائر صدفة، وأن القصد من الربط بينهما تعزيز رسالة المحطة العربية ودور القاهرة على الساحة الإقليمية، كأداة تعكس صوت مصر في المنطقة، وتؤكد أن القاهرة لن تتنازل عن مهمتها التاريخية لأحد، ومن فهموا ذلك مخطئون.

يأتي المد المصري للخروج حاليا بعد أن استغلت تركيا وإيران فراغ المنطقة من القوة العربية القادرة على التصدي لهما ومنازعتهما ميولهما للسيطرة على مفاتيح بعض القضايا الإقليمية، ناهيك عن تصورات تحملها دول خليجية تصب في المساهمة الحثيثة بدور فاعل، وربما قائد، في المنطقة من دون مساس واضح بالتحالف مع القاهرة.

يبدو أن مصر كانت في حاجة ماسة إلى تذكير الحلفاء، القريبين والبعيدين، والخصوم والأعداء، أنها لن تواصل الانكفاء ومعنية عمليا بترك بصماتها في القضايا الإقليمية، وتعمدت عدم تغطية هذه المسألة بضجيج إعلامي مباشر، لأن هناك أحاديث متفرقة تناثرت مؤخرا حول الدور المصري وعدم اصطحابه لتحركات عملية.

غلب الهدوء على التصرفات المصرية الفترة الماضية، وبمعنى أدق ميل نحو تسكين الأزمات ومحاولة التغلب على من يريدون تسخينها بالطرق الناعمة، وفي قضايا تمثل تحديات عاصفة لم يتم اللجوء إلى التلويح بالخشونة المباشرة سوى مرتين.

الأولى، في الأزمة الليبية عندما كشفت تركيا عن استعدادها للزحف نحو الشرق الليبي وهي منطقة لها أهمية كبيرة للأمن القومي المصري، ووقتها رسم الرئيس السيسي ما عرف بالخط الأحمر (سرت – الكفرة) ولم تخترقه أنقرة عسكريا، لكنها بدأت عملية منظمة لاختراقه سياسيا واقتصاديا مؤخرا ليقينها أن هذا الطريق قد لا يزعج القاهرة كثيرا.

والثانية، في الأزمة مع إثيوبيا بشأن سد النهضة عندما لوّح مسؤولون كبار في القاهرة إلى إمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري إذا واصلت أديس أبابا تصميمها على حلّها المنفرد في بناء السد وملئه وتشغيله وإدارته وامتنعت عن التوقيع على اتفاق مُلزم يحدد قواعد لذلك مع دولتي المصب، مصر والسودان.

نجحت إثيوبيا في فرض الأمر الواقع ولم تتحرك القاهرة نحو فرملتها، لا عسكريا أو سياسيا أو فنيا، وذهب التهديد المصري أدراج الرياح، لكنه تمخّض عن نتائج كلها تصبّ في إطار ما يشبه العجز عن التعامل مع الأزمة، وعدم القدرة على حسم التحديات، ومنح أولوية للمشكلات الداخلية، بصرف النظر عن المخاطر الإقليمية.

شجعت الصورة السلبية التي تركتها التصورات المصرية في عدد من الملفات المهمة بعض القوى الإقليمية على المزيد من التوغل في المنطقة بأساليب وأدوات مختلفة، والتغول على دور القاهرة فيها.

وتصاعد صوت بعض الدول العربية لتعويض ما يوصف بـ”الغياب القهري لمصر”، خاصة دول الوفرة في النفط والغاز التي تمتلك محركات محورية في التأثير على قوى كبرى، ولديها أدوات مادية للمنْح وأخرى للمنْع وبحاجة إلى وسائل سياسية.

حصلت مصر على جزء كبير من المساعدات والمنح الخليجية بوصفها الشقيقة الكبرى ذات الثقل المعتبر والقدرة على تحريك المياه في الإقليم من ناحيتي التصدي والمواجهة وعندما بدأ هذا المحدد يتراجع، أو هكذا تشير الصورة العامة، تغير شكل الدعم لمصر في ظل وجود بدائل أخرى ربما تكون أقل كُلفة ولها عوائد أكثر تأثيرا.

قرأت مصر رسائل تلقتها الفترة الماضية من الأشقاء والأصدقاء والحلفاء، وتبين أن مفتاح التغير في الانطباع السائد حول الدور الذي شجّع كل الطامعين في رهنه لصالحهم، وهم يعتقدون أن الخارطة المقبلة سوف تميل نحو أصحاب المواقف المحددة والتحركات الواضحة والرؤى البعيد والقادرين على تحمل أعباء الدور ماديا ومعنويا.

لن تستطيع القاهرة التمادي فيما بات يعرف بالانكفاء مهما بلغت الأزمات الداخلية من حدة، وإذا كان النظام المصري أعاد للدولة ما تحتاجه من ركائز للأمن والاستقرار والهدوء لن يمتلك الأدوات المادية الكافية التي تساعده على المحافظة عليها، فالمشكلات الاقتصادية لن تنتهي وحسم المخاطر التي تحملها في حاجة إلى المزيد من الوقت.

لذلك تجمعت عوامل دولية وإقليمية ومحلية قادت مصر إلى التفكير في استعادة دورها العربي، ومن المرجح أن تتوالى التحركات ولا تتوقف عند العافية السياسية التي ظهر بها الرئيس السيسي في قمة الجزائر، أو محطة إخبارية ناشئة، لأن من يعتزم التأثير يدرك أن روح مصر معلقة بمسألة الدور الإقليمي، وهو من المحددات الرئيسية التي يجب أن يعيها الحاكم، وقد لا تقل أهمية عن انشغاله بالداخل.

أثبتت الكثير من المحكات أن الأزمات الثقيلة تأتي دوما من الخارج وليس من الداخل، خاصة أن عوامل الترابط بينهما تزايدت في السنوات الأخيرة، وقد ظلت مصر تقاوم أو تبتعد عن تبني فكرة الدور الإقليمي وتهربت باللجوء إلى مواءمات متباينة، وكل ذلك لم يجعلها بمنأى عن مواجهة تحديات تتجاوز السياسة وتلامس الاقتصاد.

أصبحت القاهرة مضطرة لتغيير الإستراتيجية التي تبنتها السنوات الماضية وتعديل فقه الأولويات الذي جعلها تركز على الداخل على حساب الخارج، فقيادتها مُلزمة بعدم التفريق بينهما لأن العطب في أحدهما ينتقل تلقائيا إلى الآخر ما يستلزم رؤية تجمع بينهما قبل أن تتصاعد رياح الراغبين في القبض على مفاصل المنطقة العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى