أقلام وأراء

محمد أبو الفضل – مصر تتحلل من المحرمات الإقليمية

محمد أبو الفضل  ٢-٤-٢٠٢٢٢م

يؤثر تغير الخرائط السياسية في العالم على أي منطقة أخرى، وتؤدي التحولات الجارية في بنية النظامين الإقليمي والدولي إلى التخلص من ثوابت تقليدية في سياسات الدول بصورة تتواءم مع حجم التغيرات، فلا أحد يضمن أين ستكون البوصلة في الفترة المقبلة، ونشاهد حركة سريعة في التصرفات التي كانت محرمة أو ممنوعة ملامستها.

لتقريب هذا المشهد يمكن التمعن في حركة السياسة الخارجية لمصر والتعرف على الفضاء أو الفضاءات التي تتحرك فيها لتحقق أعلى استفادة ممكنة وتعظيم مصالح الدولة إلى أقصى حد ممكن، فما وصف بالتعقيدات التي حكمت توجهات القاهرة في بعض القضايا لم يعد كذلك، وهناك نوع من البراغماتية في التعامل معها وتفكيكها.

اُنظر إلى موقف مصر من التعاون والتنسيق مع إسرائيل على المستوى الثنائي ثم الإقليمي، بدءا من المجالات الأمنية وحتى غاز شرق البحر المتوسط، مرورا بتفاهمات متقطعة لا تحول دون ممارسة القاهرة لدورها حيال القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من توقيع اتفاقية سلام ظلت العلاقات حبيسة أطر ضيقة، ونجحت القاهرة في تطويعها لصالحها، والعمل على فرملة مشروع الشرق الأوسط الكبير عندما كانت الأجواء مواتية لممارسة هذا الدور، وعدم الانخراط في صفقة القرن أو تشجيعها، ولم تكن راضية عن المآلات الأخيرة للاندفاع نحو التطبيع العربي مع إسرائيل.

حدثت تطورات إقليمية أرخت بظلالها على هذه الحسابات ودفعت مصر إلى إدخال تعديلات على رؤيتها الخارجية مع حرص على عدم التخلي عن القضية الفلسطينية وسعيها لتكون على قيد الحياة ومنع دفنها سياسيا.

وقبلت بعقد قمة في شرم الشيخ مؤخرا بحضور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ثم شارك وزير خارجيتها في قمة واحدة بجوار وزراء خارجية إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات والبحرين والمغرب، عرفت بأنها قمة تطويق إيران، حتى ولو حرصت القاهرة على الإيحاء بأن القضية الفلسطينية في قلبها.

تنبع أهمية هذه اللقاءات من السياقات الإقليمية التي عقدت، حيث توحي بأن القاهرة لم تعد رافضة للتكيف مع المستجدات التي لها علاقة بمصالحها المباشرة، وعلى استعداد للتعامل مع أي قوة أو تطور بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

لن يغير الرفض أو الانعزال من الأمر الإقليمي شيئا، ففي ظل عمليات رسم الخرائط المتسارعة وإعادة هندسة المنطقة لم تعد المقاومة بطولة والتنديد قوة، لكن المشاركة والدفاع عن الحقوق الوطنية والقومية هما السيف الذي يمكن أن يحافظ على المصالح.

انفتحت مصر جزئيا على تركيا بعد تقديم الأخيرة حزمة من المبادرات تؤكد حرصها على عودة العلاقات، واستجابت مع بعضها ولا تزال على استعداد للتجاوب مع الأجزاء الأخرى طالما أنها تتسق مع أهدافها، وما لم تستطع تحقيقه بالخصومة يمكن أن تحققه بالمصالحة، ما يشير إلى أن المستقبل سوف يشهد انفراجات جديدة مع أنقرة.

لم تغب قطر عن المشهد؛ فما حدث على مدار ثمانية أعوام، منذ منتصف 2013 حتى بداية 2021، فاجأ الكثير من المراقبين، حيث أنهت مصر مقاطعتها للدوحة، وبدأت الأخيرة تعيد ترتيب أوراقها بما لا يضر بالمصالح المصرية حتى وصلت العلاقات إلى مستوى مرتفع مع توالي اللقاءات على مستوى القمة والوزراء وكبار المسؤولين واللجان المشتركة، ثم دخول التعاون الاقتصادي مرحلة متقدمة.

يمكن توسيع نطاق القياس على نماذج إسرائيل وتركيا وقطر في المنطقة بنماذج أخرى على مستوى العالم، فقد أعادت مصر تنظيم علاقاتها مع قوى دولية، مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ولم تقف عند الأضرار التي سببتها لها كل منها في قضايا ومواقف مختلفة، وتمكنت من صياغة منظومة جيدة من التعاون تتجاوز الكثير من المطبات والتناقضات.

تتمسك القيادة المصرية بالتوازن في موقفها السياسي بين محوري واشنطن وموسكو في الأزمة الأوكرانية، ولا تمانع في التعامل مع أي منهما، لأن كليهما يلبي حاجة أساسية لها، وتصعب التضحية به أو الانحياز إلى طرف على حساب آخر، وهي الطريقة التي تؤكد الرغبة في عدم رهن المصالح المصرية بجبهة واحدة.

تعزز هذا التوجه الذي يتبناه الرئيس عبدالفتاح السيسي وبه تخطى الكثير من الإشكاليات التي واجهها الرئيسان السابقان حسني مبارك وأنور السادات عندما اعتقدا أن الولايات المتحدة تملك بمفردها مفاتيح الحل والعقد في المنطقة وربما العالم.

تتجاوز مصر تدريجيا فكرة الموقف المحسوم أو المطلق من دول عربية بعينها أو من إسرائيل وغيرها، بما فيها إيران، أو حتى من قوى كبرى، وصارت هذه السياسة من الماضي لأن أضرارها عديدة ومع توالي الأزمات الاقتصادية وتزايد التحديات السياسية لم تعد الأفكار النمطية مجدية لتحقيق الأهداف المصرية.

لا توجد ممانعات للتعاطي مع “الجن الأزرق” كما يقولون في بعض الأمثال عندما تتعلق التغيرات بالمصالح الحيوية، حيث تتحرك القاهرة ليكون موقفها التفصيلي من كل ملف وفقا لمستحقاته، فالنظرة القصيرة والأفق الضيق لا مجال لهما في السياسة الدولية التي باتت تحفل بمفاجآت يمكن أن توقع أضرارا بالغة بأي دولة.

لا يوجد مكان للمترددين أو المتقاعسين في الدفاع عن مصالح أوطانهم، ومصر دولة محورية في الإقليم ولا تتحمل هزات جديدة، وإن لم تكن قائدة فعلى الأقل يجب أن تصبح متفاعلة مع من حولها، هي التي وضعت بذرة التسوية السياسية مع إسرائيل، وربما مكنتها الظروف من الحفاظ على الدرجة التي تريدها في نتائج عملية السلام، غير أن التطورات تفرض عليها القبول بتغيراتها.

لن تستطيع دولة، مهما كانت مركزيتها وقوتها وعنفوانها السياسي، التخلف عما يجري حولها؛ فقد تتمكن من تعطيل بعض التوجهات لبرهة من الوقت، لكن لن توقف زحفها إذا تحولت إلى تيار له جهات تدفعه نحو الأمام ومصالح مترابطة.

تفرض الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مصر التخلي عما كان يعتقد أنه من المحرمات، وقد تنحني القاهرة للعواصف من دون أن تسمح لها باقتلاعها، وهو الإبداع الذي مكنها ولا يزال من التأقلم مع المستجدات المتلاحقة، حيث تنظر دائما إلى أين سوف تستقر البوصلة في المستقبل ثم تضع أقدامها داخلها أو بالقرب منها.

انقضى زمن التمسك بالأيديولوجيا على حساب المصالح وأصبحت الأخيرة تتحكم في الحركة البندولية للدول، ما يجعل القاهرة تقبض على بعض الأوراق وتملك البدائل وتتجنب وضع البيض في سلة واحدة، وهي سياسة تمنح قيادتها قدرة في لحظة معينة لترفض أو تقول لا إذا وجدت أن هذا الطريق لن يحقق ما تصبو إليه، فالدول مثل طباع الكثير من الأفراد تتغير وتتلون بالمعنى السياسي وليس الأخلاقي، وفقا لمجموعة من التوازنات التي تحفظ في النهاية مصالحها الاستراتيجية.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى