أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: مصر بحاجة إلى حزب حاكم

محمد أبو الفضل 29-8-2022م

في كل أزمة كبيرة أم صغيرة يحمّل مصريون كثيرون الرئيس عبدالفتاح السيسي المسؤولية، وتبدو الحكومة والوزراء ومعاونيهم بعيدين تقريبا عن الانتقادات والاتهامات، فقد اختار السيسي منذ بداية حكمه أن يكون ظهيره السياسي الشعب المصري بطوائفه المختلفة، ورفض أن يكون له حزب معين يرأسه، وبعد مضي أكثر من ثماني سنوات على حكمه يبدو أن هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة.

يتحمل الحزب الحاكم والحكومة التي يشكلها جانبا كبيرا من المسؤولية السياسية عند نشوب أزمات، وفي بلد مثل مصر يمر بأزمة اقتصادية حادة أضحى الرئيس هو الجهة الوحيدة التي يتم مخاطبتها من قبل الشعب، لأنه لا يوجد حزب حاكم، ولا يعرف الناس أسماء الكثير من الوزراء كي يتم مخاطبتهم والشكوى منهم.

ومنذ بدأ الرئيس السيسي يتصدى للأزمات ويعمل على حلها وتفسيرها وطمأنة الناس وهو المسؤول الأول والأخير أمامهم عن المشكلات التي تنشب في الداخل أو الخارج.

أدى هذا الاتجاه إلى تحميل السيسي كل شيء، ولو وجد الناس طريقا غير ممهد في قرية نائية في جنوب مصر لقالوا لماذا لم يقم الرئيس بتمهيده؟ ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية وروافدها المتعددة زاد هذا الحديث واصطحب معه انتقادات موجهة للرئيس الذي تصور أن اختياره ليكون الشعب ظهيره سيوفر له حماية سياسية ممتدة.

فرض الغلاء الحاصل في أسعار السلع والخدمات واقعا جديدا لم ينتبه إليه مبكرا الرئيس السيسي، حيث قادت الضغوط التي يمثلها هذا الواقع إلى التفكير فقط في حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون، ومهما كان الدور الذي لعبه السيسي في توفير الأمن والاستقرار لم يشفع له الآن لتقبل الناس التداعيات المرة للأزمة الاقتصادية.

ينصب غضب الكثيرين عليه ولا يلتفت هؤلاء إلى حجم التقصير الذي يرتكبه أعضاء البرلمان والحكومة وطاقمها الوزاري والمحافظين وكافة الجهات التنفيذية المسؤولة مباشرة عن التعامل مع المشكلات والبحث عن حلول لها، وتظل العيون مصوبة نحو الرئيس الذي اختار بإرادته أن يكون بعيدا عن العمل الحزبي.

كان هذا الاختيار مثالا في حينه، حيث خرجت الدولة للتو من مرحلة كادت تنزلق فيها إلى انقسامات لم تعرفها من قبل، ومع الهدوء وتوافر الأمن والاستقرار والشروع في بناء العديد من المشروعات التنموية من الممكن إعادة النظر في هذا المبدأ.

مهّد ابتعاد السيسي عن الحزبية المجال لنوعين من المظاهر السلبية التي يمكن أن تدفع البلاد ثمنا لهما، الأول تكالب غالبية الأحزاب على الالتفاف حول الرئيس من أجل تحقيق منافع مادية ومعنوية، والثاني تصحر الحياة السياسية للدرجة التي ماتت فيها أنشطة الأحزاب، وفقد معظمها الحيوية المتعارف عليها في مصر.

يخوّل الدستور المصري للحزب الفائز بالأغلبية في انتخابات مجلس النواب تشكيل الحكومة، ويكون الرئيس حكما بين الجميع، وتتم محاسبة الحزب أو الأحزاب المؤتلفة والحكومة من قبل البرلمان، لكن الأخير لا يقوم بدوره على أكمل وجه وتعرض لاهتزازات أخلت بواجباته الواسعة المنصوص عليها في الدستور.

أخذ الرئيس على عاتقه تحمل المسؤولية بمفرده، والشعب في مصر لا يعرف سوى المركزية في الحكم، من هنا يوجه سهامه إليه بأشكال متباينة وربما ظالمة، وما أسهم في مضاعفة السهام الموجهة إليه اعترافه بعدم حاجته إلى ظهير حزبي، معتقدا أن الحماس والفوران اللذين صاحبا اختياره رئيسا في المرة الأولى يمثلان شيكا على بياض.

انتبه رؤساء مصر السابقون، بدءا من جمال عبدالناصر وحتى الرئيس الإخواني محمد مرسي، مرورا بأنور السادات وحسني مبارك، إلى أهمية أن يكون لكل منهم ظهير يتلقى الصدمات والطعنات السياسية والانتقادات الاجتماعية ويحتوي الأزمات الاقتصادية، بصرف النظر عن قوته الشعبية ومدى ديمقراطيته الحزبية.

اخترع عبدالناصر الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي، وأسس السادات حزب مصر الذي تحول إلى الحزب الوطني الديمقراطي الذي نضجت خبراته وتوسعت تجاربه وأصبح الذراع السياسية لمبارك من بعده، واعتمد مرسي على جماعة الإخوان، وعندما تشتد الأزمات كانت توجه الاتهامات للأحزاب أولا ثم إلى الرئيس.

استبعد السيسي هذه المرحلة أو الحلقة الوسط التي كان من الممكن أن ترفع عنه جانبا كبيرا من الحرج، حيث عرضه عدم وجود غطاء حزبي مباشر إلى أن تكون جميع الانتقادات موجهة إليه، باعتباره الرئيس والمسؤول عن الحكومة ودولاب العمل برمته، وحتى الأحزاب، وفي مقدمتها حزب مستقبل وطن وقيل إنه يمثل ظهيرا ضمنيا له في الشارع والبرلمان لا يلمس الناس لها لحضور الكافي فيهما.

كما أن اجتهادات تنسيقية شباب الأحزاب التي تضم عددا من القوى السياسية لم تستطع أن توجد لنفسها مكانا ملموسا في الشارع، وصبت اهتمامها الرئيسي على تقديم المساعدات للفقراء بلا عمل سياسي محدد، وجزء كبير منها جاء لأسباب مصلحية تخص القائمين عليها ولم يجن الرئيس السيسي ثمارا سياسية حقيقية منها.

تحتاج تجربة الأحزاب والتكتلات التي تقف خلف الرئيس إلى مراجعة دقيقة، وشحذ ذهني لتقييمها على مدار السنوات الماضية، لأن الدور الاجتماعي الذي تلعبه طغى ولم يمكنها من ممارسة دور سياسي يتناسب مع مهام الأحزاب التقليدية.

يمكن القول إنها لم تستطع التعامل مع الأزمات الثقيلة التي تحتاج إلى حنكة سياسية، وأخفقت في أن تصبح رديفا للرئيس والحكومة، فعندما يغضب الناس من ارتفاع أسعار سلعة أو خدمة أو رداءة شارع لا يتجهون إلى هؤلاء، بل يلجأون إلى السيسي مباشرة، وهو عبء يحتاج إلى جهد مضاعف للحد من تصاعده، ولن يحدث ذلك إلا في وجود شركاء آخرين في تحمل المسؤولية.

بدأت أصوات قريبة من الرئيس تنتبه إلى هذه الإشكالية وتتحدث عن دور الحكومة في حل الأزمات، وكأنها تمهد لتخفيف الأعباء عنه، ما يتطلب توفير مرونة في حركة الحكومة والوزراء وما يتخذ من قرارات بما يتجاوز دورهما التنفيذي الظاهر.

تحمّل الرئيس السيسي تبعات هذه المسألة كثيرا، وخرج البرلمان والحكومة وكل الجهات المسؤولة عن المراقبة والمحاسبة والتنفيذ من هذه المعادلة التي من الضروري تصويبها، وتقوم كل جهة بدورها المنصوص عليه في الدستور، لأن وضع التكاليف على ظهر الرئيس وحده يمثل عبئا ثقيلا على مستقبله السياسي.

يتطلب تشكيل حزب حاكم للرئيس إحداث تغيير كبير في المشهد العام بصورة يمكنها أن تستوعب وضع قواعد جديدة في آليات اللعبة السياسية في مصر، وأبرزها توسيع نطاق الحريات وعودة الحيوية للأحزاب، وهي المهمة التي من الواجب أن يحرزها الحوار الوطني الحالي لتتناسب مع أهداف الجمهورية الجديدة التي يريدها السيسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى