أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: عاصفة سفير روسيا في السودان

محمد أبو الفضل 24-6-2024: عاصفة سفير روسيا في السودان

لا يزال المقال الذي كتبه سفير روسيا في السودان أندريا تشيرنوفول ونشر على نطاق واسع قبل أيام يحظى باهتمام من جانب بعض القوى المدنية بعد تحميلها مسؤولية الحرب الجارية، واتهامها بالعمالة للغرب الذي يسعى لإيصالها إلى الحكم، في المقابل أشاد بالجيش وأنه العقبة الكؤود الذي يقف حائلا دون وصول المعارضة إلى السلطة.

بدا المقال للوهلة الأولى أنه يخلو من القواعد الدبلوماسية، ويعد تدخلا سافرا في الشأن السوداني، ويحمل إساءة بالغة للقوى المدنية، على رأسها تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدم)، لكن في العمق منه يعبّر عن الموقف الروسي من الحرب بين قوات الجيش والدعم السريع، ومحاولة تحويلها إلى مواجهة جديدة مع الغرب، والولايات المتحدة بشكل خاص، تريد أن تكسبها موسكو، ما يزيد الحرب اشتعالا ويخرجها من أطرها المحلية والتقليدية وتحويلها إلى صراع بين قوى كبرى، أو حرب بالوكالة.

يكفي عنوان المقال الذي كتبه تشيرنوفول (مواجهة الاستعمار الغربي الجديد) لفهم الغرض منه، وهو أن السودان واحد من محطات المواجهة المقبلة بين واشنطن وموسكو، وأن الإشارات التي ظهرت خلال الفترة الماضية بشأن تطوير العلاقات بين روسيا والجيش السوداني وضعت نواة للمقاربة بين الجانبين تعتمد على ما تردد حول تقديم موسكو مساعدات عسكرية نظير حصولها على تسهيلات لوجستية في شرق السودان، أي على ساحل البحر الأحمر.

أراد السفير الروسي تعزيز علاقة بلاده مع الجيش من خلال ضرب القوى المدنية والتشكيك في أهدافها ونواياها، لأنها الجهة الوحيدة التي يمكن أن تحدث منغصات سياسية قوية للجيش إذا مضت في مشروعها السياسي، ونجحت في الحصول على المزيد من الدعم لفكرة التحول الديمقراطي، وما تنطوي عليه من ابتعاد قسري للجيش عن السلطة، وفي هذه الحالة سوف تفقد روسيا ما تخطط له، لأنها على يقين أن هزيمة الجيش عسكريا وسياسيا تعني سد أبواب السودان أمام موسكو.

لم يكن ما كتبه أندريا تشيرنوفول مقالا عابرا، بل هو يؤشر على فكر وخطة بلاده حيال السودان، ويؤكد أن المشكلة ليس في قوات الدعم السريع التي أفادت معلومات أنها تحصلت على دعم عسكري في بداية الحرب من قوات فاغنر الروسية، لكن في القوى المدنية الرافضة لتوجهات الأنظمة الشمولية عموما، والتي تلتقي في النهاية مع مصالح عديد من الأنظمة الغربية ترى ضرورة في جرّ السودان ناحيتها عبر شعارات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والتحفظ على اقتراب بعض الجيوش من السلطة في دول تشعر واشنطن بوقوع ضرر بالغ على مصالحها فيها.

وضع مقال السفير الروسي القوى المدنية في موقف صعب، فانتقادها لموقفه يصب في جعبة الولايات المتحدة ما يعزز اتهاماته، وصمتها يمنح الرسائل التي حواها المقال مصداقية في الواقع، ولذلك لم تتماد تنسيقية “تقدم” في الرد علنا على تشيرنوفول وبدأت في دراسة أبعاده داخليا، والتي تؤكد أن موسكو يمكن أن تصبح رافعة قوية للجيش السوداني في الفترة المقبلة، وهو ما شجع قيادته على التمسك باستمرار الحرب، ورفض نداءات العودة إلى طاولة المفاوضات من خلال منبر جدة.

أسهمت اللقاءات والزيارات المتبادلة بين مسؤولين في روسيا ومجلس السيادة الانتقالي السوداني في الحديث عن عزم الطرفين على القيام بالمزيد من تطوير العلاقات المشتركة التي يمكن أن تخرق بعض القواعد الجيوستراتيجية إذا تمكنت موسكو من الحصول على تسهيلات عسكرية على البحر الأحمر، فقد تتدخل واشنطن للضغط على الجيش مباشرة، أو دعم قوات الدعم السريع عسكريا والقوى المدنية سياسيا.

في الحالتين لن يشهد السودان استقرارا على المدى المنظور، وقد تكون هذه النتيجة مريحة لروسيا والولايات المتحدة، فكلاهما تستفيد من الصراعات التي تضرب بعض الدول بطرق مختلفة، فموسكو اقتربت كثيرا من البحر المتوسط عقب اندلاع الحرب في سوريا ودخولها على خطوطها بدعم نظام دمشق ومساهمتها في صموده وانتصاره على الكثير من قوى المعارضة السورية، ما جعله مدينا لروسيا حتى الآن.

تريد موسكو تكرار السيناريو نفسه مع رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، فمن المؤكد أن مساعدتها له وتمكينه من الصمود وتعويض خسائره الميدانية أمام قوات الدعم السريع سيجعله مدينا لها، على طريقة الرئيس السوري بشار الأسد، وربما يمنحها كل ما تريده من مزايا إستراتيجية على البحر الأحمر، لأن قواته لن تستطيع مواصلة القتال بلا دعم عسكري روسي.

وقد يحصل الطرف الآخر (الدعم السريع) في الصراع على دعم أميركي سخي، فواشنطن تعتبر أن تمدد موسكو في السودان يعني سيطرتها على غرب أفريقيا وشرقها ووسطها، وهي معادلة سوف تخلّ بتوازناتها في هذه المنطقة، وتمثل تهديدا واسعا لمصالحها، ولن تقف مكتوفة الأيدي وترى نفوذ روسيا يزداد أفقيا، ما يجبرها على التخلي عن المعادلة التي تتبناها حاليا وتقوم على فرض عقوبات رمزية على طرفي الصراع، والتدخل دبلوماسيا على استحياء عبر تصريحات ومناشدات مبعوثها الخاص إلى السودان.

قد يكون مقال السفير الروسي في السودان وصفة دبلوماسية لما يمكن أن تتبناه بلاده في الفترة المقبلة، وقد يكون حجرا قذف به في مياه السودان للتعرّف على ملامح من تقديرات القوى المدنية لاحقا، فالرسائل التي حملها أضفت عليه أهمية سياسية كبيرة، خاصة أن تقاطعات تشيرنوفول السابقة لم تكن بهذا الوضوح الذي يشير إلى أن موسكو حسمت موقفها للوقوف في ظهر الجيش، وتخلت عن ترددها أو ما يوصف بالحياد بينه وبين قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل من العام الماضي.

ومع أن مقال تشيرنوفول تحدث في نهايته عن أهمية الحوار السوداني، إلا أن إشارته بدت كأنها ذر للرماد في العيون، فالسفير كال الاتهامات للقوى المدنية من نوعية “عميلة” و”مأجورة” و”طامعة في السلطة”، وفرّغ هذه الإشارة من مضمونها الإيجابي، لأن الحوار الحقيقي لا يقتصر على الجيش والدعم السريع، فالحرب بينهما كشفت عن جوانب خلل كبير في هياكل الدولة، ما يستوجب مشاركة جميع القوى الوطنية في وضع آليات للخروج من الورطة الراهنة، بما يضمن عدم العودة إليها في المستقبل، ويتطلب مشاركة عسكرية – مدنية في الحوار.

يمكن للقوى السودانية الوطنية الاستفادة من عاصفة مقال السفير الروسي إذا اعتبرته تنبيها لما يمكن أن يصل إليه الصراع في السودان، فقد يدخل محطة أشد قتامة ما لم يتم الضغط للعودة إلى طاولة المفاوضات والتصرف بحكمة من كل الأطراف، فالقوى الكبرى التي لها مصالح في بلدهم قديمة أو تطمع في مصالح جديدة لا يهمها توقف الحرب، فالحروب أداة لتحقيق الأهداف التي لا تتحقق بسهولة وقت السلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى