أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: دوامة غزة ترهق الوساطة المصرية

محمد أبو الفضل 22-6-2024: دوامة غزة ترهق الوساطة المصرية

ما إن يقترب الوسيط المصري من تفكيك عقدة في المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحركة حماس، إلا ويجد عقدا أخرى تطفو على السطح تعبّر عن عدم استعدادهما أو أحدهما لعقد الصفقة المنتظرة للأسرى وما يمكن أن يصاحبها من وقف لإطلاق نار تم التلاعب بتسميته “مستدام” أم “نهائي”، وتفاصيل دقيقة تتعلق بقضايا أخرى من نوعية توقيتات انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة وحدوده.

أرهقت إسرائيل وحماس القاهرة لحل الكثير من المشكلات المتناثرة دون أن يخلو الأمر من اتهامات بشأن عدم ممارسة ضغوط كافية لتليين موقف الحركة الفلسطينية، وهي إشكالية توحي بأن مهمة مصر تتجاوز حدود الوساطة إلى إجبار حماس على القبول بما تريده إسرائيل أو ما تطرحه الولايات المتحدة التي لم تمارس عمليا ضغطا على تل أبيب لتظهر مرونة كبيرة في المفاوضات، بل على العكس وقفت في صفها كثيرا، حيث تشارك واشنطن في الوساطة ولم تتورع عن مد إسرائيل بالأسلحة.

يبدو أن الجهود التي بذلت عبر جولات متعددة من المفاوضات في كل من القاهرة والدوحة جعلت تحركاتهما تفتر قليلا الأيام الماضية، فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بات غارقا في مستنقع غزة، ويواجه سلسلة من الخلافات الداخلية وصلت إلى حد التباين بين المستويين السياسي والعسكري، وجاءت السخونة المتصاعدة على الجبهة الشمالية وتحديات حزب الله اللبناني لتجبره على منحها قدرا أكبر من التركيز ربما يفوق الجبهة الجنوبية الفترة المقبلة.

قرأت حماس هذه المشاهد جيدا، ما دفعها إلى التمسك بمطالبها الرئيسية حيال وقف دائم للحرب، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من غزة، وعودة السكان إلى مناطقهم، وتدفق المساعدات بكثافة، وعدم التفريط في ملف إعادة الإعمار، وهي تعني أن نتنياهو هُزم في هذه الحرب، إذا جرت الاستجابة لها وتنفيذها، ما يجعله يبدي تصلبا، إذ خاض معارك عدة لتحقيق أهدافه وليس للتوقيع على وثيقة استسلام لحماس، وهو ما تدعمه فيه واشنطن التي فقدت مبكرا دورها كوسيط وأصبحت طرفا مؤيدا لإسرائيل.

تم توزيع الأدوار ضمنيا منذ الإعلان عن الوساطة الثلاثية (مصر وقطر والولايات المتحدة)، حيث تتولى الأولى والثانية مهمة إقناع أو الضغط على حماس لتسهيل المفاوضات، وتتولى الثالثة دفة إسرائيل للقيام بالمهمة ذاتها.

قد تكون القاهرة والدوحة لعبتا دورا في تليين مواقف الحركة في أوقات معينة، غير أن واشنطن لم تقم بواجبها تماما، وقبلت أن تتظاهر بالعجز أو قلة الحيلة أمام إسرائيل ولم تقبل بممارسة ضغوط كبيرة عليها، كما أن خارطة الطريق التي طرحها الرئيس جو بايدن وبموجبها جاء مشروع القرار الأميركي الذي قدم إلى مجلس الأمن الدولي مؤخرا وصف بأنه “مشروع إسرائيل”، ما يخل بمهمة الوساطة الموكلة للولايات المتحدة.

أخذت دوامة غزة تدخل في دروب ودهاليز عسكرية وسياسية وإنسانية متعددة، وما إن تمسك مصر بأحد طرفيها إلا وتواجه مشاكل مختلفة، منفردة أو ثنائية، وتحملت القاهرة انتقادات واتهامات بشأن ما روجته إسرائيل حول التنسيق الأمني مع إسرائيل لإدارة معبر رفح بعد سيطرتها عليه من الجانب الفلسطيني.

ودار حديث جديد (الأربعاء) حول مشاركة مصر في قوات عربية تابعة للأمم المتحدة للسيطرة على المعابر في قطاع غزة، الأمر الذي جرى نفيه في الحالتين، بما يؤكد أن القاهرة تتحمل ضغوطا كبيرة بسبب دورها في مسألة الوساطة التي لم تنتج صفقة أمنية وسياسية تفضي إلى وقف الحرب في غزة، وتفتح المجال للحديث عمليا عن حل حقيقي للقضية الفلسطينية وترتيب الأوراق بشكل يقوض الحركة أمام الحرب.

وتعرضت قطر، ولا تزال، لضغوط من قبل إسرائيل والولايات المتحدة بسبب استضافتها قيادات حماس على أراضيها، وانتشرت معلومات حول قيامها بطردهم وانتقالهم إلى دولة أخرى، واضطرت إلى كشف ما هو معلوم بالضرورة حيال قبولها فتح مكتب لحماس في الدوحة منذ سنوات، وأنه جاء بالمباركة والتعاون والتنسيق مع واشنطن، ثم هدأت الحملة على قطر نسبيا، لأن دورها السياسي سوف يظل مطلوبا، وهناك حاجة إليه طالما أن المواجهة بين إسرائيل وحماس لم تغلق أبوابها بعد، والحرب مستمرة لأجل غير مسمى، ونتائجها قد تعزز علاقة الدوحة مع حماس.

الواضح أن المصريين فهموا خطورة الانخراط الكبير في الوساطة والتصدي لمحاولة تقريب المسافات بين إسرائيل وحماس، واتخذت القاهرة مسافة من دون التخلي عن دورها، لأن المرحلة الراهنة التي تمر بها الحرب على قطاع غزة إما أن تدفع نتنياهو إلى الدخول في صفقة حقيقية أو التمادي في مراوغاته، فالمعلومات الحيوية التي كشف عنها حزب الله الثلاثاء قد تضطر إسرائيل إلى توسيع نطاق الحرب أو لجمها.

في الحالة الأولى (التوسيع) لن تفضل استمرار المعارك مفتوحة في القطاع، والحالة الثانية (اللجم) تعني الوصول إلى تهدئة على الجبهتين، لأنهما أصبحتا على علاقة أكثر قوة من ذي قبل، وهو ما سعى المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص آموس هوكستاين إلى تفكيكه خلال زيارته لكل من إسرائيل ولبنان يومي الاثنين والثلاثاء، خاصة بعد أن قذف حزب الله بقنبلة معلوماتية وضعت بعض المدن الإسرائيلية في مجال انكشاف إستراتيجي خطير ربما يغير قواعد الاشتباك المتعارف عليها في المنطقة.

تسببت دوامة غزة في اقتناع مصر بأن الطرفين وجدا في مواصلة الحرب خيارا سياسيا سعيا للحفاظ عليه خلال الفترة الماضية، ما دفعها إلى اتخاذ خطوة إلى الخلف في عملية الوساطة التي باتت فاترة، وتيقنها من أن نتنياهو متذبذب وغير مستعد للتوقيع على صفقة تعيد الأسرى إليه وتمهد لوقف الحرب.

بدت القاهرة كأنها تنتظر حدثا يمكن أن يغير المعطيات على الأرض في القطاع أو داخل إسرائيل، ووقر في عقلها أن الإرادة السياسية التي يمكن أن تقود إلى الحصول على نتيجة إيجابية من نتنياهو غير متوافرة، وبدأت حركة حماس تستغل وضع حكومة إسرائيل الحرج، بعد حل حكومة الحرب والارتباكات التي تلتها، لتوحي بأنها تفوقت على ألاعيب رئيسها ولم تقدم له تنازلات، وأنها مستعدة لمواصلة القتال لفترة أخرى.

وراهنت الولايات المتحدة على إنهاء الحرب بالطريقة التي تريدها، حيث تتعامل معها باعتبارها حربها التي خاضتها بشكل غير مباشر، وخسارتها أو عدم تحقيق أهدافها سوف يضاعف من التحديات التي تواجهها واشنطن في المنطقة، وهي مشكلة خلقت لها مأزقا عميقا مع الوسيطين (مصر وقطر) وجعلتهما يحرصان على أن يكون دورهما في الحدود الدنيا، بانتظار تداعيات تمهد للحديث بجدية عن المفاوضات.

لم تغامر مصر بالتمادي في وساطة بلا أفق، ولم تغامر بالانجرار وراء سيناريو توريطها الذي حاولت قوى مقربة من حماس جرها إليه بموجب استفزازات إسرائيلية متعددة، وأدارت الأزمة بالشكل الذي يريحها ويمكنها من أن تتجنب إشكاليات عديدة في المنطقة، وربما يخرجها رابحة إقليميا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى