أقلام وأراء

محمد أبو الفضل: دروس العزوف عن التظاهر بمصر

محمد أبو الفضل 21-11-2022م: دروس العزوف عن التظاهر بمصر

ارتاحت شريحة من مؤيدي النظام المصري كثيرا بعد مرور دعوات التظاهر بسلام التي حثت على خروجها جماعة الإخوان في الحادي عشر من نوفمبر الجاري، لكن مؤيدين آخرين لا زالوا يتمعنون في الأمر ويستخلصون منه عبرا عديدة تفرض الانتباه إلى أن عدم التجاوب لا يعني العزوف تماما عن التظاهر مستقبلا.

هناك ثلاثة محددات رئيسية يمكن من خلالها تفسير فشل عاصفة التحريض التي قامت بها الإخوان، الأول يتعلق بفقدان الجماعة رصيدها ومصداقيتها في الشارع وعدم قدرة خطابها الإعلامي على الحشد، والثاني له علاقة بالإجراءات الأمنية والسياسية الصارمة التي اتخذها النظام وحالت دون توفير بيئة خصبة للخروج عليه، والثالث أن تصاعد حدة الأزمات الداخلية لا يكفي وحده بلا محركات مباشرة للتظاهر، وأن المواطنين بإمكانهم تجنيب بلدهم الوقوع في براثن هزة في مرحلة اقتصادية صعبة.

تعامل النظام المصري بجدية كبيرة مع دعوات التظاهر ولم يترك كبيرة أو صغيرة للصدفة، فالتوقيت الذي جرى اختياره للتظاهر بالغ الحساسية من ناحيتي: تزامنه مع استضافة مصر لمؤتمر المناخ في شرم الشيخ وحضور عدد كبير من زعماء العالم، وارتفاع منسوب الغضب الناجم عن المتاعب التي أفضت إليها الأزمة الاقتصادية.

كبحت الإجراءات المتعددة التي اتخذت مؤخرا كل من أراد تحويل فكرة الاحتجاج إلى فعل حقيقي في الشارع، وأدت إلى التزام شريحة كبيرة من المواطنين منازلهم في اليوم المحدد للتظاهر، وهو ما تم تفسيره سياسيا باعتباره رفضا للتجاوب مع الدعوات وحفاظا على أركان الدولة وعدم تعريضها للخطر وتوجيه رسالة دعم واضحة للنظام المصري، ما يعني رسوبا كبيرا لمعارضيه في الداخل والخارج.

تعد هذه الرسائل جيدة من دون تضخيم لها أو تعسف في التعامل مع ما تحمله من مضامين خفية، فقد تتحول إلى رسائل سلبية إذا تم النظر لها كعنصر دعم للسياسات الراهنة وعدم قراءة ما تنطوي عليه من معان سوف تقود إلى تبعات ربما يصعب التوصل إلى روشتة لوقف ما يترتب عليها من تداعيات غامضة.

يستطيع المراقب استلهام المكونات الإيجابية دفعة واحدة، لكن القول إن مصر لن تشهد تظاهرات بعد ذلك بحاجة إلى تدقيق وإعادة نظر رصين، وقد تبدو فرص الاحتجاجات لدواع سياسية ضئيلة بعد أن تلقت جماعة الإخوان وكل من ساندها وأيدها إعلاميا ضربة جديدة موجعة، غير أن هناك أسبابا اقتصادية يمكن أن تصبح أشد خطورة للتحريض على تحويل غضب المصريين الصامت إلى انفجار.

حذر مؤيدو النظام المصري العقلانيين من الاعتماد على استنتاجات سياسية وأمنية، ونبهوا إلى أنها لا تكفي للاطمئنان التام لها، فحجم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في مصر ليس هيّنا، وربما يتحول إلى مدخل تطل منه تظاهرات واسعة ما لم تستطع الحكومة إيجاد وسائل عاجلة لتخفيف الألم الذي أدى إليه الارتفاع الكبير في غلاء الأسعار والخدمات ووقف التدهور الحاصل في مستوى معيشة الملايين من الأسر.

يمكن أن تستوعب مصر تظاهرات لدوافع سياسية لفترة معينة، لكنها لن تستطيع تحمل احتجاجات لأسباب اقتصادية للفترة نفسها، فالأولى يمكن وقفها بجملة من الإصلاحات الهيكلية والمحاسبات العاجلة لبعض المسؤولين من منطلق الخبرة المتوافرة للدولة من ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، والتي يعلم الرئيس عبدالفتاح السيسي وحده جميع الخفايا التي أحاطت بهما وأدت إلى ما أدت إليه كلاهما من تطورات.

بينما الثانية يصعب لجمها أو توقع المدى الاجتماعي الذي يمكن أن تذهب إليه، فالإصلاحات الاقتصادية تحتاج إلى المزيد من الوقت لتظهر ملامحها الإيجابية ويجني الناس منها ثمارا مادية، ولن تفلح معها تنازلات ترضي القوى السياسية، فالغاضبون يحتاجون إلى ما يسد جوعهم ولا توجد لديهم تطلعات للوصول إلى السلطة.

خلّف عزوف المصريين عن التظاهر مجموعة دروس عميقة يمكن أن يستفيد منها النظام الحاكم في علاج الكثير من أوجه الخلل التي قادت إلى ظهور فجوات لافتة بينه وبين شريحة من المواطنين مؤخرا، فمن دعوا إلى التظاهر ولم يحققوا أغراضهم سياسيا لن يتوقفوا عن الاستثمار في الأبعاد الاقتصادية التي يتسع نطاقها مع محدودية الحكومة في وضع وسائل للحد من الغليان المجتمعي.

يكمن مصدر الخطورة في وقوع فئة كبيرة من المواطنين في خضم معركة الشد والجذب بين النظام المصري وخصومه، فما يسمى بحزب “الكنبة”، والمقصود به الفئة التي تغلّب الصمت ويعلو صوتها في اللحظات الحاسمة، سوف تشتد المعركة على جذب أفراده في الفترة المقبلة، فالحكومة سوف تبذل جهودا كبيرة لاستيعابهم واسترضائهم عبر زيادة البرامج الاجتماعية الحمائية.

في حين تتجه جماعة الإخوان إلى الطرق بقوة على الأوتار الموجعة في حزب يضم غالبية كبيرة من المصريين يميلون غالبا نحو النأي عن الانشغال بالأمور السياسية، خوفا وهلعا أو جهلا وعزوفا، ويفضلون التركيز على همومهم الاقتصادية والبحث عن وسائل لتخفيفها بطرقهم الخاصة، والتي لا علاقة لها بالوقوف في وجه السلطة.

وعلى العكس، تنحاز هذه الفئة تلقائيا إلى السلطة كجهة وحيدة قادرة على إيجاد وسائل لعلاج مشاكلهم بعد أن تمكنت الدولة من تخفيف منابع الدور الاجتماعي للإخوان والسلفيين، ولم يعد البسطاء يعرفون سوى الأجهزة الرسمية كمعين لهم لحل مشاكلهم.

إذا لم تستطع الدولة سد هذه الاحتياجات عن طريق برامج الدولة الحمائية المتباينة، وهي كبيرة وجاءت وسط أزمة اقتصادية طاحنة، فإنها يمكن أن تواجه بموجة احتجاجات غير مألوفة، فعبارات من نوعية الصبر والصمت والقدرة الكبيرة على الاستيعاب التي تراهن عليها الحكومة يمكن أن تفقد دورها كمسكن معنوي للألم.

أجرت أجهزة الدولة المصرية بروفة جيدة في كيفية إخماد تظاهرات قبل اندلاعها، ونجحت بامتياز في أداء دورها في الحادي عشر من نوفمبر بشهادة الخصوم قبل المؤيدين غير أن المثل المصري الشهير “ليس كل مرة تسلم الجرّة (وعاء من الفخار)” يصلح لاستخدامه سياسيا في سياق هذا المقال، فكما استوعب مسؤولون كبار في النظام المصري دروس التعامل مع الثورات فالإخوان المصنفة إرهابيا في مصر أيضا يمكنها الاستفادة من ذلك.

من أهم الدروس التي استوعبتها الجماعة أخيرا عدم الإعلان عن مواعيد مسبقة للتظاهر، وتنحية جزء من الجوانب السياسية في إدارة الأزمة مع النظام المصري، والعزف على الأوتار الاقتصادية المشدودة عن آخرها ويمكن أن تنقطع إذا لم تستطع الحكومة التوصل إلى وسائل توفر لها مناعة ذاتية صلبة للمواطنين البسطاء تقيهم بها من حملات تحريض سوف تركز عليهم في الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى