أقلام وأراء

محمد أبو الفضل – حماس لا تعرف أين تضع قدميها

محمد أبو الفضل ٤-٤-٢٠٢٢م

أصيبت حركة حماس الفلسطينية بخيبة أمل كبيرة من التطورات التي تمر بها المنطقة والتغيرات في خارطة العلاقات السياسية، فمنذ ظهورها منذ حوالي ثلاثة عقود اعتادت الاستفادة من التناقضات الإقليمية وتوظيف الخلافات العربية لصالحها، واليوم ترى مشاهد غير مألوفة أمامها يمكن أن تحشرها في زوايا ضيقة.

تعاملت غالبية قيادات الحركة مع القمم التي عقدت مؤخرا في كل من شرم الشيخ والعقبة والنقب بمستوياتها المختلفة، والتحركات بين كل من تركيا وقطر ودول عربية عديدة تخاصمت معهما، بقدر من الحذر والتريث والانتظار لما يمكن أن تسفر عنه الأحداث من نتائج ربما تمكنها من تحديد خياراتها في المستقبل القريب.

لا تعرف حماس المدى الذي يمكن أن تصل إليه بعض الدول العربية في علاقاتها مع إسرائيل، وتعلم أن خيارها في الارتماء تماما في أحضان إيران لم يعد مناسبا وقد يكبدها خسائر باهظة إذا جرى تشكيل تكتل إقليمي جديد يجابه طهران.

يؤدي هذا التصور إلى ارتباك في حسابات حماس بما لا يجعلها تعرف أين تضع قدميها، حيث تأقلمت لفترة طويلة مع وضع قدم في تركيا وأخرى في مصر، أو وضع قدم في إيران والثانية في السعودية، وكان توزيع أدوار قياداتها خيارا مريحا.

نجت حماس من مأزق الانهيار الذي ضرب محور المقاومة عقب اندلاع الثورة السورية من خلال الاستثمار في التباين الذي حدث في محور الاعتدال ونتجت عنه تقسيمات أنهت فكرة أدمنت الحركة الفلسطينية التناغم معها، ووجدت في ازدواجية تركيا ومصر وسيلة مناسبة لتحقيق مكاسب هنا أو تقليل الخسائر هناك، وباتت هذه الصيغة معرضة للانهيار إذا مضى قطار التحسن بين البلدين في طريقه المرسوم.

تجاوزت حماس جانبا من العواصف التي ضربت التيار الإسلامي في المنطقة بعد قيامها بانحناءات شكلية وتعديلات لزوم تخفيف حدة الوطأة مع دول تتخذ موقفا رافضا وحاسما من جماعة الإخوان التي خرجت من رحمها حماس.

تمكنت من المحافظة على استمرار الدعم الذي تتلقاه من تركيا وقطر، لكن في ظل ظهور ملامح تغير في توجهات كليهما لن تصبح ضمن أولوياتهما، أو على الأقل لن تتلقى دعما سياسيا يؤدي إلى توتير علاقتهما مع مصر أو إسرائيل، بما يضطرها إلى البحث عن مخارج تساعدها على عبور أزمات سوف تواجهها في المستقبل.

وضعت قيادات الحركة الكثير من تقديراتها على أساس القفز بين المحاور والدول والتكتلات الضمنية، ولم تحسم جيدا السرعة التي يمكن أن تتغير بها الخارطة في المنطقة، وهو سيناريو شبيه بما واجهته بعد تداعيات الثورة في سوريا وانعكاسها سلبا على النظام الحاكم في دمشق ووقتها لجأت إلى القفز من سفينته.

نجت حماس إلى حد كبير من الامتحان الصعب بعد أن غلّبت براغماتيتها السياسية، ووقفت في جانب المعسكر المقابل من دون أن تفكر أن سوريا يمكن أن تعود إلى الحاضنة العربية والدولية بصورة مغايرة، وتثبيت قدميها مع دول ناصرتها العداء لن يدوم طويلا، فهذه تركيا تغير جلدها السياسي، وتلك قطر تقطع شوطا لتطبيع علاقتها مع مصر.

تبدو اللعبة التي أدمنتها حماس الخاصة بتقلبها بين الدول والمحاور على وشك أن تطوي صفحاتها القديمة وستكون مضطرة لتهيئة نفسها لدخول لعبة جديدة مغايرة.

تحتاج هذه المسألة إلى تعديلات في المناهج والأفكار والتصرفات، لأن دخول إسرائيل كلاعب شريك هذه المرة يفرض على بعض الدول اتخاذ إجراءات مختلفة حيال حماس، فما كان مقبولا من الدوحة أو أنقرة لن يكون كذلك الفترة المقبلة.

تتحمل حماس الجانب الكبير من الوضع الذي وصلت إليه أو يمكن أن تصل إليه قريبا، لأنها قدمت مصالحها الذاتية والحركية على الوطنية ولم تنظر إلى ما يحمله المستقبل من تحولات درامية على المستويين الفلسطيني والإقليمي.

فقد كرست سياستها الانقسامات وارتاحت إلى ما أصاب حركة فتح من تشرذم واعتقدت أنها الوريث الشرعي لها للتحكم في المصير السياسي للشعب الفلسطيني باستخدام أداتي المقاومة والمساومة، وكانت أحد المعوقات الرئيسية لعدم نجاح المصالحة واقتاتت على تفشيلها حتى وصلت إلى المربع الذي يفرض عليها تحمل مسؤولية تاريخية بشأن تحديد موقعها على الخارطة الفلسطينية.

تجاهلت مغبة الطريق الخطير الذي تريده إسرائيل ورسمته معها الولايات المتحدة لتفريغ القضية الفلسطينية من عدالتها في إطار أوضاع حرجة تمر بها المنطقة قادت إلى إعادة النظر في بعض المسلمات السياسية، ولم تفكر لحظة في ما يمكن أن يحدث من تعديلات للأوضاع التي تتعامل معها منذ سنوات وتتجاوز استبدال دولة بأخرى.

تتطلب الحالة الراهنة في المنطقة رؤية محددة من حماس غير مستعدة لها لأنها تحتاج إلى وضوح في التوجهات وتغيير حقيقي في الأفكار وتستلزم تقديم قيادات قادرة على فهم الواقع والتباساته وما يطرأ عليه من تصورات طارئة لم تؤخذ في الحسبان.

حماس لا تعرف أين تضع قدميها في الداخل والخارج، وهي أزمة هيكلية تواجهها حاليا، فنسق المقاومة الذي قامت عليه تهدمت الكثير من جدرانه، وعمليات التحريض التي تقوم بها لتوتير الداخل الإسرائيلي والتهليل الذي تظهره مع حدوث كل عملية قتل أو دهس لن يؤدي إلى استعادة بريقها العسكري أو يدفعها إلى الواجهة أو يفشل تطورات إقليمية بدأت تشق طريقها، لأن الخيار الأمني الذي تلـمح إليه من وقت إلى آخر والحض على تسخينه قد يفضي إلى القضاء على جزء كبير من قوتها.

تتراجع القواعد التي شيدتها حماس دون اتفاق مكتوب وتتعلق بدواعي التصعيد كل بضع سنوات أو أقل، إذ أن التطورات التي يمكن أن تفرزها العلاقات العربية مع إسرائيل لن تترك مجالا لذلك، وحدوثه في أجواء إقليمية يخيم عليها شبح المواجهة مع إيران قد يقضي على ظاهرة حماس عسكريا وينهي حضورها السياسي عربيا.

لن يكون لحماس مكان تحت شمس الترتيبات بين العرب وإسرائيل إلا إذا قامت بتحولات جذرية في أفكارها تتواءم مع حجم التطورات في المنطقة، ولن تتمكن من وضع قدم مع إيران وأخرى مع منظومة متوقع أن تستوعب غالبية الدول التي مثلت ملجأ للحركة وقت الأزمات، عليها أن تضع قدميها في مكان واحد، فالأوضاع من الصعوبة أن تتحمل ازدواجية ترفع فيها حماس السلاح بيد وتلوح للسلام بالأخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى