أقلام وأراء

محمد أبو الفضل – الدواعش شخصيات حقيقية تعيش بيننا

محمد أبو الفضل ١١-٤-٢٠٢٢م

تصر الدراما العربية على تقديم الشخصيات التي تنتمي إلى داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة بطريقة لا توحي أنهم أناس من لحم ودم كانوا يعيشون بيننا، وتم غسل أدمغتهم بما قادهم إلى تبني عنف يعتبرونه عملا مقدسا، فما الذي يدفع شخصا إلى تفجير نفسه بحزام ناسف وسط مجموعة من المدنيين إلا إذا كانت الأفكار التي غرست في عقله جرى تثبيتها وفقا لأطر ممنهجة.

هؤلاء ليسوا شخصيات فارغة تماما أو كرتونية من السهل تطويعها، فلهم عقدهم الخاصة التي تم تفكيكها وإعادة تأهيلها بوسائل أنتجت عناصر على استعداد للقيام بعمليات إرهابية وارتكاب جرائم لا تخطر على عقل بشر، حيث ينتقلون من مكان إلى آخر معهم أجندة مزدحمة بالأهداف التي يريدون تحقيقها.

من دون إدراك المشاهد للتعقيدات التي تكتنف شخصية الداعشي لن يستطيع حماية نفسه أو عائلته أو المجتمع المحيط به من الطريقة التي يتسلل بها هؤلاء إلى القاع وينخرون في القواعد التي لا يستغرق الوصول إليها وقتا طويلا، فقد امتلكوا العديد من المفاتيح التي تساعدهم على الوصول إلى أغراضهم.

حفلت الدراما العربية بنماذج داعشية عديدة العامين الماضيين، وركز بعضها على القصص التي تعرض جانبا من حياتهم في ارتكاب العنف ببساطة والاستمتاع بالنساء، وإظهار عبقرية أجهزة الأمن التي تتبعهم وتستطيع زرع أفراد يعملون معها في صفوفهم وبالتالي تتبع بعض العمليات التي يعدون للقيام بها وتفشيلها.

هذا بعد مهم في العمل الدرامي سواء أكان يحمل دعاية مباشرة للدولة والجهة التي تنتجه أو يسعى لرفع الستار حول المسكوت عنه في معركة خفية تدور رحاها مع جماعات متطرفة، فلا تزال الدراما تفتقر إلى العمل الذي يتولى تشريح الداعشي والآليات التي تستخدم لتجنيده وتقوده لأن يصبح عجينة طيعة في أيدي من قاموا بذلك.

يتجاوز الداعشي الفكرة النمطية التي زرعت في أذهان كثيرين بشأن أنه صاحب عقلية متحجرة مهمتها القتل باسم الدين، إذ تحول إلى تجارة سياسية واقتصادية رائجة، وأداة عابرة للحدود يتم توظيفها لتحقيق أغراض هو نفسه قد لا يعلم عنها شيئا.

تستحق هذه المقاربة الوقوف عندها وتسليط الضوء عليها وكشف تفاصيلها، لأن التعامل السطحي مع هذه الشخصيات لمجرد التأكيد على وجود مخاطر تحيط ببعض الدول العربية لن يصبح كافيا في معالجة أزمة تتفاقم يوما بعد يوم.

الداعشي تجسيد لفكرة، قد يكون تنظيمه اسمه القاعدة أو جبهة النصرة أو جبهة تحرير الشام أو الجهادي والتكفيري والإخواني، فالأسماء لم تعد تهم طالما أن النبتة واحدة في النهاية وإن اختلفت الأهداف المرحلية، وهو ما يجب العمل على تناوله بشكل رصين دون دعاية سياسية أو ضجة يريد أصحابها تنفيذ أجندة معينة.

يحتاج القضاء على الدواعش إلى منظومة محكمة من الأفكار والتصورات التي توفر حماية للمجتمع وتمنع الوصول إلى النقاط الضعيفة فيه، وهي مسؤولية الدول، فالعمل الدرامي مهما كانت حبكته الفنية متقنة وتم صرف الأموال عليه بسخاء سوف تنتهي ضجته عقب إذاعة الحلقات، فالدواعش جيش يملك من المعدات والآليات ما يمكّن قادته من تجديد الدماء ومده بكوادر باستمرار كي لا ينضب معين التنظيم.

لذلك فالتركيز على الدراما وحدها بالمعالجة الحاصلة الآن يمثل مكسبا للدواعش، فغياب التحليل الدقيق لن يعصم المجتمع من عدم التأثر بأفكارهم ولن يمنع التنظيم من إعادة تدوير نفسه، وقد تمنح الطريقة التي تقدم بها بعض المسلسلات فرصة للقائمين عليه للمزيد من التجنيد وزيادة حدة الاستقطاب بين ما يسمى بجبهتي “الكفر والإيمان”.

يتطلب القضاء على الداعشي وأمثاله الغوص في ما يدور في عقل من ينخرطون في صفوف التنظيم والبحث عن العوامل الرئيسية التي دفعته إلى القبول بالارتماء في أحضانه، فمن يقدم على ارتكاب العنف بلا شفقة استغرق تجهيزه وقتا طويلا ويملك من الإغراءات ما مكّنه من القبول بمبدأ السمع والطاعة والتضحية بحياته.

رأيت حلقات من المسلسل المصري “العائدون” الذي يتناول جانبا من الأدوار التي يقوم بها تنظيم داعش والخيوط التي يتشابك معها وكانت المعالجة متسقة مع الصورة التقليدية المرسومة في أذهان الكثيرين بشأن الاستغراق في القتل وحب النساء.

حاول العمل تقديم مقاربة فنية مختلفة نسبيا حول قادة التنظيم وعناصره والعلاقة التي تربطه بجهات أمنية أجنبية وتدويرها لعناصره، لكن لم يستطع التخلص من الأسلوب المصري في التركيز على قدرة الأجهزة الأمنية على الوصول إلى قلب التنظيم، وهي حقيقة مكنت القاهرة من دحر الكثير من العناصر الإرهابية في الداخل والخارج.

ما يفيد المشاهد ليس فقط عبقرية الأجهزة الأمنية وقدرتها على الوصول إلى أبعد نقطة داخل التنظيمات المتطرفة، بل توفير حماية فكرية ومجتمعية للمواطنين تقطع السبيل على أي جهة تحاول تجنيد عناصر، وهي مسألة تحتاج إلى تكاتف الجهود لسد المنافذ.

مع أن الحرب ضد المتطرفين مستمرة منذ فترة وتمتلك أجهزة الأمن المصرية الكثير من المعلومات حول داعش وإخوانه من التنظيمات التي تنتشر في أماكن متعددة، إلا أن الاستقطاب متواصل، ما يعني وجود خلل في الوسائل المستخدمة تستدعي إعادة النظر وتفرض توسيع الأدوات التي تخاض بها الحرب الضروس، فالاهتمام بالجوانب الأمنية فقط لن يحقق الفائدة المرجوة ولن يمنع انضمام قوافل جديدة.

قد يعيش الدواعش بيننا ولا نشعر بوجودهم، أو نشعر ونغض الطرف عنهم لاعتبارات اجتماعية، وازدهرت هذه المسألة مع صعود نجم تيار الإسلام السياسي في العقدين الأخيرين، وبدت الفكرة التي يتبناها هذا التيار قابلة للتحقق عندما وصلت جماعة الإخوان المسلمين وأحزابها إلى السلطة في كل من السودان وتونس ومصر والمغرب.

تهاوي الجماعة تدريجيا منح فرصة للدواعش للتوسع في الإرهاب واليقين بأن السلاح هو الوحيد القادر على مواجهة الدولة المدنية من خلال إرهاق أجهزتها في دوامات ممتدة من العنف، والتبشير بدولة الخلافة في مناطق بكر في أفريقيا وآسيا ربما تخرج من رحمها عناصر أشد شراسة في تبني الأفكار التي يروج لها الدواعش.

تأتي الخطورة من انتفاء المعالجات الشاملة التي تستهدف جذور ما يتغذى عليه الدواعش من أفكار، فالشخصيات المنضمّة إليهم عديدة وتقف في طابور طويل يتحرك قادته ومعهم عناصرهم من مكان إلى آخر حسب مقتضيات الحالة الأمنية والسياسية ما يجعل عملية الاجتثاث التامة صعبة، لأن الدراما قد تقدم صورة زاهية للداعشي من الخارج، لكن القضاء عليه يحتاج إلى تشريحه نوعيا من الداخل.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى