أقلام وأراء

إرباك حسابات الجيش المصري وقبائل سيناء

محمد أبو الفضل

محمد أبو الفضل ٩-٥-٢٠٢٢م

تحمل العملية الإرهابية التي أودت بحياة ضابط وعشرة من جنود الجيش المصري مساء السبت في سيناء، الكثير من المعاني الأمنية والسياسية، لكن تظل الدلالة المتعلقة بالرغبة في إرباك حسابات الجيش ومحاولة تفكيك العلاقة القوية التي نسجها مع قبائل سيناء الفترة الماضية من أهم المعاني التي حملتها العملية التي قام بها متطرفون.

نجحت قوات الأمن في تجفيف غالبية المناطق التي تحولت إلى مأوى للتكفيريين وبؤر لإخفاء الإرهابيين وقلصت وجود الجماعات المتشددة في الجزء الشمالي الممتد من رفح والعريش والشيخ زويد، والذي كان يمثل معضلة أمام قوات الجيش لأن الكثير من العناصر الإرهابية لجأت إلى التمركز في أماكن مأهولة بالسكان.

لعب تعاون قبائل سيناء دورا رئيسيا في إنجاز جزء كبير من الأهداف الحيوية بعد أن أعادت الدولة صياغة علاقتها بأهالي سيناء، وقدم شيوخها وعوائلها أنواعا متعددة من الدعم كان حاسما في تسهيل اجتثاث عدد كبير من العناصر الإرهابية وإلقاء القبض على آخرين والحصول على معلومات مهمة، وتجنب تكرار بعض الأخطاء التي وقعت فيها حكومات سابقة لم تمنح أهالي سيناء التقدير اللازم ماديا أو معنويا.

تجاوزت عملية صياغة المشهد في سيناء الشق الأمني العاجل ووصلت إلى مستوى يتعلق بتحاشي الوقوع في خطأ استراتيجي فادح، حيث جرى التعامل مع سيناء باعتبارها منطقة حرب حقيقية أو محتملة، على الرغم من توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، وأولت العقيدة العسكرية المصرية جل اهتمامها بهذا المكون في الخطوات التي اتخذت بشأن سيناء، الأمر الذي تسبب في تأخير التوسع في عملية التعمير.

عندما استقر السلام بين مصر وإسرائيل وصمد أمام الكثير من الرياح والعواصف، سطع نجم الإرهاب منذ نحو عقدين واتسع وانتشر عقب سقوط نظام جماعة الإخوان في منتصف العام 2013، وخاضت قوات الجيش والشرطة حربا من نوع آخر، استخدمت فيها أنماطا مختلفة من حروب العصابات، واستهدفت قوات الأمن.

تصاعد الإرهاب في هذه اللحظة وتحول من عمليات متقطعة وأحيانا عشوائية إلى مستمرة ومنظمة، وتنم عن قدرات هائلة راكمها متطرفون يريدون تحويل سيناء إلى منطقة أشبه بـ”تورا بورا” في أفغانستان تنطلق منها عمليات التكفيريين.

تم سد الكثير من الثغرات الأمنية في سيناء، برا وبحرا، وجرى نشر أعداد كبيرة من قوات الجيش في مناطق بسيناء لم يكن مسموحا بوجودها بموجب اتفاقية السلام.

مع ذلك مارست العناصر التكفيرية عملياتها الإرهابية ضد بعض الأهداف الأمنية، فقد كان من المخطط أن تتحول سيناء إلى مركز جذب للمتطرفين من دول مختلفة، لكن التعامل الحازم أجهض الكثير من ملامح هذا المخطط ولم يقض عليه نهائيا.

استقرت القيادة السياسية على تغيير الاستراتيجية العسكرية، وسعت لردّ الاعتبار لأهالي سيناء كجزء أصيل في منظومة الدولة المصرية، والشروع في تعميرها، وبدلا من أن تصبح منطقة جذب للمتطرفين تتحول إلى منطقة جذب للمستثمرين.

من هنا يمكن فك شفرة العملية الإرهابية الأخيرة التي استهدفت جنودا يحرسون محطة لرفع المياه في الطريق المؤدي من شرق قناة السويس إلى الحسنة في محافظة شمال سيناء، في رسالة متعددة الوجوه بعث بها الإرهابيون، حيث يريدون الرمز من خلالها إلى أن المشروعات التنموية المخطط لها في سيناء لن يكتب لها النجاح.

إذا كانت الأهداف العسكرية بات من الصعوبة الوصول إليها بعد عملية تحصينها أمنيا، فهناك أماكن رخوة عديدة يمكن النيل منها، وأن مصادر الحياة للمواطنين الحاليين والمنتظر تدفقهم على سيناء لتوسيع نطاق تعميرها الفترة المقبلة سوف تكون معرضة للخطر، بما يرمي إلى التشكيك في صمود العلاقة بين الجيش وقبائل سيناء ومحاولة هزها قبل أن يشتد عودها ويصعب تفكيكها منها.

وقامت وسائل إعلام مصرية بالتركيز على الروابط القوية بين سكان سيناء والمدن الأخرى وتذويب الفوارق الشائعة التي أدت إلى إحساسهم بالتهميش، وردم الهوة بين المركز والأطراف، وهو ما ظهرت تجلياته في الخطاب الرسمي مؤخرا.

كما أن وقوع العملية الإرهابية في مكان يقع على مقربة من شرق قناة السويس غرضه الإيحاء بأن المنطقة الصناعية التي شرعت الحكومة المصرية في تشييدها مؤخرا ووقعت اتفاقات وتوصلت إلى تفاهمات باستثمارات واعدة فيها لن يتوفر لها الهدوء والاستقرار، وهي إشارة سلبية للشركات والدول التي تعتزم ضخ المزيد من الأموال.

يوحي اختيار هذه المنطقة أن يد المتطرفين لن تصبح مكبلة أو تقتصر على المناطق التقليدية ويجري إحياء الهياكل التنظيمية وتكليف عناصرها بعمليات في مناطق متباينة في سيناء أو خارجها، بما يعني أن الإرهاب لن يتوقف تماما في مصر، وكل الجهود التي بذلت للقضاء عليه لم تفلح في أداء المهمة على أكمل وجه.

يصب هذا الاتجاه في خانة تثبيت السعي نحو إرباك حسابات الجيش على المستويين العسكري والمدني، ومحاولة الضغط على قيادته للتخلي عن التوجهات التنموية التي تتيح الفرصة لتعمير سيناء بالحجر والبشر وتعيق تسلل الإرهابيين إليها في المستقبل، كأنهم ومن يدعمونهم سرا لا يريدون للمشروعات التنموية أن تغزو سيناء ويعملون على تأليب قبائلها على أجهزة الدولة والترويج إلى أنها غير قادرة على حمايتهم.

تعمدت الحكومة من خلال بعض الأعمال الدرامية التي بثت في شهر رمضان الماضي، خاصة مسلسل “الاختيار 3” ومسلسل “العائدون” إلقاء الضوء على شبكة الإرهاب الخارجية التي تحاربها أجهزة الأمن والتنويه إلى التحالفات العابرة للحدود بين المتطرفين وأجهزة استخبارات عالمية، ربما لم تفصح هذه الأعمال عن أسماء دول بعينها غير أن الرسالة المطلوب توصيلها أن سيناء جزء مهم في هذه الشبكة.

حمل البيان الذي أصدره الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعد عملية شرق قناة السويس السبت ما يكفي من المعاني التي تؤكد استمرار المعركة مع الإرهابيين وعدم توقف أجهزة الدولة عن الانتقام منهم ورد الصاع صاعين، ووجد من تمعنوا في المفردات التي حواها بيان السيسي أن اللهجة حاسمة وصارمة.

التفسير عندي لما ينطوي عليه هذا المحتوى أن الدولة ماضية في تصوراتها الأمنية على جبهة محاربة المتطرفين والداعمين لهم، ولن تتخلى عن مشروعاتها التنموية أو ترتبك حسابات الجيش وقبائل سيناء مرة أخرى، والأهم أن مصر لن تعود إلى المرحلة الغزيرة من العمليات الإرهابية النوعية، ولن يجبرها أحد على تقديم تنازلات في أي من القضايا الإقليمية من خلال شغلها في همومها الداخلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى