محمد أبوالفضل يكتب - مصر تضرب الإخوان باستيعاب المعارضة المدنية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

محمد أبوالفضل يكتب – مصر تضرب الإخوان باستيعاب المعارضة المدنية

0 85

محمد أبوالفضل  *- 1/2/2021

النظام المصري تجاوز عقبة الإرهاب ولم يعد هناك تعاطف مع الإخوان خارج فلول الجماعة الذين يخجلون من الإعلان عن انتمائهم حيث لفظتهم شريحة كبيرة من المصريين ورفضت تقبل أساليبهم الملتوية.

لم تعد الساحة المصرية تتحمل فراغا سياسيا طويلا في الشارع، حيث أخفقت الأساليب التي تتبعها الحكومة في ترسيخ فكرة أن هناك معارضة بالداخل، وهرمت غالبية القوى الحزبية المؤهلة للقيام بهذا الدور، فقبولها بالعمل وفقا لأجندة محددة سلفا أضاع هيبتها، وركونها إلى الانزواء أصابها بالعطب السياسي.

تمرّ مصر بمرحلة فارقة في المشهد العام، وهناك بوادر لإعادة ترتيب الأوراق والبحث عن طريقة لوقف التصحر السياسي الذي ساد سنوات، تستعد بها لمرحلة مرجح أن تتجه فيها الإدارة الأميركية الجديدة لتسليط الأضواء على ما يجري في مصر، ما يشجع جماعة الإخوان على المزيد من الضوضاء، فلم تجد مساندة كافية الفترة الماضية للضغط على القاهرة، وفشلت مخططاتها للتحريض على الدولة.

تنتظر الجماعة دعما جديدا من واشنطن، ربما يفضي حدوثه بكثافة إلى تكريسها كمعارضة وحيدة في مصر، وتتحول إلى قاطرة للقوى المدنية التي لا تنسجم معها أصلا وتقف في خندق الدولة، ما يفرض على الحكومة ضبط هذه المعادلة مبكرا.

بدأت دوائر مصرية تجتهد في توجيه انتقادات لمظاهر تراها سلبية وتصر على تشجيع قوى مدنية معارضة على الاشتباك السياسي، والترويج بأن هناك تحولات تتطلب التخلي عن العزوف القسري أو الطوعي، وتمهيد الأرض لخطوات يمكن أن تتبناها الحكومة لتوسيع نطاق الحريات، بما يتسق مع الرياح المتوقع هبوبها من واشنطن.

يأتي ذلك مع حديث تواتر يومي الجمعة والسبت، عن اقتراب عودة المعارض والمخرج السينمائي خالد يوسف إلى البلاد، الذي وجه انتقادات لاذعة للنظام المصري قبل سفره إلى فرنسا منذ حوالي عامين، وأصبح نموذجا للمغضوب عليهم بعد أن كان قريبا، ولعب دورا في مساندة ثورة 30 يونيو 2013 التي أسقطت حكم الإخوان.

تعمدت وسائل إعلام عديدة الإشارة إلى أن يوسف غير مطلوب قضائيا، ولا توجد اتهامات رسمية موجهة إليه، بمعنى أن الرجل يستطيع العودة بأريحية، مع نفي لجميع الاتهامات التي لاحقته قبيل سفره إلى باريس بشأن ظهوره في فيديوهات جنسية، رمت إلى تشويه صورته كمعارض سياسي وعضو في البرلمان المصري السابق.

وفُهم في حينه أن الفيديوهات التي ذاع صيتها كان هدفها النيل من سمعة يوسف والتقليل مما أشار إليه من انتقادات لاذعة في قضايا سياسية مختلفة، خوفا من تفاعل الشارع معها واستقطاب قوى معارضة، وعدم السيطرة على توجهاته التي أبدت أجهزة متباينة في الدولة عدم الترحيب بها، وضاقت الصدور بتفهم دوافعها.

تمثل عودة المخرج السينمائي للقاهرة رسالة مباشرة لبدء صفحة جديدة، تصب في خانة حسم التردد بشأن الرغبة في ضخ دماء داخل عروق القوى السياسية، بعد توافر قدر كبير من الأمن والاستقرار في البلاد، وتلاشي خطر القوى الإسلامية التي هيمنت على الشارع عقب ثورة يناير 2011، وجاءت ذروتها عندما تمكنت جماعة الإخوان من خطف منصب رئيس الجمهورية في غفلة من القوى المدنية.

عزز فوز الرئيس الأميركي جو بايدن كفة من يميلون إلى التيار المؤيد للإصلاح السياسي في مصر، وأصبحت المشكلة في الطريقة التي تتم بها عملية هندسة الفضاء العام المرحلة المقبلة، فقد تخطى النظام المصري استحقاقي انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب بارتياح، واطمأن إلى أن مؤيديه حازوا على الأغلبية الكاسحة في المجلسين.

يجري الاستثمار في الحراك الذي يشهده البرلمان حاليا، لكن من الصعوبة أن يكون مقنعا لقطاعات كثيرة ما لم يصطحب معه حراكا متينا موازيا في الشارع والأحزاب والقوى المدنية المقبولة والتي قد تصبح فاعلة، خاصة وأن جزءا كبيرا في هذه الجبهة أسهم وأيد وشارك في ثورة 30 يونيو، وكانت انحيازاته واضحة في دعم المؤسسة العسكرية التي قامت بدور حيوي في التخلص من حكم الإخوان.

اعتقدت شخصيات متعددة محسوبة على تكتل يونيو أنه بمجرد التخلص من الإخوان سيفتح الطريق أمامها للمساهمة في تصحيح مسار الثورتين (يناير ويونيو)، غير أنها اصطدمت بدور واسع للمؤسسة العسكرية التي كانت تدرك طبيعة التحديات التي تواجه البلاد بعد إزاحة الإخوان، وأن روافدهم متشابكة ولن تكون هيّنة.

عبرت مصر مرحلة غاية في الخطورة عندما داهمها إرهاب الجماعات المتطرفة في سيناء، والتي تتلقى دعما خارجيا من جهات مختلفة، ما دفع النظام إلى اختيار غلق جميع المنافذ أمام القوى والأحزاب المدنية خوفا من استغلالها من قبل الإخوان، الأمر الذي لقي معارضة مؤيدي التخلص من الجماعة دون غلق الأبواب السياسية.

النظام المصري تجاوز عقبة الإرهاب ونجح في تقليم أظافر القوى المتشددة النظام المصري تجاوز عقبة الإرهاب ونجح في تقليم أظافر القوى المتشددة  

يمثل الانسداد عبئا مزدوجا على النظام المصري، فقد تجاوز عقبة الإرهاب ونجح في تقليم أظافر القوى المتشددة، ولم يعد هناك تعاطف مع الإخوان خارج فلول الجماعة وأراملها الذين يخجلون من الإعلان عن انتمائهم صراحة، حيث لفظتهم شريحة كبيرة من المصريين، ورفضت تقبل أساليبهم الملتوية في التغلغل داخل قاع المجتمع.

كما أن مسيرة التنمية الاقتصادية الواعدة التي يقودها النظام المصري وطالت قطاعات مهمة سوف تظل تلاحقها شكوك ما لم تصطحب معها إصلاحات سياسية حقيقية، تم الوعد بها أكثر من مرة، ويمثل عدم تنفيذها ثغرة يحتاج علاجها إلى طريقة رشيدة.

ورغم التطور الحاصل في المشروعات العملاقة، غير أنها لم تفلح في إقناع فئة عريضة بجدواها، لأن التجريف السابق وقلة الوعي السياسي لدى طبقة يعتمد عليها النظام لم تمكنها من التسويق لها بصورة جيدة، ليشعر المواطنون بمردودها الإيجابي.

يعد فتح المجال لتكوين نواة لمعارضة مدنية خطوة جديرة بالاهتمام وتستحق تطويرها والبناء عليها، فهي تصب في صالح النظام نفسه، وتساعده على تغيير قناعات البعض بشأن استمرار التضييق لأجل غير مسمّى، في وقت تتبدل فيه الأوضاع الخارجية التي استفادت منها مصر في مرحلة كانت تواجه فيها الإرهاب بشراسة.

تحتاج هذه الخطوة إلى تبني تصورات جادة تشجع القوى المدنية المعارضة للإقبال على الانخراط السياسي، وتنهي فترة القطيعة السابقة، لأن شريحة كبيرة من هذه القوى تآكلت بالفعل، وهناك جيل جديد يعلن عن نفسه بانفلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت “هايدبارك” خطيرا، في ظل صعوبة السيطرة عليها.

لذلك فالرمزية التي تحملها عودة المخرج خالد يوسف لن تكون مفيدة على الصعيد السياسي، إذا لم تتزامن معها تحركات لفتح الفضاء العام، واستيعاب القوى المدنية الوطنية بالمزيد من الإصلاحات لتكون حائط صدّ منيع في مواجهة جماعة الإخوان التي تجد نفسها الآن أمام فرصة تريد اغتنامها، اعتقادا في عودتها إلى المشهد المصري.

*محمد أبوالفضل  –  كاتب مصري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.