أقلام وأراء

انصراف مصر عن المنطقة الدافئة

محمد أبوالفضل

محمد أبوالفضل ٢٢-٤-٢٠٢٢م

قدم التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا وتداعياته المختلفة دروسا عديدة في العلاقات الدولية والمراقبين لتفاعلاتها، من أهمها تلاشي السباحة في المنطقة الرمادية، والتي مكنت بعض الدول لفترة طويلة من الابتعاد عن الأبيض والأسود وتجنب الاختيار بين مع أو ضد والوقوف في منطقة تنأى بأصحابها عن فكرة الانحياز.

استفادت مصر من هذه الصيغة وساعدتها على تجاوز الكثير من المطبات التي مرت بها الدولة عقب ثورة يونيو 2013 وما تعرضت له القاهرة من انتقادات حادة من جهات مختلفة، ولم يكن أمامها في ذلك الوقت سوى تبني صيغة وسطية، حيث واجهت طوفانا من الأزمات الداخلية والخارجية، وبموجب هذه السياسة تجاوزت قيادتها الكثير من العراقيل، وانفتحت على الشرق والغرب والشمال والجنوب.

كان من الطبيعي أن يأتي الوقت الذي يتم فيه الفرز وتتحدد بوصلة الدولة المصرية حيال التعامل مع القضايا ذات الصبغة الإقليمية والدولية، حيث تتداخل فيها الحسابات وتصعب معها الاختيارات ويصبح ارتداء ألوان فاتحة أو قاتمة عبئا ثقيلا على قيادتها.

جاءت الأزمة الأوكرانية وسعت القاهرة مبكرا إلى تطبيق منهجها الخاص بالوقوف في منطقة لا تحسبها على قوى دولية بعينها، الأمر الذي دفعها إلى أن تبدو تارة قريبة من روسيا وأخرى قريبة من الولايات المتحدة، وهكذا، على اعتبار أن هذا المنحى يتكفل بتحقيق أعلى مكاسب ممكنة ويتولى عملية تقليل الخسائر المتوقعة.

مع مرور الأيام، وجدت مصر، وغيرها من الدول التي تتبنى الطريق نفسه، أنها غير قادرة على التوفيق بين صراعات القوى الكبرى والحفاظ على مصالحها، ومهما بلغت الحكمة السياسية والرشاقة الاقتصادية فقد تتساقط الأوراق التي تمكّن بعض الدول من الحفاظ على أدوار متوازنة في علاقاتها الخارجية، خاصة بعد أن انتقلت القوى الغربية من مرحلة إقناع الدول المترددة في الوقوف بجوارها إلى ممارسة ضغوط عليها.

تنظر القاهرة إلى ما وصلت إليه التطورات العالمية في المواجهة الراهنة مع روسيا وتشعر بالأسى لأنها لن تستطيع الاستمرار فترة طويلة على المنوال السابق، وأن السياسة التي حاولت التمسك بها سوف تفقد جدواها، فعملية الاصطفاف التي تقوم بها الدول الغربية لن تسمح لدولة مثل مصر أن تواصل البقاء في المنطقة الرمادية.

بدأت الإدارة الأميركية تستعيد معادلة الرئيس السابق دونالد ترامب التي رفعها خلال فترة رئاسته كشعار في التعامل مع دول مختلفة “من ليس معي فهو ضدي”، وهو توجه قديم ارتفع سقف تطبيقه حديثا في عهد ترامب، ونجا النظام المصري مما سببه هذا الشعار من إزعاجات سياسية، لأنه بالفعل كان قريبا وقتها من واشنطن.

يبدو أن الجاذبية المصرية للوقوف في المنطقة الوسط في الأزمة الأوكرانية سيفقد بريقه مع مرور الأيام، والاختيار بين روسيا والولايات المتحدة بات من الضروري التفكير فيه بجدية، فإلى من سيكون الانحياز المصري الفترة المقبلة؟

زاد حجم المصالح الذي يربط القاهرة بالطرفين ولا تستطيع التضحية بأحدهما من الحيرة السياسية، فقد ارتاحت القيادة المصرية إلى معادلة الانفتاح على الجميع، واعتقدت أن المفاضلة بين القوى الكبرى مؤجلة، غير أن التطورات التي فرضت وضع قدم في هذا المعسكر والأخرى في المعسكر المقابل في بداية الأزمة أوشكت أن تستنزف أغراضها، أو بمعنى أدق لن تصبح هذه العملة متداولة، فما يجري من فرز على الساحة الدولية يجبر الكثير من الدول، ومن بينها مصر، على حتمية الاختيار.

إذا وضعت مصفوفة القناعات السياسية بين مصر وكل من روسيا والولايات المتحدة سوف تختار قيادتها الأولى لوجود ميول تاريخية تؤكد وفاء موسكو بتعهداتها، والإعجاب بالنموذج الروسي في الحكم وآليات إدارته للدولة وتحكمه الصارم في المفاصل الرئيسية بها، بينما تعد الولايات المتحدة نموذجا ليبراليا مقيتا وغير مستساغ للإدارة المصرية، ولم تحقق القاهرة على مدار عقود الفوائد التي كانت تنتظرها.

دعك من الأزمات التي تطفو من حين إلى آخر بشأن الحريات وحقوق الإنسان بين واشنطن والقاهرة وهما على درجة من الوفاق، وفكّر فيما يمكن أن يحدثه ذلك إذا دخلتا مرحلة عميقة من الشقاق، وكما تحتاج مصر الولايات المتحدة تحتاج الثانية الأولى، لأن فقدانها مع الانسحاب من المنطقة سوف يضاعف الخسائر الأميركية.

وإذا وضعت مصفوفة المصالح في مقارنة بين الجانبين ترجح كفة واشنطن التي تملك من المفاتيح ما يساعدها على التأثير بقوة على مصر في مجالات متعددة، في مقدمتها المجال الاقتصادي، فالتعاون مع روسيا في كل المشروعات الصناعية الواعدة لا يرقى إلى مستوى التعاون مع الولايات المتحدة، ناهيك عن تحكم الأخيرة في أزرار صندوق النقد الدولي الذي أصبح البوابة الملكية للقروض المصرية.

خرجت صيغة المنطقة الرمادية من رحم ما حققته من فوائد للدولة المصرية، إذ عصمتها من الدخول في صدامات مباشرة مع قوى متباينة، ومنحت قياداتها خطوطا للرجعة في عدد من الأزمات الإقليمية، وأنقذتها من الوقوع في بعض الفخاخ السياسية والأمنية والاقتصادية.

تمتلك الدول القادرة على الاختيار في الملفات البعيدة عن الأمن القومي المباشر فرصة لإقامة علاقات متوازنة أو شبه متوازنة، لكن تنحسر هذه الرفاهية في القضايا ذات العلاقة الوثيقة بالأمن القومي المباشر، وتكون المرونة في الأولى كبيرة وظاهرة في حين تختفي في الثانية لأن القرارات التي تتخذ في كل حالة تقاس بمدى الانعكاسات على الهياكل الرئيسية للدولة.

بدأ تأثير الأزمة الأوكرانية على مصر ينتقل من التأثير غير المباشر إلى المباشر، ليس في مجال استيراد بعض السلع الغذائية الأساسية، لكن فيما وصلت إليه الأزمة وتقاطعاتها إلى مستوى جعل الولايات المتحدة ترفض مواقف الدول التي تقبل القسمة على اثنين والعودة التدريجية إلى شعار “من ليس معي فهو ضدي”.

يوحي هذا التصنيف بالخطورة على كل الدول التي تصورت إمكانية الاستمرار في منطقة تبعدها عن الرياح والأعاصير والبرودة والشمس الحارقة، فسياسة الحياد أخذت تتحلل من العباءات التي كان البعض يتدثرون بها وتحميهم من تقلبات الطقس.

لن تكون هناك قيمة حقيقية لسياسة عدم الانحياز التي قامت مصر على أساسها بهندسة الكثير من تقديراتها، ولن تكون هناك أهمية للتمسك بها وسط موجات من التحولات يمر بها العالم بعد ما جرى الكشف عنه من تجليات المواجهة بين روسيا وقوى غربية، فهي لن تسمح بهامش مستقل لحركة الدول التي ارتاحت للبقاء في المنطقة الدافئة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى