ماذا لو أعلن الطوارق عن إقامة دولة في شمال مالي؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ماذا لو أعلن الطوارق عن إقامة دولة في شمال مالي؟

0 480

التداعيات على النيجر والجزائر وليبيا

 مركز الناطور للدراسات والابحاث

أيا كان الأمر فإن سيطرة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد على شمال مالي بالكامل بعد أن تهاوت قوة الجيش المالي وسقطت آخر المناطق في يد الطوارق، فإن هذه السيطرة تشكل تطورا مفصليا، المراقبون والمحللون سواء كانوا على المستوى الإقليمي والدولي اعتبروه تطورا مفصليا ستكون له تداعيات بالغة الخطورة واعتبروه أشبه بقوس قزح في سماء المنطقة التي تضم جماعات من الطوارق من حيث الشكل والوضوح وألوان الطيف الكثيرة التي تتميز بها.

والسبب المباشر لذلك هو أن هذا التطور قد يتخطى دائرته المحلية وحدود شمال مالي ويتمدد بل ويعبر الحدود إلى دول قوس قزح أو قوس الأزمات.

وعلى أي حال فإن مثل هذه القناعة التي تشكلت لدى جمهرة الباحثين ممن يعنون بشؤون إفريقيا ومؤداها أن ما يحدث في مالي لن تكون سوى خطوة أولى في مشوار طويل من الأحداث والاضطرابات والقلاقل في منطقة الصحراء.

هذه القناعة بحسب الباحثة الدكتورة شفيقة مطر المقيمة في فرنسا وعلى ضوء متابعتها للتقارير والتحليلات الفرنسية بشأن ما يحدث في شمال مالي بعد سيطرة الطوارق عليها تشكلت تأسيسا على جملة من المؤشرات:

أولا: أن قيادة الجبهة الوطنية لتحرير أزواد انتقلت في تعاطيها مع أجندتها من مرحلة التعميم إلى مرحلة التخصيص ومن مرحلة التعتيم إلى مرحلة الإفصاح والإيضاح.

والدليل على ذلك أنها صرحت على أنها ستباشر الخطوات المطلوبة للإعلان عن استقلال إقليم أزواد وإقامة دولة مستقلة للطوارق بعد السيطرة عليه، وإعلانها وقف العمليات العسكرية ضد المناطق خارج إقليم أزواد.

بمعنى أن انهيار دولة مالي بعد الانقلاب العسكري في 22 مارس ثم سيطرة الطوارق على شمال مالي عمقا ورسخا طموح الطوارق في إقامة  الدولة المستقلة المنفصلة كبديل عن الدولة الواحدة التي تكفل المساواة والشراكة الحقيقية لكل مكونات المجتمع المالي.

ثانيا: أنه في ظل العجز الكامل للجيش المالي الذي تفكك وانهار وفشل الانقلابيون في إدارة شؤون البلاد بسبب استفحال عدة أزمات داخلية أمنية واقتصادية واجتماعية وإقليمية ومقاطعة مجموعة دول غرب إفريقيا للانقلابين وعدم الاعتراف بهم على حساب النظام الدستوري والشرعي يجد الطوارق في هذه الأجواء المناخ المناسب للذهاب إلى آخر الشوط في مشوارهم نحو هدفهم في إقامة الدولة المستقلة للطوارق.

ثالثا: عجز القوى الإقليمية عن التدخل لاحتواء هذه الأزمة والحؤول دون تطورها، إما عن طريق التدخل العسكري أو تصعيد منظومة العزل ضد الانقلابيين.

على الصعيد الدبلوماسي لم يتمكن رئيس بوركينا فاسو بليس كومباوري المكلف من قبل مجموعة دول غرب إفريقيا من إحراز أي تقدم في وساطته لتسوية الأزمة في مالي، فالانقلابيون يماطلون ويتذرعون بالأحداث الجارية في  الشمال كسبا للوقت ومن أجل تمييع موقف الاتحاد الإفريقي وهذه المجموعة.

– عجز المجتمع الدولي في اتخاذ أية خطوة أو موقف حيال هذه الأزمة، مجموعة دول غرب إفريقيا وعدت باللجوء إلى مجلس الأمن لإعطاء بعد دولي لتحركها.

مجلس الأمن عقد جلسة لم تستمر إلا دقائق ليناقش الوضع دون أن يتمكن من اتخاذ أي قرار.

حتى الآن ليس هناك تحرك جاد من قبل المجتمع الدولي وهيئاته لأن جل اهتمام هذا المجتمع على الأخص اللاعبين الغربيين فيه يتركز على سوريا.

التصريح الوحيد الذي صدر هو عن وزير الخارجية  الفرنسي ألان جوبي الذي وصف الوضع الخطير في مالي بأنه يتدهور بسرعة، هذه الخطورة نجمت عن بعدين:

الأول: رفض الانقلابيين إعادة السلطة إلى نظام أمادو توري بطلب من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ومجموعة دول غرب إفريقيا.

الثاني: دخول طرف جديد على معادلة الصراع في شمال مالي هذا الطرف هو جماعة أنصار الدين الإسلامية وجماعات إسلامية أخرى قريبة إيديولوجيا وفكريا وتنظيميا من تنظيم القاعدة.

هذه الجماعات ظهرت على الساحة في شمال مالي وانتزعت المبادرة الميدانية من الطوارق عندما سيطرة على مدينتي كيدال وغاو وهما المنطقتين اللتان سبقت السيطرة عليهما من قبل أفراد الجبهة الوطنية لتحرير أزواد كما سيطر رجال أنصار الدين على مدينة تمبكتو التاريخية ، هذا التطور الميداني أوقع المراقبين في حيرة من الأمر، مثار هذه الحيرة أن مقاتلي جماعة أنصار الدين ساندوا في بادئ الأمر الجبهة الوطنية لتحرير أزواد في السيطرة على شمال مالي.

مالي إلى أين؟

قبل أن نتحدث عن قوس الأزمات الذي ستنتجه أزمة مالي علينا أولا وبادئ ذي بدء أن نتحدث عن مخاطر انهيار دولة مالي، هذه المخاطر تهدد مالي من كل صوب وفج.

*       أزمة داخلية تتجلى في الفوضى العارمة التي تجتاح مالي بعد الانقلاب بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وبحسب السيناريوهات فإن تصرفات الجبهة الوطنية لتحرير أزواد تعزز من التوقعات بأن مالي ستنهار ما لم يحدث تدخل من جانب الدول الإفريقية سواء من دول غرب إفريقيا أو الاتحاد الإفريقي لوقف مثل هذا السيناريو.

*       أزمة تهدد وحدة مالي إذا ما واصل الطوارق جهودهم لفصل شمالي مالي وإقامة دولة الطوارق وهو ما يعملون على تحقيقه.

إذا أضفنا إلى هذه الأزمات عنصر آخر يتعلق بجهود تنظيم القاعدة والجماعات التي تتماهى معها ومحاولاتها التموضع في شمال مالي استهدافا للجزائر فإن قوس الأزمات سيتمدد ويتسع.

ويمكننا وعلى ضوء هذه الأزمات الثلاث أن نصل إلى نتيجة واحدة وهامة وهي إنتاج جملة من التحديات تفضي إلى ما يعرف بقوس الأزمات في منطقة الصحراء.

قوس الأزمات والتحديات النيجر والجزائر وليبيا

لم يكن الباحث في الشؤون الإفريقية الدكتور علاء سالم يبالغ أو يغالي عندما أكد أن أزمات مالي ستنتج قوس أزمات تشمل في المرحلة الأولى النيجر والجزائر وليبيا دون استبعاد دول أخرى، ويقول في هذا الصدد أن هناك إجماع بين الخبراء في شؤون منطقة الساحل والصحراء في الغرب وكذلك في إفريقيا وفي المنطقة العربية على أن التحديات التي ستطالها أزمات مالي ستعطي دفعا قويا لكل الجماعات الأثنية في النيجر (الطوارق) وفي الجزائر (الطوارق) وفي ليبيا (قبائل التبو الإفريقية) وكذلك الأفارقة في موريتانيا الذين يشكلون زهاء 30% لمحاكاة وحذو حذو الطوارق في شمال مالي أو الجنوبيين في السودان والأكراد في شمال العراق.

هذه التحديات إذا ما تأملنا تداعياتها وفي حالة تجاوزها لحدود مالي عابرة  إلى هذه الدول فستكون لها استطالات سلبية للغاية على النسيج الاجتماعي لهذا الدول.

ومن هنا تستدعي الحاجة إلى أن تتطرق إلى الدول الأكثر تعرضا وتأثرا بالأزمة المالية وما تفرزه من تداعيات وآثار وبحسب   ترتيب تمليه درجة خطورة هذه التداعيات.

النيجر

ينبغي ونحن في معرض الحديث عن تحديات الأزمة المالية وكذلك في سياق الرؤية التحليلية الموضوعية أن نشير إلى حقيقتين:

الحقيقة الأولى: التماثل والتشابه والتطابق في الوضعية النيجرية مع نظيرتها المالية وهي وضعية متأزمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

الحقيقة الثانية: هي وجود نسبة من الطوارق في النيجر يشكلون نسبة لا يستهان بها من مجموع السكان، حيث يقدر عددهم بحوالي 1.1 مليون نسمة من مجموع سكان الدولة المقدر بـ 16 مليون نسمة، ويقيمون في مناطق شبه مستقلة في صحراء تينيري ومنطقة أزواك وهضبة الهواء وأجاديز وأغليت، الطوارق في النيجر حملوا السلاح ضد السلطة المركزية في بداية تسعينات القرن الماضي مدفوعين بنضال مطلبي هو وضع حد لسياسة الإقصاء والتهميش وإقامة نظام عادل يضمن الشراكة لكل مكونات المجتمع، لكن هذا المطالب تحولت في الآونة الأخيرة وعلى الأخص بعد التغيير المحوري في ليبيا إلى طموحات أبعد مدى تتعلق بالهوية والثقافة ثم تقرير المصير أي الانفصال.

ومن المفارقة أن القذافي كان هو أول من دغدغ عواطف الطوارق ونفخ فيهم روح الانفصال بدعوته إلى إقامة دولة الطوارق الكبرى، وبعد الإطاحة بنظام القذافي ومصرعه عاد طوارق النيجر إلى بلادهم يحملون الوقود الذي يغذي طموحاتهم:

–      دعوة القذافي لإقامة دولة الطوارق ومعهم في تقرير المصير في استفتاء شعبي وإن تعذر فبالسلاح.

–      كميات ضخمة من الأسلحة المتطورة نقلها مقاتلون طوارق إلى النيجر.

على ضوء ما سبق فواقع الحال أن النيجر سيكون مسرحا لسيناريوهات هي بمثابة امتداد لسيناريوهات مالي تمرد واسع من قبل الطوارق وفوضى وربما أيضا انقلابات عسكرية أي جولة جديدة من الانقلابات بعد آخر انقلاب حدث في 18 شباط فبراير 2010.

الجزائر:

الجزائر في الموقع الثاني على خارطة تفاعلات الأزمة المالية، وحتى لا نتهم بالشطط والمغالاة يتعين أن نشير إلى جملة من المعطيات:

*       أن الجبهة الوطنية لتحرير أزواد ارتكبت عملا عدائيا ضد الجزائر بإقدامها على اعتقال العاملين في القنصلية الجزائرية في شمال مالي ببلدة غاو، هذا العمل ليس له ما يبرره لأن الجزائر كانت وسيطا نزيها بين حكومة مالي والطوارق من أجل التوصل إلى حل يجنب مالي ويلات الصراع .

*       الجزائر تقع على حدود شمال مالي مباشرة وهي لهذا أكثر عرضة للتأثر على خلفية هذا التماس الجغرافي والديمغرافي.

في المنطقة الصحراوية الجزائرية منطقة الهقار وتمنراست وهي امتداد طبيعي لمنطقة الساحل والصحراء هناك جماعات من الطوارق تعيش في هذه المنطقة وهي على اتصال ووشائج مع طوارق مالي، هذا مع التأكيد على حقيقة تباينهم مع طوارق شمال مالي من حيث التعاطي مع الدولة الجزائرية ومع هويتهم الجزائرية.

*       أن تنظيم القاعدة الذي يتواجد في شمال مالي سيؤدي انفصال هذا الشمال إلى تعزيز وجوده هو وجماعات موالية له مثل حركة أنصار الدين.

وتؤكد الأدبيات الأمنية التي تعنى بشؤون الجماعات المتطرفة أنه في ضوء هشاشة المنظومة الأمنية بل وانهيارها في مالي سيتصاعد نشاط هذه الجماعات الموجه ضد الجزائر وهو ما يعني في التحليل النهائي أن الجزائر ستواجه تحديات أمنية مركبة.

ومما لا يتأتى تجاهله أيضا أن هناك قوى دولية (فرنسا) وإقليمية (إسرائيل) تعملان على تصدير الفوضى إلى الجزائر وعبر الصحراء.

والخطير في الأمر أن هناك شخصيات أو مسؤولان أحدهما فرنسي (برنارد هنري ليفي) مستشار الرئيس الفرنسي ساركوزي، والثاني مسؤول إسرائيلي من أصول جزائرية (داني أيلون) نائب وزير الخارجية الإسرائيلي ينسقان الجهود المشتركة للتعاطي مع الجزائر عبر إستراتيجية تصدير الفوضى.

ليبيا

قد لا تكون ليبيا في موقع التماس الجغرافي والديمغرافي المباشر مع مالي إلا أنها تقع في صلب تداعيات الأزمة المالية لعدة أسباب، ولسبر أغوار هذه الأسباب لا بد من أن نحرص على تسلسلها بحسب خطورتها:

  1. أن ليبيا تقع في صميم قوس الأزمات في منطقة الصحراء فهي مجاورة للنيجر وتشاد وكذلك للجزائر، وكما أكدنا ونعود لتؤكد حقيقة أن الأزمة في مالي هي من نوع الأزمات العابرة للحدود.
  2. أن هناك مناطق في ليبيا تقطنها جماعات تتماهى مع الطوارق في الجنوب الشرقي في الكفرة (قبائل من أصول تشادية) أو الأمازيغ في الجبل الغربي، ونبادر إلى نفي تعميم مثل هذه النزعة عبر التأكيد على أن قيادات تعمل على تسييس هذه الجماعات خدمة لأجندة خاصة بها أو أجندة قوى دولية.
  3. أن ليبيا تشهد موجة من الاضطرابات والاشتباكات والصراعات كان آخرها ولا يزال ما تشهده منطقتي سبها والكفرة.

هذه الجماعات ستجد في التطورات التي تشهدها مالي وعلى الأخص في إقليم أزواد محفزا وداعما لإحداث الاضطرابات والصراعات الداخلية.

ملحق:

 مناطق تواجد الطوارق

من إعداد: نبيل جمال الزعبي 06/04/2012.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.