Take a fresh look at your lifestyle.

ماجد كيالي يكتب – معضلة الخطابات الفلسطينية بين الروح الشعاراتية والعقلية النقدية

0 100

ماجد كيالي – 23/6/2021

لا تقتصر معضلة الخطابات الفلسطينية السائدة على تغليب الروح العاطفية والشعاراتية، وترويج البديهيات كأنها حقائق منجزة، ولا أنها تصدر بصورة فردية ومزاجية، خارج الهيئات الشرعية، ومراكز صنع القرار -إن وجدت- في المنظمة والفصائل، إذ إنها تشمل الخطابات السياسية “النقدية”، أو التي تدعي ذلك، أيضا.

في الواقع فإن النقد السياسي السائد فلسطينيا هو فصائلي بمعظمه، كونه يصدر عن عقلية سياسية ضيقة، إقصائية وتشكيكية، وحتى تخوينية، وليس عن عقلية وطنية تشاركية وتفاعلية، وهو نقد لا يعمق العلاقات الديمقراطية ولا يرسخ المؤسسات الشرعية، بقدر ما يشتغل على الإزاحة والحلول والمزايدة بدل الاستيعاب والتواصل والتعاضد.

وهذا النقد بغالبيته يتركز على السياسة اليومية، دون تفحّص القضايا، والإشكاليات، والتصدي لمعالجة المعضلات العضوية؛ وضمن ذلك، مثلا، التحدي المتمثل بإمكان تفكّك مفهوم الشعب الفلسطيني، وتردّي أحوال حركته الوطنية، وتآكل مكانة فصائله، وتراجع مكانة قضيته على الصعيدين العربي والدولي، وضمور منظمة التحرير، واستعصاء هدف الدولة المستقلة (بسبب الممارسات الإسرائيلية)، وانهيار مسار المفاوضة، وإخفاق مسار الانتفاضة؛ وهو ما يتمثل بمطالبة فصائل السلطة والمعارضة، مثلا، بالعودة لما قبل الانتفاضة والمواجهات المسلحة (قبل 2001)، دون تحديد المسؤول عن ضياع الزمن، وهدر التضحيات والمعاناة، التي بذلها الفلسطينيون.

بهذا المعنى، فإن هكذا نقد فصائلي ليس نقدا موضوعيا أو تغييرا، فهو يتعرض، فقط، لسطح السياسة وليس لعمقها، لمظاهرها وليس لجوهرها، لشكلها وليس لمضمونها، وهو إن توخّى الإصلاح، فللحفاظ على النظام السياسي السائد (القديم)، بغض النظر عن أهليته وقدرته على صون الإنجازات المتحقّقة أو مواجهة التحديات الجديدة. وهو فقط يتطلع إلى تحسين مكانة بعض الفصائل في المشاركة في سدة القيادة (وليس في المجتمع)، وتأمين استمرار مواردها والحفاظ على مكانتها.

ويبدو من ذلك أن ثمة نوعا من «تواطؤ»، غير مباشر، بين الطبقة السياسية الفلسطينية، على اختلاف توجهاتها (سلطة ومعارضة)، لتدعيم النظام القديم، القائم على «الكوتا» (المحاصصة)، الذي لا يأخذ باعتباره حجومات الفصائل في المجتمع، ولا دورها الفعلي في العملية النضالية بتشعباتها، والذي يمكّن هذه الطبقة من الاستمرار في الهيمنة على القضية والشعب، والحؤول دون توليد حالة فلسطينية جديدة، أو حتى تمكين الحالة القائمة من التطور والتجدّد، على الأقل. وهذا ما يمكن تلمسه حتى في أطروحات قيادات في حركة حماس، تلوح بالذهاب نحو تشكيل جسم قيادي من قادة الفصائل، وبالذهاب نحو توافق على تشكيل المجلس الوطني، وكل ذلك عوض التركيز على الانتخابات، التي تضع الشعب أمام مسؤولياته، والتي تنمي إدراكات الشعب لدوره، وإنه هو سيد مصيره، لا هذا الفصيل أو ذاك.

وفي عرف هكذا نقد تطرح الوحدة الوطنية، مثلا، وكأنها مجرد وحدة للفصائل، دون تعريف الفصائل، ومدى تمثيلها وفاعليتها في المجتمع، ودورها في النضال ضد إسرائيل. والمشكلة أن الفصائل (سلطة ومعارضة) أحلّت نفسها مكان الشعب، فكأن وحدتها تعني وحدته، في حين إن وحدة الشعب الفلسطيني تتعرض لمخاطر حقيقية، بنتيجة تفاوت أوضاعه الذاتية والموضوعية، وتباين أولوياته الوطنية.

على ذلك يمكن القول إن الساحة الفلسطينية تفتقد للنقد التغييري، أو التطويري، وإن وجد هذا النوع من النقد فهو موجود في حالتين، الأولى، وتمثلها حركة «حماس»، التي تعبر عن حالة مغايرة في الوضع الفلسطيني في مختلف المجالات، وهذا ما يشكل أحد أسباب قوتها وصعودها، رغم أن نقدها يصب في طاحونتها، ولا يشكل بديلا حقيقيا. أما الحالة الثانية فتجد تمثلاتها في كتابات ومواقف عديد من المثقفين والسياسيين الفلسطينيين، الذين ينطلقون من مواقع المصلحة الوطنية العامة، ومن منظور المستقبل.

وقد لاحظت، في مجال الكتابة السياسية النقدية، بأن ثمة نوعا من التبرم، وعدم التفهم، بل والتأويل الخاطئ لعديد من المسائل التي يتم تعريضها للنقد. فإذا تحدثت في مجال ما عن أخطاء حماس، وبينت تناقض مواقفها، فهذا يعتبر انحيازا لفتح، والعكس صحيح، أيضا، وكأن الدنيا انقسمت بين فتح وحماس، في حين أن القضية الفلسطينية تستوعب مواقف معقدة ومركبة كثيرة، وليس على طريقة الثنائيات الساذجة والمبسّطة. في ذلك فإنه يصح انتقاد فتح على تفريطها بمنظمة التحرير، وطريقة قيادتها للسلطة، وإدارتها للمفاوضة، وعدم قدرتها على تطوير ذاتها. كما يصح انتقاد حماس على تناقض مواقفها، وإدخالها الشعب الفلسطيني في معارك غير محسوبة، وحسمها الوضع في غزة بوسائل الاقتتال، وفرض الانقسام، وعدم تقديرها للوضع السائد عربيا ودوليا؛ وإلا فمن المسؤول عن المآلات الراهنة؟!

في نقد التجربة العسكرية الفلسطينية، مثلا، يجري تأويل ذلك وكأنه تشكيك بشرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. في حين ينبغي التمييز بين التجربة العسكرية، التي تتضمن طغيان الطابع الميليشياوي على بنية الفصائل، وتداعيات هذه التجربة في البلدان العربية (الأردن ولبنان)، واستغلال القوة العسكرية لأغراض الهيمنة في المجتمع، وفي المنازعات الفصائلية. فالتجربة العسكرية أوسع من الكفاح المسلح، وربما أن عدد الضحايا الذين سقطوا في هذه التجربة أكثر من عدد الشهداء الذين قضوا في بنتيجة الكفاح المسلح ضد إسرائيل! أيضا، بينما يتركّز النقد على الكيفية التي تم عبرها ممارسة الكفاح المسلح، ونوعيته، وتوقيته، وأهدافه، لاسيما أن هذا الكفاح اتسم بالفوضى والتجريبية والمزاجية؛ يجري تصوير هذا النقد وكأنه تشكيك بمشروعية الكفاح المسلح. ويبدو أن الخلط بين الشرعية وطريقة الممارسة، يتوخى المصادرة على الرأي، وتشويهه، وقمع النقد، والقطع مع التفكير العقلاني والواقعي، وحجب الخلل الكامن في طريقة ممارسة المقاومة؛ علما إن نقد هذه التجربة يأتي بعد أربعين عاما من ممارستها، بمعنى أن النقاش لا ينصب على مسألة الشرعية. أما إذا تم الحديث عن المقاومة الشعبية، وهي الأصل، فكأنك تستبعد المقاومة المسلحة!

فوق كل ما تقدم يتناسى هؤلاء بأن نقد التجربة الفلسطينية بالكلام، أفضل بكثير من نقدها بالسلاح، وبالاقتتال، وبالانشقاق، وبالانقسام، فالنقد يساهم بالتطوير ويغني العملية الوطنية، ويرشّد أشكالها النضالية، في حين أن الاقتتال والانشقاق والانقسام يدمر الحركة الوطنية ويفتتها، ويهدر طاقاتها ويبدد إنجازاتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.