ماجد كيالي يكتب  -  ماذا عن اللاجئين الفلسطينيين بعد 73 عاما على النكبة؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ماجد كيالي يكتب  –  ماذا عن اللاجئين الفلسطينيين بعد 73 عاما على النكبة؟

0 129

ماجد كيالي *  – 15/5/2021

قامت النكبة (1948) على عامودين أساسيين، أولهما، اقتلاع حوالي مليون فلسطينيي من أرضهم ووطنهم، وتشريدهم، وبالتالي ولادة مشكلة اللاجئين. وثانيتهما، إقامة إسرائيل، كدولة لليهود المستوطنين. وطبعا، فقد نجم عن ذلك حرمان الفلسطينيين اللاجئين من هويتهم الوطنية، وحقوقهم الفردية، ومصادرة أملاكهم، والاستيلاء على 77 في المئة من أرضهم، كنتاج لإقامة دولة إسرائيل، وهو ما أدى إلى افتقاد المجتمع الفلسطيني وحدته، وتطوره الطبيعي والمستقل، وخضوعه لأنظمة سياسية وقانونية متباينة.

ما فاقم هذا الوضع أن تلك النكبة ظلّت تعيد إنتاج ذاتها، طوال 73 عاماً، بسبب وجود إسرائيل وإنكارها حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وضمنها حقّ العودة، وأيضاً بسبب المعاملة التمييزية، والمهينة التي عانى منها ضحايا النكبة، من النظم العربية، والتي تتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وحتى مع المعايير الأخلاقية للبشر. والمفارقة أن هذا يحصل في معظم البلدان العربية التي ترفض منح تأشيرات دخول للاجئين الفلسطينيين إليها، أو تنقّلهم عبرها، ولا تقبل حتى لجوئهم إليها في أوقات الخطر والكوارث، في حين أن دولاً أجنبية تقوم بأكثر من ذلك باعتباره واجباً أخلاقياً وإنسانياً، علماً أن بعض تلك الدول العربية تتيح للإسرائيلي زيارتها والتنقّل في أراضيها!

ثمة أسباب كثيرة لهذه الظاهرة المشينة ربما يكمن أهمها في أن العالم العربي استمرأ التعاطي مع قضية فلسطين باعتبارها مجرد قضية سياسية، وأمنية، وليس باعتبارها قضية بشر، في واقع عربي لم ينجز بعد، أو يحسم، قضايا الدولة والهوية والمواطنة. وكان تم التدليل على ذلك مبكّراً برفض معظم الأنظمة المعنية إعطاء الفلسطينيين اللاجئين فيها حقوق اللاجئين، وممانعة تبعيتهم لولاية المفوضية العامة للاجئين التابعة للأمم المتحدة (التي تتضمن الحماية القانونية)، ما استدعى تأسيس وكالة خاصة بهم هي «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين»، وحتى هذه كانت تتلقى دعمها من دول العالم!

من ناحية أخرى، فقد جرى، منذ البداية أيضاً، التمييز بين قضية فلسطين وشعب فلسطين، ففي الوقت الذي اعتبرت الأنظمة القائمة هذه القضية بمثابة القضية المركزية للأمة العربية، ولو لمجرد الاستهلاك والمزايدة وتعزيز الشرعية السلطوية والإقليمية في الداخل والخارج، فإن تلك الأنظمة قامت غالبا بامتهان اللاجئين، باعتبارهم عبئاً أمنياً أو سياسياً أو ديموغرافياً. وبدهي أن ذلك يحيل إلى المنظومات السياسية والثقافية والأيديولوجية التي تقلل من قيمة الإنسان، لحساب إعلاء شأن القضايا، على سبيل الادّعاء والتلاعب، في واقع لا معنى فيه لأي قضية إذا لم تشتمل على حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة، علماً أن بعض هذه الأنظمة كانت تبرّر هذه المعاملة بالحفاظ على القضية، أو بدعوى صيانة وطنية الفلسطينيين!

طبعاً، لا يمكننا إعفاء الحركة الوطنية الفلسطينية من مسؤوليتها عن هذا المسار، إذ أن تلك الحركة، أيضاً، قللت من أهمية حقوق الإنسان، وأعلت من شأن قضية الصراع على الأرض، وصولاً إلى إقامة سلطة على جزء منها. وفي غضون ذلك، فإن هذه الحركة التي بالغت بالعسكرة، في فكرها السياسي وبناها التنظيمية، لم تنتبه إلى أهمية بناء مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين، بمقدار ما اشتغلت على إقامة ميليشيات مسلحة في أوساطهم، حيث أتيح لها، من الأردن إلى لبنان، وصولاً إلى الضفة وغزة. وفي المحصلة فقد تمخّضت تلك التجربة عن نتائج سلبية، إذ باتت تلك المجتمعات، بعد نفاذ ظاهرة العمل المسلح، تفتقر إلى الهياكل السياسية والاجتماعية، وتعاني من التشرذم والعنف والضياع. وهذه المجتمعات التي كانت في مراحل سابقة تنتج الشعراء والكتاب والصحافيين والأكاديميين والفنانين والمهندسين والأطباء والمحامين ورجال الأعمال باتت وكأنها كفّت عن ذلك تقريباً، وهو ما يمكن ملاحظته في شكل أكبر في مجتمع الفلسطينيين في لبنان.

بيد أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إن اللاجئين الفلسطينيين الذين دفعوا باهظاً ثمن صعود حركتهم الوطنية، من الستينات إلى الثمانينات، باتوا مكشوفين، بعد تحول منظمة التحرير إلى سلطة، في الضفة وغزة، أي أنها نكصّت، وفي شكل مجاني، عن تمثيلها كل شعب فلسطين، بعد أن تم تهميشها، بحيث لم يعد للفلسطينيين اللاجئين من يمثلهم.

والحقيقة، فإن من أهم التداعيات الناجمة عن إقامة سلطة، في جزء من أرض فلسطين لجزء من شعب فلسطين، ما تبديه الطبقة السياسية السائدة في الضفة وغزة من لا مبالاة إزاء معاناة الفلسطينيين اللاجئين، في العراق ولبنان وسورية، ليس إزاء حقوقهم السياسية فقط، وإنما حتى إزاء حاجاتهم على الصعيد الإنساني، وهو مؤشّر خطير إلى تآكل مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية، وانحسار القيم التحرّرية عند الطبقة الفلسطينية المتسيّدة.

هكذا، بات اللاجئون الفلسطينيون في وضع يفتقدون فيه أية مرجعية سياسية أو تمثيلية، وفوقها فلا أحد يعتبر نفسه ولياً لأمرهم، أو معنياً بهم، لا الأنظمة التي يعيشون بين ظهرانيها، ولا منظمة التحرير، التي يفترض أنها ممثلهم الشرعي الوحيد، بعد أن باتت مجرد سلطة تنحصر ولايتها بفلسطينيي الضفة والقطاع (بدرجة أقل)، ما يفسر لا مبالاة بعض سفاراتها بما يجري للاجئين في بلدانهم، باعتبارها مجردة سفارات «تخدم فلسطينيي فلسطين فقط»، على حد قول أحد موظفي السفارة في لبنان للاجئ فلسطيني من سورية، كأن فلسطين باتت هي الضفة وغزة!

على ذلك يستحق الفلسطينيون اللاجئون، اهتماماً أكبر من قيادتهم، علماً أن لا أحد يطالبها باجتراح المعجزات، إذ المطلوب بعض الاهتمام المعنوي والسياسي، وبعض الجهد للتسهيل عليهم في منافيهم الجديدة، في تقديم جوازات سفر لهم، ومخاطبة السلطات المعنيّة للسماح لهم بالمرور والتنقل وتحسين معاملتهم، وتقديم المساعدة للمعوزين منهم، على النحو الذي تعمل به بعض المنظمات الإنسانية، ومنظمة «أونروا». كما يستحق الأمر حمل هذه القضية لطرحها في جامعة الدول العربية، لفرض معايير لائقة في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، من ضحايا النكبة، في الدول الأعضاء كافة، بكرامة ووفق معايير لائقة، ضمنها إتاحة حرية التنقل لهم في ظروف الحرب والكوارث واللجوء الإنساني، لا سيما أن هذه الدول لم تتكلف يوماً قرشاً واحداً من جيبها لإعالة أي لاجئ فلسطيني أو غير ذلك.

واضح أن القيادة الفلسطينية مقصّرة في حق هذه الكتلة الكبيرة من الشعب الفلسطيني (اللاجئين)، ما يعني نصف مجموع هذا الشعب، والتي تتوزّع في معظم دول العالم، وأنه ليس لدى القيادة أي رؤية أو خطة لهذا الأمر، ولا أية إطارات عمل أو هياكل أو مؤسسات تربط بينها وبينهم، ما يفسّر قلة الاهتمام بأحوال الفلسطينيين في أماكن اللجوء والشتات. ولعله من المؤسف أن تتخلّى القيادة الفلسطينية عن عنصر بهذا الحجم من عناصر قوتها، في حين تحرص إسرائيل على استثمار إمكانات أي يهودي في آخر بقاع الدنيا.

*ماجد كيالي –  كاتب سياسي فلسطيني .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.