ماجد كيالي يكتب - في تشخيص العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية الفريدة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ماجد كيالي يكتب – في تشخيص العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية الفريدة

0 78

ماجد كيالي  – 16/11/2020

لا يوجد في علاقة دولة مع دولة أخرى ما يشبه العلاقة الفريدة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية، إذ تبدو تلك نسيج وحدها بين علاقات الدول والأمم، لاسيما أنها تتأسس على روابط اعتمادية، تشمل مختلف المجالات في كلا البلدين، أي في السياسة والأمن والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، وحتى في مجال التكون التاريخي (تجربة الاستيطان الإحلالي ومحاولة محو أهل الأرض الأصليين).

المفارقة في تلك العلاقة أن إسرائيل تبدو حقاً كعبء حقيقي على الولايات المتحدة، من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية، ولجهة مكانة الولايات المتحدة وصدقيتها في العالم، في حين أنها تعتبر مكسباً خالصاً لإسرائيل، التي تتمتع بضمانة الولايات المتحدة لأمنها وتفوقها الاستراتيجي في المجالات العسكريةوالاقتصادية والتكنولوجية.

المفارقة تتجلى، أيضاً، في أن الحديث يتعلق بدولة صغيرة جداً وهي بعيدة عن الولايات المتحدة، ولا يزيد عدد سكانها على بضعة ملايين، ويبلغ ناتجها السنوي نحو 400 مليار دولار، في حين أن الولايات المتحدة دولة كبيرة وقوية بالمقاييس الجغرافية والسكانية والاقتصادية والتكنولوجية، وناتجها القومي يبلغ 22 تريليون دولار.

وثمة مفارقة أخرى تتمثل بواقع أن مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي أهم من مصالحها في إسرائيل، ففيه كتلة بشرية تناهز 300 مليون شخص، وفيه الثروة النفطية، الحيوية للاقتصاد العالمي، وهو يحتل موقعاً استراتيجياً للعلاقات الدولية.

لكن ما يلفت الانتباه أن الولايات المتحدة رغم كل الميزات التي هي لصالح العالم العربي وليست لصالح إسرائيل، تصرّ على محاباة الثانية، ودعمها وتغطية سياساتها بشكل مطلق، من دون أي مبالاة بمصالح العرب وحقوقهم!

الأنكى من ذلك أن إسرائيل هذه، في محاولاتها فرض سياساتها وأولوياتها وحاجاتها في الشرق الأوسط، تذهب أيضاً إلى حد معاندة مصالح الولايات المتحدة وأولوياتها، كما شهدنا في عهد إدارات بوش الأب وكلينتون وأوباما، في ممانعتها تسهيل السياسة الأمريكية الشرق أوسطية، ولو لمجرد تجميد مؤقت للاستيطان، أو وقف تغيير الواقع الديموغرافي في القدس، مقابل تقديمات سياسية واقتصادية وأمنية هائلة!

ويمكن تفسير العلاقة الخاصة، التي تبرر لإسرائيل معاندة الإدارة الأمريكية، بالعوامل التالية:

1 ـ محاولة إسرائيل التماهي مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط في مرحلة الحرب الباردة خصوصاً، في الخمسينيات والثمانينيات، لذلك فإن هذه العلاقة تستند إلى إرث تاريخي راسخ من العلاقات والمصالح والرؤى المتبادلة.

2 ـ وجود لوبي يهودي قوي ونافذ في المجتمع الأمريكي وفي مراكز صنع القرار يسهل لإسرائيل سياساتها ويدافع عن مصالحها في حين ثمة غياب للوبي عربي فاعل وموحد، لاسيما مع انفراط عقد النظام العربي، وتشتت إراداته ومصالحه.

3 ـ تستمد إسرائيل نفوذها من وجهة نظر لدى النخب المتنفذة في الولايات المتحدة ترى أن إسرائيل تنتمي لمنظومة الحضارة الغربية، وتعتبر إسرائيل بمثابة واحة للديمقراطية والحداثة في المنطقة، ووفق شعار أن “ليس في الشرق للغرب أكثر من الغرب نفسه”. وكما لاحظنا فقد تداعت هذه الأسطورة بعد انفضاح الطابع العنصري والاستعماري لإسرائيل، ولكن النتائج كانت أكثر وضوحاً في أوروبا منها في الولايات المتحدة.

4ـ طبيعة النظام السياسي الأمريكي، الذي يعتمد على دوائر عدة، خصوصاً أن الضغط عليه، لتوجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية، لا يقتصر على العلاقة بالرئيس أو بأركان إدارته، وإنما يشمل التأثير في دوائر الناخبين وفي مجلسي النواب والشيوخ، ووسائل الإعلام والشركات الكبرى والجامعات واللوبيات.

5 ـ تشتت وضعف الإرادة وتخلف الإدارة السياسية في العالم العربي، رغم كثرة العرب وكثرة دولهم ونفطهم.

6ـ ثمة بُعد ثقافي ـ ديني، بين الطرفين يستمد وجوده من تيار في المسيحية البروتستانتية، المنتشرة في المجتمع الأمريكي، والذي يعتبر قيام إسرائيل علامة من علامات “القيامة”، ولذلك فإن هذا التيار يدعم وجود إسرائيل من هذا المنطلق، وإن لغايات مختلفة.

7ـ وجود شعور بنوع من التماثل بين قيام إسرائيل وقيام الولايات المتحدة، التي نشأت أيضاً بوسائل الهجرة والاستيطان والقوة، ضد أهل الأرض الأصليين.

هكذا، وبحكم كل هذه العوامل، فإن إسرائيل تتمتع بامتيازات تتيح لها العمل من داخل المجتمع الأمريكي، والسياسة الأمريكية؛ ما يفسر تحمّلها الخلاف مع هذه الإدارة أو تلك، وضمنه تحمّلها معارضة توجهات هذه الإدارة أو تلك، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، إذ إنها تشتغل في قلب السياسة الأمريكية، إن عبر موضعة أولوياتها في قلب الاستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية، أو باعتبارها الولاية 51 للولايات المتحدة، إن جاز التعبير. وعليه، فإن إسرائيل تستشعر بأهميتها للولايات المتحدة، في مجمل سياساتها الشرق أوسطية؛ حيث إنها تطرح نفسها بمثابة الحليف الوحيد، الثابت والموثوق، للولايات المتحدة في المنطقة.

على ذلك، لا يمكن المراهنة على أن حادثة معينة أو غيرها، مع هذا الرئيس الأمريكي، أو ذاك، يمكن أن تطيح بالمكانة المتميزة التي تتمتع بها إسرائيل في الولايات المتحدة، بحكم الروابط الوشيجة التي تجمع هذين الطرفين، وبحكم العلاقات التاريخية والمتميزة التي تربطهما، وبواقع أن السياسة عندهما تعمل بطريقة المؤسسات، والمصالح والرؤى الاستراتيجية، لا الآنية أو الشخصية.

مع ذلك، يجدر لفت الانتباه إلى أن ثمة شيئاً جديداً يجري في الولايات المتحدة، على صعيد العلاقة مع إسرائيل، يمكن توصيفه ببداية مسار تضعضع العلاقة المشتركة، ومراجعة مسلماتها، لاسيما في أوساط جمهور الديمقراطيين، وقطاع الطلاب، والجيل الجديد، لكن ذلك يتطلب موقف عربي أكثر حضوراً وقوة وفاعلية. هكذا، فإذا كانت إسرائيل بلا الولايات المتحدة ليست مسألة راهنة، فإنها بالمقابل ليست مسألة مستحيلة، مستقبلاً؛ في ضوء التطورات الدولية والإقليمية، وفي ضوء انكشاف إسرائيل، كدولة احتلالية وأصولية وعنصرية، لكن من دون وضع فلسطيني وعربي مناسبين، لا يمكن استثمار أية تغييرات في الولايات المتحدة أو في غيرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.