أقلام وأراء

ماجد كيالي: مقاربة سياسيّة مؤلمة بين التّجربتين الفلسطينيّة والسّورية

ماجد كيالي ٢٤-٦-٢٠٢٢م

هل يمكن، أو هل يجوز، عقد مقاربة سياسية، أو أخلاقية، بين التجربتين، أو النكبتين، الفلسطينية والسورية؟ أو هل يمكن الحديث عن تشابه بينهما، في الظروف والمكوّنات والتطورات والمآلات، أو في الألم، جراء الإزاحة والتشرد والحرمان والقهر والاستعصاء وفقدان الأمل؟

طبعاً ثمة من يأنف، أو يستغرب، “اقتراف” مقاربة كهذه، أو الحديث عن تشابه ما، انطلاقاً من موقف مسبق، أو مضمر، باعتبار أن ذلك، على الأغلب، يخدش مشاعره، أو ما يعتقد أنه كبرياؤه القومي، إذ إسرائيل كيان غريب ومصطنع وغير شرعي، فيما نظام الأسد “منا”، من لحمنا ودمنا، من دون الانتباه إلى أن ذلك الاستغراب أو الاستنكار، يفترض أن ينصبّ على الطرف المعني (النظام)، الذي فرض مقاربة كهذه، لا على الضحايا.

في الواقع، لطالما لفتني ذلك التشابه بين النكبتين، والتجربتين، الفلسطينية والسورية، رغم اختلاف طبيعة كل منهما، وتباين ظروفهما، ومكوناتهما، بيد أنني أعتقد أن النكبة السورية أكثر قسوة ومرارة وهولاً، من سابقتها الفلسطينية، مع ملاحظة أن أي مقاربة بين النكبتين لا تتوخى تخفيف واحدة إزاء أخرى، إذ لا مصيبة تخفّف أو تغطّي أخرى، ولا جريمة تبرر غيرها، والمسألة لا تتعلق بالقياس فالمصيبة هي ذاتها، بغض النظر عن حجمها أو طريقة قياسها وشخصية مرتكبها.

بداية، بديهي أن قضيتي الفلسطينيين والسوريين مختلفتان، فالأولى نتاج مشروع استعماري استيطاني عنصري، إجلائي وإحلالي، تأسّس على جلب المستوطنين اليهود من الخارج، بالاعتماد على دعم بعض القوى الغربية، فيما قضية السوريين نتاج نظام تسلطي، تأسس على الاستبداد والفساد، ومصادرة الحريات وحقوق المواطنة، منذ قرابة نصف قرن.

لكن هذا التفارق، من حيث البنية والموضوع والأهداف، لا يمنع رؤية أن هاتين القضيتين العادلتين أضحتا متشابهتين من حيث المسارات والتحولات والمداخلات، إلى درجة تثير الدهشة والتخوّف في آن معاً، وهو ما سأحاول توضيحه في الجوانب المهمة الآتية:

أولاً، العفوية، والافتقاد لاستراتيجية كفاحية. معلوم أن الحركة الوطنية الفلسطينية انطلقت (بمبادرة حركة فتح)، في أواسط الستينات من القرن الماضي، من دون أن تمهد لذلك بإعلان ذاتها ككيان سياسي، مراهنة على مبادرتها بإطلاق الكفاح المسلح لشد الفلسطينيين إليها، لكن من دون توضيح استراتيجيتها في التحرير، باستثناء فكرتها عن “التوريط الواعي”، المتمثل بشن عمليات فدائية تستدرج رد فعل إسرائيلي على الدول العربية المجاورة، التي ستحرك جيوشها لقتال إسرائيل. وطبعاً فقد تبينت مراهنة كهذه عن كارثة، وعن فشل فلسطيني. بالنتيجة فإن العفوية في البناء السياسي والكفاحي شكلت مركز ضعف للحركة الوطنية الفلسطينية، لا سيما أن ذلك استمر من دون أي محاولة لتجاوزه. في الحالة السورية حصل ذلك أيضاً، إذ انطلقت الثورة كانفجار شعبي عفوي، وهذا أمر مفهوم، في واقع تحريم الحياة الحزبية على السوريين، وافتقاد الشعب السوري كيانات سياسية، لكن المشكلة هنا أن الشخصيات، أو القوى المعارضة، التي فتحت الحراكات الشعبية السورية المجال واسعاً أمامها لالتقاط تلك اللحظة التاريخية فوّتت ذلك، بسبب خلافاتها، وضعف تجربتها، وأيضاً بسبب التدخلات الخارجية، وبالتحول نحو العسكرة، ما أضر بها وبالشعب السوري.

ثانياً، المراهنة على العمل المسلح. وهي الجانب الذي جمع بين التجربتين السورية والفلسطينية، بحيث تم حصر الصراع في الوسائل المسلحة، على حساب أشكال الكفاح الشعبية، وبالاعتماد على الفصائل العسكرية، ما أخرج الشعب من دائرتها، وأضرّ بها وبطبيعتها وبمساراتها. المشكلة، أيضاً، أن العمل العسكري، عند الجانبين، كان يفتقد استراتيجية عسكرية معقولة أو مدروسة، ولم يكن يرتبط باستراتيجية سياسية واضحة.

فوق هذا وذاك، ثمة التفوق الهائل في موازين القوى العسكرية، لغير مصلحة الفلسطينيين والسوريين، ناهيك بغياب المعطيات العربية والإقليمية والدولية المساندة لهما. وطبعاً، ففي الحالة الفلسطينية، ثم السورية، فإن التحول نحو العمل المسلح لم يكن نتاج نضج في بنى الكيانات السياسية، أو نتاج تطور في طرائق كفاحها، ما أدى إلى الوقوع في شراك الاعتماد على هذه الدولة أو تلك، وجعل الحراك السوري، مثلاً، مرتهناً لأجندة مختلفة، وأخضع العمل العسكري، بمستوياته وجغرافيته، لسياسات الدول الداعمة، أكثر من خضوعه لمصالح السوريين. هذا يشمل السؤال عن جدوى التسرّع في التركيز على نهج معين من العمل العسكري، في الحالة السورية، يتمثل في السيطرة على مدن أو مناطق، من دون توافر الأدوات التنظيمية، ومن دون حيازة وسائل الدفاع عنها، أو تأمين مستلزمات سكانها، الأمر الذي أفاد النظام بالتخلص من الاحتكاك مع البيئات الشعبية المعادية له، وفرض الحصار عليها، وتحويلها إلى حقل رماية لمدفعيته وبراميله المتفجرة (لاحظ وضع غزة ولبنان سابقاً). علماً أن المناطق “المحررة” تلك كانت تخضع لإدارات عسكرية، تفرض سلطتها وتصوراتها على الناس بالقوة، بل إنها لم تتحمل النشطاء الذين حملوا الثورة في البدايات، وتالياً فهي لم تستطع أن تقدم ذاتها كنموذج أفضل في مواجهة النظام، وهذه كارثة أو خيبة أمل أخرى للسوريين؛ ما يفيد بمراجعة تجربة الفلسطينيين في لبنان (حيث كانوا بمثابة سلطة إزاء اللبنانيين والفلسطينيين) وفي الضفة وغزة (بعد إقامة السلطة). هكذا، ففي تلك التجربة ما يشي بأن عدوى الكفاح المسلح الفلسطيني (بالمعنى المرضي) أصابت السوريين أيضاً.

ثالثاً، وهم الإطار التفاوضي. فتجربة الفلسطينيين لها 57 عاماً، فيما تجربة السوريين عمرها 12 سنة، ومع ذلك فقد أدخلت في متاهات تفاوضية (جنيف، آستانة، سوتشي، الدستورية) تشبه التي أدخل فيها الفلسطينيون قبل أوسلو وبعدها، لتضييع الوقت والالتفاف على القضية الأساسية. هكذا، ورغم وضوحها الشديد، فإن قضية السوريين، كما الفلسطينيين، بات يجري حرفها عن طبيعتها، بحيث باتت تطرح باعتبارها قضية إنسانية، أي قضية لاجئين، وكقضية معركة ضد الإرهاب، أو كمسألة تتعلق بحماية أقليات إثنية أو دينية، وليس باعتبار تلك المسائل، على أهميتها، أعراضاً للمرض الناجم عن نظام الاستبداد. وطبعاً، ومع كل ذلك، ثمة بعد آخر يتعلق بالوضع الدولي، يتمثل بإخراج القضية السورية من أيدي السوريين، ما يخدم طمس طبيعتها، وتغطية حقيقتها، بتحويلها إلى قضية يقرر في شأنها الفاعلون الدوليون، وهذا حصل مع الفلسطينيين.

رابعاً، ضياع الإجماعات الوطنية. فعلى الصعيد الداخلي، مثلاً، لا إجماعات سياسية عند السوريين، وثمة افتراقات كثيرة في ما بينهم، كحال الفلسطينيين اليوم. من جهة أخرى، يمكن ملاحظة أن الكيانات السورية المعارضة، السياسية والعسكرية والمدنية، تعتمد في وجودها واستمرارها على الدعم الخارجي، المالي والتسليحي والسياسي، أكثر كثيراً من اعتمادها على شعبها، بل إن شعبها بات يعتمد على المعونات الخارجية، وهذه حال الفلسطينيين، منذ عقود، لا سيما منذ إقامة السلطة (1993). والمعنى أنه في الحالين بات للخارج دور رئيسي، ومقرر، في الشأنين السوري والفلسطيني، وباتت ولاءات الكيانات السياسية للراعيين أو الداعمين الخارجيين، أكثر من ولائهم لشعبهم.

يمكن أن نضيف إلى ما تقدم استعصاء الحلين الفلسطيني والسوري، وتضييع القضية، في بيئات عربية وإقليمية ودولية، لا تبالي تماماً بما يحصل، للفلسطينيين والسوريين، لا سيما بالمقارنة مع ما يحصل بخصوص مأساة الشعب الأوكراني.

خامساً، ثمة مفارقة لافتة، ومأسوية جداً، ففيما وجد الفلسطينيون أنفسهم إزاء غزو خارجي، هو جزء من الغزو الاستعماري الاستيطاني الحاصل في تلك الحقبة في العالم، ما نجم عنه اغتصاب حقوقهم في الأرض والموارد والحقوق والمستقبل والهوية، وجد معظم السوريين أنفسهم إزاء حال اغتصاب داخلي نجم عنه، أيضاً، اغتصاب دولتهم ومواردهم وحقوقهم وحرياتهم ومستقبلهم، إذ إن النظام تعامل معهم كأنهم بمثابة «خارج» بالنسبة إليه، في اختصاره الوطن والوطنية في ذاته، وفي حديثه عن سوريا المتجانسة، وفي شعار: “سوريا الأسد إلى الأبد”، كأنه لا شعب وأن سوريا ليست بلداً، ما يفتح على ما يقارب قصة أن فلسطين ليس فيها شعب، أو أنهم مجرد خارج، أو مقيمين، أو طارئين على الزمان والمكان في بلدهم، بالنسبة إلى إسرائيل، مع سرديتها الخرافية عن “شعب الله المختار”.

شيء مأسوي أن تتشابه مصائر شعوب هذه المنطقة ومآلات ثوراتها، فنحن إزاء قضيتين مختلفتين، لكن أوجه التشابه بينهما جد كبيرة ومدهشة ومؤلمة، وهذا يشمل التشابه، الذي يدعو إلى المرارة والأسى، بين مشكلات وأخطاء وارتهانات حركة التحرر الفلسطينية والمعارضة السورية. 

باختصار، ففي هذا المجال نحن إزاء فشل عام، فلسطيني وسوري (وعربي بالنظر إلى مآلات ثورات الربيع العربي)، وأخشى أننا بتنا إزاء السوريين كفلسطينيين جدد.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى