أقلام وأراء

ماجد كيالي – عن عمليّات فلسطينيّة في زمن عربي ودولي ضائع

ماجد كيالي 2-4-2022

أشعلت العمليات الفلسطينية الثلاث التي أدت إلى مصرع 11 إسرائيلياً هذا الأسبوع (في الخضيرة وبير السبع وتل أبيب)، النقاش بين الفلسطينيين في شأن طبيعة استهدافات تلك العمليات، وجدواها، بخاصة في هذه الظروف غير المواتية، وقد اشتمل ذلك النقاش على الجوانب السياسية والأمنية والأخلاقية، علماً أنه في عملية الخضيرة قتل شرطيان، فيما قتلى عمليتي بير السبع وتل أبيب من المدنيين.
عموماً، النقاش هنا لا يتوخى الحكم سياسياً أو أخلاقياً على هذه العملية أو تلك، فذلك شأن آخر، لكن الغرض تقديم تحليل لواقع المقاومة الفلسطينية المسلحة في مساراتها، ومدى تحقيقها المرجو منها، مع تجربة بات عمرها 57 عاماً.
بداية، هذا ليس نقاشاً في مشروعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، فذلك أمر أقرته المواثيق الدولية، وتجارب الشعوب، ومن ضمنها التجربة الأوكرانية هذه الأيام، كما أن هذا النقاش يؤكد حقيقة أن الفلسطينيين هم ضحايا إسرائيل، وليس العكس، فهي التي قامت في أرضهم، وهي التي شردت معظمهم، وهي التي ترفض الاعتراف حتى بحقوقهم التي اعترف لهم بها المجتمع الدولي، ثم إنها هي التي تملصت حتى من اتفاق أوسلو المجحف والمهين بحقهم.
بيد أن كل ما تقدم لا يفيد بأن المقاومة المسلحة ضد الاحتلال هي بمثابة صك مفتوح، إذ إن ذلك يتطلب، أيضاً، عدداً من المعطيات أو الشروط، ربما يكمن أهمها في الآتي:
أولاً، توافر رؤية استراتيجية سياسية وعسكرية واضحة، وهذه مسألة ظلت غائبة عند الفلسطينيين، سواء في تجربتهم في الخارج أم في الداخل، بدلالة إخفاق هذه التجربة، أو عدم تحقيقها المرجو منها، وبدلالة تحوّلاتها غير المدروسة، من حرب عصابات إلى حرب تحرير شعبية، إلى قواعد ثابتة (كما في الأردن ولبنان مثلاً)، وصولاً إلى عمليات فدائية في الداخل وعمليات تفجيرية، ثم حرب صاروخية (تجربة غزة).
وفي كل الأحوال، لنلاحظ أنه لم يكن ثمة إجماع على العمل المسلح، بدليل أن فلسطينيي 48 انتهجوا طريقاً آخر، وأن فلسطينيي الضفة وغزة، قبل إقامة السلطة، غلب على شكل كفاحهم ضد إسرائيل طريق الانتفاضات والهبات الشعبية، ولنلاحظ أن الانتفاضة الشعبية الأولى (1987 ـ 1993) مثلت الشكل الأنسب في كفاح الفلسطينيين ضد إسرائيل.
ثانياً، يفترض بأي شكل كفاحي أن يتناسب مع إمكانات الشعب، أو ينبع من إمكاناته الخاصة كأساس، كي يضمن استمراريته، والقدرة على تطويره، فيما استند الكفاح المسلح الفلسطيني في الخارج، ثم في الداخل، إلى دعم أنظمة معينة، بالسلاح والمال، وبديهي أن تلك الأنظمة اشتغلت على توظيف العمل الفدائي (كحال النظام السوري مثلاً) وفقاً لأجندتها، ولتعزيز شرعيتها، وللمزايدة على الأنظمة الأخرى، وأيضاً للتغطية على تسلطها على مجتمعها.
ثالثاً، بديهي أن الأساس في أي مقاومة مسلحة ليس استنزاف مجتمع الفلسطينيين، بل استنزاف الاحتلال، كجيش وكمجتمع، عبر الدخول معه في صراع طويل الأمد، وليس بالضربة القاضية، كأن ثمة جيشاً في مواجهة جيش آخر، لأنه في هذه الحالة فإن التفوق لن يكون في مصلحة الشعب الذي يخضع للاحتلال وقيوده.
 وفي الواقع، فإن التجربة الفلسطينية خالفت تماماً هذه القاعدة، منذ البداية وحتى الآن، إذ وقعت في دائرة الاستدراج الإسرائيلي مراراً، بحيث إن ردود فعل إسرائيل على عملية مقاومة (إطلاق رصاص أو صاروخ) كانت أكبر وأخطر بعشرات المرات. فالمقاومة ليس فقط لم تستطع استثمار البطولات والتضحيات، كما حصل في الانتفاضة الثانية (2000ـ 2004)، وكما حصل في الحروب الأربع على غزة (2008، 2012، 2014، 2021)، بل أدت إلى تمكين إسرائيل من اتخاذ إجراءات تؤذي المجتمع الفلسطيني وتضعفه وتستنزفه.
رابعاً، لا بد للمقاومة من خلق إطارات منظمة تستند إلى إمكانات الشعب، وتنطلق من إرادته، وتعبر عنه، فيما المقاومة الفلسطينية لم تستطع الوصول إلى هذه الدرجة، مع كل الاحترام للحماسة والعواطف وروح العناد والمقاومة عند الشعب الفلسطيني.
خامساً، لا يمكن للقضايا العادلة إلا أن تنتهج الوسائل العادلة، لذا ثمة مشكلة في كلام من نوع: “العين بالعين، والسن بالسن” الخ… فهذه مجرد كلمات لا تفيد، بل تضر، ليس فقط لأنها مغالطة منطقية بحكم  عدم وجود أي تناسب في القوى بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل لأنها تنطوي على مغالطة أخلاقية كبيرة، فإذا كنا نقول إن إسرائيل متوحشة، فليس الرد عليها بالتوحش، بمعنى أن استهداف المدنيين يشوّه صورة الفلسطينيين، ويبين مدى ارتداد العنف عليهم، ما يظهر في صراعاتهم الداخلية، وفي سيادة العنف في علاقاتهم البينية، الشخصية والأسرية والمناطقية والفصائلية. فضلاً عن ذلك، فإن هذا الشكل يقوّض عدالة قضيتهم، في وضع باتت فيه منظمات دولية، مثل هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وهيئة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وحتى منظمة بتسيليم الإسرائيلية، توصم إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية بنظام أبرتهايد.
سادساً، المقاومة وسيلة، وليست غاية، وهي شكل من أشكال السياسة بوسائل أخرى، لكنها وسيلة تفترض معرفة كيف ومتى وأين تُستخدم حتى لا تأتي بنتائج عكسية، تضر بمجتمع المقاومة، أي بمجتمع الفلسطينيين، وأيضاً، حتى لا يطغى العنف على فكر المقاومة وأخلاقياتها، فالقضايا العادلة والنبيلة تحتاج إلى وسائل عادلة ونبيلة أيضاً، أما تقديس العنف فهو العمى ذاته، وهو الذي أسهم، مع عوامل أخرى، في تدهور الحركة الوطنية الفلسطينية. والمعنى أن المقاومة ليست شيئاً مقدساً، لذا فهي يجب أن تخضع للمراجعة والنقد باستمرار.
في الغضون، تجدر ملاحظة أن العمليات الأخيرة فردية، أي كنتاج لعنف الاحتلال، وكرد فعل عليه، لكنها أيضاً نتاج غياب استراتيجية مقاومة، ونتاج تآكل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، أي إنها نتاج أزمة فلسطينية، وهذا ما يجب إدراكه في هذا النقاش.
أخيراً، ليس في الحديث السابق أي نوع من محاكمة لعملية ما، فهذا شأن آخر، لأن القصد هنا هو نقاش مسار المقاومة الفلسطينية المسلحة في تحولاته، ومآلاته. أيضاً ليس الغرض هنا عقد مفاضلة بين العنف والسلمية، فهذا يخضع للظروف، والحالات المتعينة، والإمكانات، مع ملاحظة أن تحرر البلدان العربية، وعدد من بلدان العالم، من الوصاية الاستعمارية (باستثناء الجزائر)، تم بواسطة الانتفاضات الشعبية، وبالإمكانات الذاتية، وبفضل التغيرات التي حصلت على الصعيد الدولي، وضمنه أفول الحقبة الاستعمارية، وظهور نظام عالمي جديد، مع التغيرات الاقتصادية المتمثلة بانتقال مركز العمل من المواد الخام والأيدي العاملة إلى التكنولوجيا والعلوم، وهكذا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى