أقلام وأراء

ماجد كيالي : عن الصحافية الصادقة والشجاعة شيرين أبو عاقلة

ماجد كيالي ١٤-٥-٢٠٢٢م

“شيرين أبو عاقلة سقطت وهي بطلة تقوم بعملها. لقد كانت صحافية شجاعة أكثر من جميع الصحافيين الإسرائيليين معاً. لقد كانت في جنين وفي أي مكان آخر تحت الاحتلال… الافتراض يجب أن يكون أن الجيش هو الذي قتل شيرين أبو عاقلة” (“هآرتس”، 12/5). تلك هي شهادة المحلل الإسرائيلي جدعون ليفي المعروف بجرأته في التعاطف مع الفلسطينيين، وانتقاد سياسات إسرائيل الاستعمارية والعنصرية والوحشية ضدهم.

على ذلك لا يوجد اسم أو وصف مطابق لعملية استهداف الجيش الإسرائيلي الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة سوى باعتباره عملية اغتيال أو إعدام، أي أكبر من جريمة قتل. فالصحافية الشجاعة والصادقة، التي كانت تغطي محاولة القوات الإسرائيلية اقتحام مخيم جنين في الضفة الغربية المحتلة، لم تكن في منطقة تقاطع نيران أصلاً، والطلقة التي استهدفتها، من بندقية M16، التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي، كانت واحدة من طلقات عدة لقناص مصمم وضع شيرين في مرماه، في النقطة الأضعف بين الخوذة والسترة الواقية، التي كانت ترتديها وعليها علامة الصحافة، بدليل أن علي السمودي زميل شيرين في الفريق الإعلامي أصيب بجروج بليغة نتيجة إصابته بالرصاص (مع التمنيات له بالشفاء).

إذاً هي عملية إعدام جبان لهذه الصبية الجريئة، التي اشتغلت بواسطة ميكرفون وكاميرا على كشف إسرائيل على حقيقتها، في سياساتها الغاشمة، الاستعمارية والعنصرية والوحشية، وهو ما دأبت عليه منذ عملها مراسلة لقناة “الجزيرة”، في فلسطين، منذ قرابة ربع قرن.

شيرين، طوال عملها كإعلامية (وهي كانت أستاذة في جامعة بير زيت أيضاً)، غطت أرض فلسطين شبراً شبراً، ورافق صوتها وصورتها وإحساسها كل الأحداث التي شهدتها طوال تلك الفترة الصعبة، من زمن الانتفاضة الثانية (2000-1994) إلى الحروب المتوالية على غزة، وفي غضون ذلك المقاومة الشعبية المستمرة لاعتداءات المستوطنين وسياسات مصادرة الأراضي وهدم البيوت والاعتقالات وتخريب المحاصيل ومحاولات تهويد القدس واقتحام المسجد الأقصى. ففي كل تلك المواقع والأحداث أضحت شيرين معروفة ومألوفة من كل الفلسطينيين، في القرى والمخيمات والمدن، لا سيما أنها كانت تشبههم، بتواضعها، وحرارة قلبها، والعاطفة التي تنضح من صوتها، وهالة الحزن المرسومة حول عينيها، والعناد الساكن فيها لمقاومة الظلم.

لنتذكر أن شيرين ليست الضحية الوحيدة من نوعها، فثمة عشرات الصحافيين والكتاب والمثقفين الفلسطينيين الذين استهدفتهم وقتلتهم إسرائيل، وثمة سجل حافل في ذلك يضم أسماء مثل: غسان كنفاني، وكمال ناصر، ومحمود الهمشري، ووائل زعيتر، ناهيك بمحاولاتها اغتيال عديدين، في رسائل متفجرة كما حصل مع أنيس صايغ مدير مركز الأبحاث الفلسطيني سابقاً، وبسام أبو شريف، القيادي السابق في الجبهة الشعبية. 

القصد أن ما جرى هو جزء من سياسة إرهاب تقوم بها دولة الاحتلال، علماً أنها الدولة الاستعمارية الوحيدة، التي عرفها التاريخ، التي تطالب الشعب الذي تحتله بأن يبدي التسليم باحتلالها، بل أن يضمن أمن جيشها ومستوطنيها! وقد وصلت العنجهية بغولدا مائير، رئيسة الحكومة الإسرائيلية في الستنيات من القرن الماضي، أن ألقت باللوم على الفلسطينيين الذين يضطرون الجنود الإسرائيليين لقتلهم، مع قولها إنها لن تسامح الفلسطينيين على ذلك!

المهم أن إسرائيل في كل ذلك تحاول أن تدافع عن ما تدعيه “طهرانية السلاح”، أي أن الجيش الإسرائيلي يدافع عن نفسه، في الأراضي التي يعتبرها كل العالم أراضي محتلة، كما تحاول الإبقاء على احتكارها مكانة الضحية في الضمير العالمي، وهي المكانة التي اهتزت منذ زمن، وذلك بالترويج لأن من تقتلهم هم مجرد إرهابيين. وفي حالة شيرين أبو عاقلة، فبعد التهرب من المسؤولية، وإثارة الشكوك بشأن مصدر الرصاصة القاتلة، اعترف الناطق العسكري الإسرائيلي بأنه ربما حصل اطلاق نار من مجندين في إطار عمليتهم في جنين، علماً أن مدينة جنين محتلة، ويفترض أنها تحت سيادة السلطة الفلسطينية، مع ذلك فإن ذلك الناطق أحال الأمر إلى مجرد “رصاصة ارتطمت بأرض أو حائط وأصابت شيرين”! 

وطبعاً فإن تلك الدعاية لم تنطلِ على أحد، إذ إن منظمة “بتسيلم” (الإسرائيلية) كذبتها فوراً، وثمة عدد من المحللين الإسرائيليين ذكروا، وحذروا، من حوادث سابقة، أدت إلى تداعيات سلبية على إسرائيل، وعلى صورتها في العالم، كحادثة مقتل الطفل محمد الدرة (أيلول/سبتمبر 2000)، وحرق الطفل محمد أبو خضير بعد خطفه وتعذيبه من قبل مستوطنين متطرفين في الضفة (حزيران/يونيو 2014)، وحادثة قتل غادة سباتين، على حاجز إسرائيلي، وهي امرأة فلسطينية أمّ لستة أطفال وتعاني من قلة السمع وضعف الرؤية (نيسان/أبريل الماضي).

وهذا جدعون ليفي يتحدث عن تملص إسرائيل من المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها جيشها ومستوطنوها، إذ بعد قتل الطالبة الثانوية حنان خضور، وهي في طريق العودة من المدرسة إلى البيت، قبل شهر في جنين، كانت النتيجة أن “الموضوع قيد الفحص. مر شهر والفحص لم يظهر أي شيء، ولن يظهر أي شيء في أي يوم… هل هناك جريمة واحدة للجيش الإسرائيلي تحمل اليمين في إسرائيل والمؤسسة المسؤولية عنها في أي مرة؟… وأي حكم صدر على من قرر ونفذ القصف الإجرامي لمكاتب وكالة الأنباء “آي.بي” في غزة في عملية “حارس الأسوار”؟… وماذا عن الـ13 مراسلاً الذين قتلوا في عملية “الجرف الصامد”؟ ورجال الطواقم الطبية الذين قتلوا في تظاهرات الجدار في غزة، بمن فيهم رزان النجار التي أطلق النار عليها وقتلت من قبل الجنود وهي ترتدي الزي الأبيض؟ لم تتم معاقبة أحد… حتى لو وجدت رصاصة الجيش الإسرائيلي التي قتلت أبو عاقلة، وحتى لو تم العثور على الفيلم الذي يظهر وجه مطلق النار، فإنه سيعتبر بطلاً إسرائيلياً، يقف فوق كل اشتباه… الجريمة بدأت عند اقتحام كل بلدة وكل قرية وكل مخيم للاجئين وكل غرفة نوم في الضفة في كل ليلة، عندما يقتضي الأمر ذلك، وبالأساس عندما لا يقتضي…” (“هآرتس”، 12/5/2022).

مشكلة إسرائيل في سعيها الى احتكار مكانة الضحية، إنها في طبيعتها دولة احتلال عنصري، بحسب تقارير “هيومن رايتس ووتش”، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة حقوق الإنسان الدولية، ومنظمة “بتسليم” الإسرائيلية، ما يزعج اسرائيل ويخرجها عن طورها، لا سيما أن الفلسطينيين باتوا في مكانة الضحية في الضمير العالمي، منذ الانتفاضة الأولى (1987)، ما يفسر لجوء إسرائيل، التي تظن أنها استثناء كدولة احتلال، لإشهار فوبيا العداء للسامية، كأن العداء لسياسات الإجرام والاحتلال الإسرائيلي هو عداء لليهود، في حين هو أكثر شيء يضر اليهود. 

هكذا لا مخرج من هذه الدوامة إلا بإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، وتتساءل أرئيلا رينغل هوفمان: “منذ 55 سنة على الأقل: ماذا نفعل هناك… انتصرنا بمفاهيم عسكرية، لكننا هُزمنا في الإعلام، وهذا ما يقرر الوعي. ما الذي تبحثون عنه داخل رام الله مع دباباتكم؟ مع استمرار الوضع الحالي وغياب أي مؤشر على تسوية متفق عليها حول “المناطق” [الضفة الغربية]. (“يديعوت أحرونوت”، 12/5/2022).

رحلت شيرين، لكنها باتت بالنسبة الى شعبها، الذي بكاها في كل أماكن وجوده، بمثابة نجمة في السماء، هي رحلت لكن سيبقى صوتها وصورتها وإحساسها في ذاكرة الفلسطينيين. وهذه شهادة صحافي إسرائيلي عنها، يقول تسفي بارئيل: “تقاريرها الشجاعة والصادقة والموثوقة والمهنية التي استندت إلى عمل ميداني طويل الأمد وعلى تحقيقات معمقة وعلى معرفة واسعة للمجتمع الفلسطيني الذي ولدت فيه، منحتها مكانتها الرفيعة والصلاحية الإعلامية التي حولتها إلى صحافية لها قوة في العالم العربي. في الوقت نفسه، تحولت إلى العدو اللدود للمتحدثين بلسان الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي عندما دحضت تقاريرهم وادعاءاتهم. الأسف على موتها ليس شخصياً فقط، هذه خسارة مهنية مدوية لمن نجحت في وضع النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين والمجتمع الفلسطيني ومظاهر الاحتلال على المنصة الأمامية للرأي العام العربي والعالمي”. (“هآرتس”، 12/5/2022).

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى