أقلام وأراء

صاروخ روسي وليزر أميركي… إنه سباق تسلح إذاً ..!

ماجد كيالي

ماجد كيالي ٢٣-٤-٢٠٢٢م

جاء إعلان الجيش الروسي عن تجربة إطلاق صاروخ بالستي عابر للقارّات، من طراز “سارمات”، بطريقة استعراضية، حتى إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصفه بأنّه “لا مثيل له”، في تأكيد منه على مكانة روسيا كدولة عظمى، وفي سياق الدعاية لترويج الأسلحة الروسية، في سوق التسلح العالمي، سيما أن السلاح هو من أهم الصادرات الاستراتيجية الروسية مع القمح والنفط والغاز. 

بيد أن ذلك الإعلان في ذلك التوقيت أتى، أيضاً، للتغطية على إغراق السفينة “موسكوفا” مؤخرا، في البحر الأسود، بمضاد سفن، كما للتغطية على إخفاقات الجيش الروسي في حربه المستمرة منذ قرابة شهرين في أوكرانيا، علماً أن روسيا تحاول التلاعب بالرأي العام بالترويج إلى إنها لا تواجه فقط الجيش الأوكراني، في أوكرانيا، وإنما هي تواجه الغرب، أي حلف الناتو (الولايات المتحدة وأوروبا…)، لكن تلك المقاربة مخادعة تماماً، إذ لا توجد دبابة أو طائرة أو بارجة أميركية أو بريطانية أو فرنسية أو المانية في مواجهة مختلف الأسلحة الروسية، وإنما ثمة مضادات دروع وطائرات وسفن ومسيرات فقط. والمعنى مما تقدم أن مجرد مضادات استطاعت أن تستنزف الجيش الروسي وأن ترهقه، وأن تجعل “انتصاره” في هذه المنطقة أو تلك ناقصاً، ولا نهائيا، ما يعني أن ثمة تفوق تكنولوجي لصالح السلاح المتأتي من الغرب، ولو كان مجرد سلاح دفاعي.

عموماً فإن ذلك الوضع يفتح المجال لإجراء نوع من مقارنة بين السلاح الروسي والسلاح الأميركي، مع تأكيد أن العبرة ليست فقط في السلاح، وإنما في نمط القيادة، وإدارة العمليات، ووسائل الاتصال، وكيفية استثمار مختلف صنوف الأسلحة، والموارد البشرية، وهي في مختلف الأمور ليست لصالح الجانب الروسي، على نحو ما شهدنا. 

الفكرة هنا، أيضا، أن ثمة تسرعاً، أو مخاتلة، في قياس القوة الروسية بناء على حروب روسيا السابقة في الشيشان (1999) وجورجيا (2008) وأوكرانيا (شبه جزيرة القرم ودونباس 2014) وسوريا (2015)، ففي كل تلك الحروب تركت تلك البلدان مكشوفة في مواجهة الأسلحة التدميرية الروسية، وفي المثل السوري كانت الحرب من طرف روسيا فقط، إذ كان الجيش الروسي يقصف السوريين من الجو ومن البر، من دون أن يكون لدى هؤلاء ما يردون به، ولا مضاد واحد، لا للطائرات ولا للدبابات.

مع ذلك فإن العنجهية الروسية، التي عمت القادة الروس، وصلت حد اعتبار سوريا مجرد حقل رماية ومضمار تدريب للجيش الروسي، إذ ظلت وزارة الدفاع الروسية تصدر التقارير، منذ تدخلها في سوريا (أواخر 2015)، التي تتحدث فيها صراحة عن اعتبار ذلك البلد كحقل رماية وتدريب وعمليات لجنودها وجنرالاتها، وأنها جربت، أو اختبرت، أكثر من 300 طراز من الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية، خلال عملياتها في سوريا، بل إن الرئيس بوتين ذاته، اشتغل بالترويج للأسلحة الروسية، بدلالة “نجاح” اختباراتها في سوريا!

عدا عن كل ما تقدم، وعن تورطها في حرب أوكرانيا، تبدو روسيا كهيكل بعضلات مع جسم هزيل، لا يقدر على حمل، أو تغذية، ذاته، وهذا ما يفسر انهيار الاتحاد السوفييتي (ومعه دول المنظومة الاشتراكية) في مطلع التسعينيات دون أن يطلق عليه أحد رصاصة واحدة، وهذا ما ينطبق، أيضا، على واقع روسيا اليوم التي تجهد للانخراط في سباق تسلح، يشبه ذلك الذي استدرجت إليه، زمن الاتحاد السوفياتي وأدت إلى استنزافه وانهياره، إبان ما سمي بـ “حرب النجوم” سابقاً (كان أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان 1981-1989).

يمكن هنا ملاحظة أن روسيا، بالقياس لدول العالم، تعد أكبر دولة من حيث المساحة، وأغنى دولة من حيث الثروات المعدنية والطبيعية. مع ذلك فإن دخلها السنوي الإجمالي أقل من تريليوني دولار، أي أقل من دول مثل كوريا الجنوبية وإيطاليا وكندا، لذا فهي ليست من الدول العشر الأولى في العالم، في حين أنه في الولايات المتحدة 23 تريليون دولار (حوالي ربع الناتج الإجمالي العالمي)، وألمانيا واليابان 5 تريليون دولار لكل منهما، وفرنسا وبريطانيا والهند 3 تريليون دولار لكل منهم (الصين 17 ترليون دولار)؛ ما يعني أن الخلل ليس في الموارد وإنما في الإنتاج، وفي التخلف التكنولوجي، وشكل الإدارة، ونظام الحكم، ما يعني أن التحديات، أو المخاوف، على روسيا تنبع من تلك العناصر، أو الفجوات، وليس من خارجها، أما تصدير المخاوف، باعتبارها خارجية، فهو مجرد هروب من الواقع.

الفكرة الثانية، أن ثمة فجوة هائلة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، في التكنولوجيا، إذ الولايات المتحدة هي بمثابة القاطرة العلمية والتكنولوجية في العالم، وثمة فجوة كبيرة بينها وبين الدول الأخرى، سيما روسيا، في هذا المجال، كما ثمة فارق كبير في شكل استثمار الموارد البشرية وطريقة الإدارة. بمعنى أن الولايات المتحدة لا تعتمد فقط على قوتها الاقتصادية أو العسكرية، وإنما تعتمد على ما تمتلكه من وسائل القوة الناعمة لفرض ذاتها، كقوة عظمى وحيدة، مع أخرين أو من دونهم.

أما في خصوص الفارق في القوة العسكرية، إن جازت المقارنة، فإن الولايات المتحدة الأميركية تخصص 700 مليار دولار سنوياً من موازنتها للإنفاق العسكري، في حين تخصص روسيا 65 مليار دولار سنوياً لهذا المجال.

في ذات السياق، يبدو أن الولايات المتحدة، بقوتها التكنولوجية والاقتصادية، تحاول إحداث قفزة في أنظمة التسلح، بما يمكنها ليس من تدمير الأسلحة الأخرى فقط، بل وشلها أيضا. وكان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب (صيف 2018)، كشف عن اهتمام الولايات المتحدة بالهيمنة على الفضاء، واعتباره “مسرحاً جديداً للحرب”، والإعلان عن برنامج تطوير لنظام مضاد للصواريخ الباليستية، وتشكيل “قوة فضائية”، وتطوير أجهزة استشعار، يمكنها من رصد إطلاق الصواريخ، وتدميرها لحظة إطلاقها، من أي مكان في العالم. وقتها أعلن ترامب أن “القوة الفضائية”، ستصبح “الذراع السادسة في الجيش الأميركي”، بحيث سيكون “للولايات المتحدة قوة جوية، وقوة فضائية”.  وبحسب تعليق لوكالة الأنباء الصينية، في حينه، فقد “نجحت الولايات المتحدة في تطوير أسلحة يمكن أن تطلق من قواعد فضائية، بينها أسلحة تفوق الخيال مثل (Rods from God)، وهي بمثابة عصا مصنوعة من معدن التنجستن، أو التيتانيوم، أو اليورانيوم، تبلغ زنتها عدة أطنان وتستطيع عند إطلاقها من منصة على قمر اصطناعي يدور في الفضاء، إصابة أي هدف على الكرة الأرضية في أي وقت.” (شينخوا، أغسطس 2019) 

أما التطور الأهم حاليا، فيتمثل في كشف الولايات المتحدة مؤخرا (18 نيسان-أبريل) إدخالها سلاح الليزر، الذي يعمل بالطاقة الكهربائية، ضمن منظومتها الحربية، باعتباره الأقل كلفة، والأسهل تخزيناً وإنتاجاً، والأكثر فاعلية، إلى درجة أنه يمكن أن يشل عديد من الأسلحة، وضمنها الصواريخ والسفن. اللافت هنا مسألتين، أولاهما، أن ذلك الإعلان تم بعد إغراق البارجة “موسكوفا” في البحر الأسود، علما أن ذلك السلاح الليزري تمت تجربته في شباط (فبراير )الماضي، وتم تصميمه من قبل شركة لوكهيد مارتن الأميركية. وثانيتهما، أن الإعلان الروسي عن الصاروخ عابر القارات تم بعد إعلان القوات البحرية الأميركية عن تجربة سلاح الليزر إلى منظومتها الحربية.

مع ذلك، لنلاحظ أيضاً ان الحديث الروسي عن صواريخ مدمرة، أو الأكثر دماراً في العالم، في حين أن الحديث الأميركي عن أسلحة محبطة، أو دفاعية، بمعنى أن مهمتها هي شل الأسلحة الهجومية المدمرة، هذا يتعلق بمنظومة السلاح الليزرية، وبمنظومة السلاح الفضائية، لذا فلنأمل أن يبقى بعض العقل في هذا العالم، أو كي يبقى هذا العالم بسلام. 

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى