أقلام وأراء

ماجد الكيالي: عن مطار رامون واحتجاج العمال الفلسطينيين

السلطة الفلسطينية عاجزة أمام الإدارة المدنية الإسرائيلية

ماجد كيالي 03-09-2022

ثمة اليوم حقبة جديدة، ومختلفة، في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، تتحكم إسرائيل برسم ملامحها، فبعد أن أنجزت الاعتراف بوجودها (في أراضي الـ48) باتت تصارع على الضفة الغربية، وبعد أن كانت تصارع على الأرض أضحت تنازع السلطة الفلسطينية على نفوذها على الفلسطينيين أيضاً، وهذا وذاك حصلا بعد أن انزاحت قيادتهم (وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح) من الصراع مع إسرائيل على فلسطين التاريخية (وفقاً لحدث النكبة 1948)، إلى الصراع معها لإنهاء احتلالها الضفة وغزة (1967)، والسيادة في دولة مستقلة، وبعد تحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة تحت الاحتلال.

هكذا، مثلاً، يمكن فهم تطورين مهمين في علاقة إسرائيل بالفلسطينيين في مناطق السلطة، حصلا أخيراً، الأول، يتمثل بزيادة عدد العمال من الضفة وغزة في إسرائيل وطريقة التعامل معهم، والثاني يتعلق بإتاحة المجال للفلسطينيين للسفر من مطار رامون الإسرائيلي في النقب (قرب إيلات وشرم الشيخ والعقبة)، كبديل، أسهل وأرخص، لمطاري عمان أو القاهرة.
ويمكن تفسير هذين التوجهين، بغض النظر عن التداعيات الناجمة عن كل منهما على مختلف الصعد، بسعي إسرائيل الى تكريس الاحتلال، وقضم صلاحيات السلطة الفلسطينية، والهيمنة على الفلسطينيين من مختلف النواحي، أولاً، عبر زيادة وتصعيد دور الإدارة المدنية الإسرائيلية (التي يشرف عليها المنسق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة)، والمفترض إنها سلمت صلاحياتها الى السلطة الفلسطينية (وفقاً لاتفاق أوسلو 1993)، وذلك بقضم دور تلك السلطة. والثاني، عبر التعامل مباشرة مع الفلسطينيين كأفراد، أي من دون وكالة، أو وساطة، السلطة الفلسطينية وأجهزتها المختلفة، ما يعزز من علاقاتها معهم واعتماديتهم عليها. وثالثاً، من خلال التركيز على تشكيل كتلة، أو طبقة، من المستفيدين من العلاقة الاضطرارية المباشرة مع الاحتلال، سواء كانوا من كبار المسؤولين أم الموظفين في السلطة (حملة بطاقات VIP)، الذين يرون مصلحتهم في التشبث بامتيازاتهم في الوضع الراهن، أم من فئة التجار والمقاولين ورجال الأعمال، الذين لديهم مصالح اقتصادية وامتيازات في العلاقة مع إسرائيل، وهذه الطبقة يجري العمل على توسيعها باستمرار.
بيد أن ما يجدر التذكير به هنا أن إسرائيل ما كان لها أن تنجح في سياساتها تلك، إزاء السلطة الفلسطينية، إلا بالاستناد إلى عوامل مساعدة، أولها، تبعية السلطة لها في الاقتصاد والبني التحتية والمعابر، وبحكم سيطرتها الأمنية أيضاً. وثانيها، ضعف بني السلطة، وتخبطها في إدارة أحوال الفلسطينيين، مع تآكل شرعيتها، وانقسام كياناتها وترهل أجهزتها، وغياب علاقات المساءلة والمحاسبة فيها. وثالثها، غياب أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفي الواقع فإن إسرائيل عملت كل شيء، طوال العقود الثلاثة، للحط من صورة السلطة الفلسطينية، وإضعاف مكانتها لدى شعبها، في السياسات التي انتهجتها، عبر التوسع في الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية وزيادة سلطة المستوطنين فيها، وبسيطرتها على المعابر وعلى حركة الفلسطينيين بين الضفة وغزة، كما بينهما وبين الدول الأخرى، ومع تكرار التوغل في المدن الفلسطينية أمام أعين أجهزة الأمن الفلسطينية التي لا تستطيع أن تفعل شيئاً للدفاع عن شعبها، بحكم ضعف قدراتها، وبحكم الاتفاقات الموقعة (وضمنها التنسيق الأمني)، وكذلك مع إصرارها على استمرار سياسات الاعتقال الإداري، وهدم البيوت، وقتل النشطاء. 
مثلاً، وفي ما يخص العمالة الفلسطينية في إسرائيل، فقد كانت لافتة جداً التظاهرات الاحتجاجية التي نظمها العمال الفلسطينيون (21 و28 آب/أغسطس الماضي) على المعابر، تعبيراً عن رفضهم قرار إسرائيل تسليمهم مستحقاتهم عبر البنوك الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية، مفضلين تسلمها مباشرة من رب العمل الإسرائيلي، خشية منهم من اقتطاع السلطة جزءاً من مستحقاتهم. 
وبغض النظر عن صحة، أو عدم صحة هذا الموقف، لكنه يطرح التساؤل عن السبب الذي أوصل هؤلاء العمال إلى الدرجة التي يبدون فيها كأنهم يثقون بالسلطات الإسرائيلية أكثر من ثقتهم بسلطتهم الوطنية، وهو موقف ناجم عن الفجوة بين السلطة وشعبها، ومن حال الفراغ السياسي لدى الفلسطينيين، ناهيك بأنه يعكس نجاح إسرائيل، التي تخلق مصاعب للفلسطينيين، ثم تلقي لهم بحلول على قياسها، لتكريس احتلالها، وتعزيز الاعتمادية عليها، علماً أنها الأساس في مصائب الفلسطينيين.
ومعلوم أن عدد الفلسطينيين النظاميين العاملين في إسرائيل يبلغ نحو 200 ألف، ضمنهم 20 ألفاً من قطاع غزة، وثمة جهود لمضاعفة هذا العدد، كما لإنشاء مناطق صناعية محاذية لقطاع غزة، مع ملاحظة أن العامل منهم في إسرائيل يتقاضى ستة أضعاف أجره في الضفة والقطاع، أي يبدو العمل في إسرائيل كامتياز، وكل ذلك في إطار ما تعتبره إسرائيل “السلام الاقتصادي”، ووعود تحسين عيش الفلسطينيين والتسهيل عليهم في ظل الاحتلال.
أما في ما يخص مطار رامون الذي أثار ضجة إقليمية أيضاً (في الأردن ومصر)، إضافة إلى ما أثاره فلسطينياً، على المستوى الشعبي والرسمي، فمن الواضح أن إسرائيل لم تكن تتوخى التسهيل على الفلسطينيين في تنقلاتهم، بقدر ما كانت تسعى الى تعزيز مكانتها كدولة احتلال، لأنها هي المسؤولة أولاً عن مشكلات الفلسطينيين ومآسيهم على المعابر، قبل مصر والأردن. بيد أن هذه الحقيقة لا تعفي الطرفين المذكورين من المسؤولية، في تسهيل السفر، وتخفيف كلفته وتعقيداته، كما لا تعفي القيادة الفلسطينية من مسؤوليتها، إذ لم يلحظ أي جهد فلسطيني مع مصر والأردن، طوال العقود الثلاثة الماضية، لتسهيل حركة الفلسطينيين على المعابر، والتخفيف من تكاليفها ومصاعبها وتعقيداتها، والأنكى أن الطبقة السياسية الفلسطينية، مع تصاريح أو بطاقات VIP، التي تحصل عليها كامتياز، لا تبدو مبالية بما يجري على المعابر، وهذا ما يثير غضب الفلسطينيين، ويخلق البلبلة في صفوفهم في شأن الموقف من مطار رامون.
ولعل النقاش بخصوص المطار المذكور يذكر بموقف قيادات الفصائل التي كانت تتحدث عن الحفاظ على مخيمات اللاجئين البائسة، باعتبارها عنواناً للوطنية الفلسطينية، في حين ولا أحد منهم يسكن في تلك المخيمات، في سوريا أو لبنان!
القصد أن شغلة إسرائيل هي تكريس مكانتها كدولة احتلال وتحسينها، وصرف الأنظار عن كونها المسبب لنكبة الفلسطينيين، ومآسيهم، وأحوالهم الصعبة، لكن ما الذي تفعله القيادات الفلسطينية لمواجهة سياسات إسرائيل؟ أو لتعزيز صمود شعبها وتعزيز مكانتها لديه؟ أو لماذا تسهّل على إسرائيل انتهاج تلك السياسات؟ 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى