ماجد الشيخ يكتب - حكومة كوبرا إسرائيلية برأسين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ماجد الشيخ يكتب – حكومة كوبرا إسرائيلية برأسين

0 76

ماجد الشيخ  *- 29/4/2020

في ديمقراطية التوافقات والتواطؤات السلطوية، عادة ما تتفتق قوانين السلطة العميقة عما انغلق على فهمه بالسر؛ وما يبدو على الجمهور من التباس عدم الفهم، لا يمكن أن يستمر طويلا، فقانون التوافقات والتواطؤات السلطوية، العامل اليوم الأكثر اشتغالا في الأطر السياسية كما الحزبية، بواجهاتها الوظيفية، لا يشهد على أداء الكل لأدواره بإتقان، حتى في حال ظهوره للعلن في العديد من أنظمة السلطة المختلفة، حيث تتكشف عن اهتراءات عميقة، وخراب لا يمكن إصلاحه من داخل منظومة السلطة وحكومات الاستبداد وأحزاب السلطة العميقة؛ وهي تتبارى في تقاسمها، وقطف أكبر حصص ممكنة من كعكتها، في معزلٍ عن جمهورها ومصالح هذا الجمهور.

في مثل هذه “الديمقراطية”، عادة ما يعود الفاسدون إلى السلطة “منتصرين”، يتداورونها حتى لو كانت ارتكاباتهم أكبر من أن تحجبها الشمس. وهكذا توافق نتنياهو وشريكه غانتس على تشكيل حكومة في إسرائيل، عجزت أكثر من دورة انتخابية عن حسم الفائز فيها لحزب واحد، يكلف زعيمه بتشكيل الحكومة، فكانت خطوة الاضطرار المشهودة على تقاسم رأسين قيادة حكومة ضعيفة، لسلطةٍ لم تعد تجد إجماعا صهيونيا يعتدّ به، كما كان يحصل في السابق. وبات هذا الإجماع يفتقد الأسس والركائز التي قامت عليها الحكومات السابقة؛ بفعل أسبابٍ عديدة، أهمها غياب الرؤية السياسية والاجتماعية وتباعد المواقف والسياسات بين أحزابها وجمهورها، وكل الطاقم الذي يحكم ويتحكّم، ولا يجد في مواجهته سوى صيغ تنافسية، الأمر الذي لا يجعل من حكومةٍ من هذا النوع تعمر طويلا، قبل أن ينفكّ عقدها، وخصوصا أن التهم الموجهة لنتنياهو  .

“نتنياهو يدّعي أنه حصل على استثناء رسمي لخرق القواعد” .

زادت واحدة أخيرا، بعيد إعلان تشكيل الحكومة. حيث قالت وسائل إعلام عبرية إن النيابة الإسرائيليّة العامة تستعد لفتح ملف تحقيق ضد رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، في القضيّة المعروفة إعلاميًا باسم “قضية أسهم البورصة”. والقضيّة تبحث في صلات نتنياهو مع قريبه، رجل الأعمال ناتان ميليكوفسكي، “وبمواد حسّاسة أخرى” حوّلها مراقب الدولة السابق، يوسف شابيرا، إلى المستشار القضائي للحكومة الإسرائيليّة، أفيحاي مندلبليت، على خلفيّة مداولات أجرتها “لجنة الاستثناءات” في مكتب مراقب الدولة عام 2019، بسبب طلب نتنياهو الحصول على تمويل لمصروفاته القضائيّة من رجال أعمال. والقضايا التي بحثها مكتب مراقب الدولة تتعلّق بالسؤال المركزي: هل خرق رئيس الحكومة القواعد التي تمنع الوزراء من الاستثمار في البورصة؟ لكن نتنياهو يدّعي أنه حصل على استثناء رسمي لخرق هذه القواعد، إلا أن النيابة العامة تشتبه به. وبحسب تلك المصادر، اكتشف محققو الشرطة أخيرا أن نتنياهو حقق أرباحا وصلت إلى نحو 16 مليون شيكل في أعقاب بيع أسهمه في الشركة لقريبه عام 2010.

نتنياهوـ غانتس، بتنافر تكوينهما الشخصي، يلخصان ما يمكن تسميته “سلطة تقاسم التهم”، فالأول لم يكن ليقبل مثل هذه الشراكة، لو لم يكن محشورا ومضطرا لحفظ ماء الوجه، في مواجهة سلسلة التهم والملفات المفتوحة أمام القضاء، لتأخير بتّها على الأقل وتأجيل كشف ما فيها من أسرار شخصية تتعلق بجشع نتنياهو وأنانيته ونرجسيته، وهو المهووس بالسلطة، وصولا إلى تحقيق مآرب شريكته، زوجته سارة، بتكوينها المماثل، وربما الأكثر جشعا منه، بحبها للاستعراض والتباهي بقدرتها على تملك كل شيء من غير ثمن، أو حتى بثمن بخس، من قبيل الإيعاز لخادم البيت الحكومي ببيع زجاجات الشمبانيا الفارغة.

أما غانتس فقد حاول جاهدا أن يكسب رهان تشكيل حكومة، ولو غير منسجمة، في مواجهة غريمه، فلم يفلح بالوصول إلى تحالف قوي يضعه في صف نظرائه من رؤساء الأركان الذين نجحوا في مثل هذه المهمة، وشكلوا حكومات سابقة؛ ولمّا أصابه دوار اليأس، انقاد مضطرا إلى قبول التفاوض على تقاسم السلطة مع غريمه اللدود، والعدو الشرس لوجود تحالفٍ ينافسه على سلطانه، في الانتخابات التي تكرّرت أكثر من مرة، من دون حسم، ومن دون النجاح في تشكيل الحكومة العتيدة؛ انتخابات أضحت مهمتها أكثر تعقيدا من قبل، كشفت بطن القوى السياسية الحزبية، وزيف إجماعاتها المؤقتة، كما الاستراتيجية. كما كشفت زيف الإجماع الصهيوني الذي استمر الكيان بالاحتفاء به، معتبرا إياه سر أسرار وقوة مكوناته التي قادت إلى تحقيق إنجازاته العسكرية في حروبه مع العرب، وقادت إلى بناء قوة اقتصادية واستراتيجية، ما زال الكيان يمتح منها وبدعم الغرب، عناصر عديدة من القوة في الحرب كما في محاولات “سلم” لم يتحقق، جرّاء عناد قادة المؤسسة الأمنية والسياسية العسكرية وتطرّفهم.

“نتنياهو ـ غانتس ، بتنافر تكوينهما الشخصي، يلخصان ما يمكن تسميته “سلطة تقاسم التهم” .

قد تنجح مثل هذه الحكومات في السلطة بعض الوقت، ولكن هشاشة التحالف سوف تبدأ بتصديعها   تدريجيا، قبل أن تجد نفسها عاجزةً عن الاستمرار بالقبض على زمام السلطة، جرّاء شروخ الانقسامات التنافسية بين طرفيها، ورؤية كل منهما إلى ذاته، كونه الأقدر على مواصلة التحكّم بالسلطة وإدارتها، ولو من غير إنجازات يعتد بها. والأيام المقبلة سوف تعطي الأضواء الكاشفة عن اتجاهات (وتوجهات) طرفيها الواضحة والمكشوفة، أو الغامضة والمضمرة.

هي حكومة عار وعنصرية ونزعات فاشية، يراد لها أن تعود إلى استئناف سرديات التهويد وضم المستوطنات والأغوار، بتشجيع وبوعود من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضمن ما تسمى “صفقة القرن”. وقد ذهب نتنياهو/ غانتس، كل من جانبه، إلى اعتبار العرب خارج سفينة الهوية الإسرائيلية، المرصودة للانتخابات فقط بهدف كسب مزيد من أصواتهم؛ أما خارج الانتخابات فهم حمل ثقيل لا يمكن ملاحظة وجوده أو التعاطي معه؛ إلا من زوايا أمنية وخدمية بما يخدم المصالح الحزبية الصهيونية.

قد لا تقلع هذه الحكومة جرّاء ملابساتٍ عديدة أحاطت بولادتها، فتصبح حكومة “شلل وطني” معطّلة لمسارات السياسة والقضاء، فتخفق في تنفيذ ما اتفق عليه في وثيقة الاتفاق. وهذا تحديدا ما حمل محللين وإعلاميين إسرائيليين عديدين إلى شن انتقادات عنيفة للحكومة الجديدة. وذهب محرر صحيفة هآرتس، ألوف بن، إلى نعتها بـ”تحالف النصابين”، وكتب أن المتهم بالفساد، في إشارة إلى نتنياهو، راغب بالإفلات من قبضة القضاء، فيما يريد “سارق الأصوات” الطقوس والتكريمات الرسمية، في إشارة إلى غانتس. معتبرا أن قبول غانتس بأن يكون ولي عهد لدى نتنياهو، يعني عدم اكتراثه بتهم الفساد الموجهة إلى رئيس وزراء.

*كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في لبنان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.