ترجمات أجنبية

ليبراسيون: العودة إلى الحاضر

ليبراسيون 25-8-2022م

الزيارة التي بدأها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الخميس، إلى الجزائر، وتستمر ثلاثة أيام، هي الزيارة الرسمية الثانية لماكرون إلى الجزائر كرئيس لفرنسا منذ زيارته الاولى عام 2017، والتي تزامنت مع موجة ثورية (الحراك) ضد الرئيس السابق بوتفليقة وشقيقه ورجال الأعمال الذين شكلوا عشيرته المتهمين بالمحاباة والفساد. واليوم، توقفت مسيرات الجمعة السلمية الكبيرة، انتخب عبد المجيد تبون، الذي كان وزيراً لبوتفليقة سبع مرات، انتخب رئيساً للبلاد في ديسمبر 2019. قام بسحق الحراك عبر الاعتقالات والحظر، دون عنف مفرط. تمت مراجعة الدستور- على الهامش- والمصادقة عليه من خلال استفتاء أجري وسط لامبالاة عامة.

واليوم تبون يستقبل ماكرون وهو في موقع قوة. فعلى الرغم من افتقاره للشرعية، إلا أنه لم يعد موضع رفض كبير في الجزائر، على الأقل لم يعد هذا الرفض مرئيًا. وقد عزز الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز المرتبط بالحرب في أوكرانيا موقع الرئيس الجزائري، وأصبح الغاز الجزائري الآن مرغوباً لدى الأوروبيين المحرومين من موردهم الروسي. وهذا ما يفسر تهافت رؤساء الدبلوماسية الأمريكية والإيطالية والفرنسية والروسية إلى الجزائر العاصمة في الربيع.

إن ماكرون يحتاج أيضًا إلى مساعدة الجزائر في منطقة الساحل، حيث غادر آخر جنود القوة العسكرية الفرنسية “برخان” مالي في 15 أغسطس. لن تتمكن بعد الآن من التدخل مباشرة على الأراضي المالية بعد طردها من قبل الكولونيلات الذين استولوا على السلطة في باماكو صيف عام 2020.

فمنذ سنوات، كانت أجهزة الأمن الجزائرية تراقب شمال مالي بعناية شديدة، وتقدر الآن باريس تجربتهم في مكافحة الإرهاب. كما أن الجزائر هي أيضًا الراعي لاتفاقيات السلام الموقعة في عام 2015، ولكنها لم تطبق أبدًا، بين باماكو والجماعات المسلحة في شمال البلاد. وبالتالي فإن هذه الزيارة الرسمية الثانية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ترمز إلى عودته إلى الواقعية السياسة.

الرئيس الفرنسي الأول بعد الاستقلال كان يحلم منذ فترة بتقارب تاريخي بين البلدين بفضل عمل مشترك لمصالحة الذاكرة تتخلله خطوات رمزية بشأن الحرب الجزائرية. في يناير عام 2021 تلقى ماكرون من يد المؤرخ بنجامين ستورا تقريرًا عن “الاستعمار والحرب في الجزائر” مصحوبًا بسلسلة من التوصيات الهادفة إلى ”مصالحة الذاكرة”. لكن المبادرة انجرفت على منحدرات الدبلوماسية والسياسة.

إنه لطالما كان لإيمانويل ماكرون علاقة فريدة مع الجزائر، والتي قد تبدو مفاجئة لرجل ولد بعد خمسة عشر عامًا من نهاية الحرب الجزائرية، لكن يمكن تفسيرها من خلال ارتباط الرئيس الفرنسي بالتاريخ والرموز. فحتى قبل دخوله قصر الإليزيه في عام 2017، أحدث مفاجأة من خلال استحضار “الجريمة ضد الإنسانية” التي مثلها الاستعمار الفرنسي، مما أثار الكثير من الآمال في الجزائر، قبل أن تتغير الأمور ويقوم، لاحقاً، بعد سنوات من انتخابه، بمهاجمة “النظام السياسي العسكري الجزائري”، ويذهب إلى أبعد من ذلك، حيث شكك في وجود أمة جزائرية قبل وصول المستعمرين الفرنسيين.

وانتهى به الأمر إلى إثارة غضب الجميع، في فرنسا كما في الجزائر. ذلك لأن طعم التصريحات الاستفزازية العزيزة على الرئيس الفرنسي، لا يكاد يتماشى مع مثل هذا الملف الحساس والمتفجر.

اليوم، في حين أن النظام الاستبدادي في الجزائر قد خنق، بمساعدة الوباء، الحراك وأحلام الشعب الجزائري بالديمقراطية، لا يملك إيمانويل ماكرون مجالًا للمناورة. وليس من المؤكد أن اهتمامه بعرض البريك دانس في شوارع وهران سيكون كافياً لجعل الشباب الجزائري ينسى تمارينه البهلوانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى