لوموند: الولايات المتحدة.. حين تكفّ عن إلهام الآخرين تبدأ بخسارة جزء من ذاتها

لوموند 20-1-2026، جيل باريسْ: الولايات المتحدة.. حين تكفّ عن إلهام الآخرين تبدأ بخسارة جزء من ذاتها
إن الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حوّلت الولايات المتحدة إلى قوة تُخيف العالم بدل أن تقوده، ولم يعد أمام الدول الأخرى سوى التكيّف مع هذا الواقع. ومع ذلك، فإن ثمانية عقود من النظام الدولي الذي ساهمت واشنطن في بنائه خلقت عادات وممارسات لن تختفي بسهولة، بل ستُستخدم لمواجهة هذا التوجّه الإمبريالي الجديد.
في منتدى دافوس بسويسرا، حضرت شخصيات بارزة من إدارة ترامب للترويج لسياسة تقوم على منطق القوة وحده. وفي المكان الذي كان يُنظر إليه سابقًا كرمز للتعاون الاقتصادي والسلام بين الدول، بات الحاضرون يستحضرون مقولة المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس:“القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يتحمّل ما يُفرض عليه”. هذه العبارة تلخص رؤية ترامب للعلاقات الدولية، وهي اليوم أكثر وضوحًا بعد عام على عودته إلى البيت الأبيض، مع ثلاث سنوات صعبة ما تزال قادمة.
هذه السياسة لا تطبق فقط تجاه الخارج، بل داخل الولايات المتحدة نفسها. فالحكم لم يعد يعتمد على الإقناع، بل على الخوف والضغط. كما يجري إضعاف المؤسسات التي أنشأها الآباء المؤسسون لحماية الديمقراطية، بالتوازي مع الاستهانة بالقانون الدولي. فلم يتخيل مؤسسو الولايات المتحدة أن تقوم مؤسسات الدولة بتقويض نفسها بنفسها. ومع ذلك، فإن الكونغرس، وخصوصًا أعضاؤه من الجمهوريين، تخلّى عن صلاحياته الدستورية أمام الرئيس، خوفًا من استخدام القوة السياسية ضدهم.
أما المحكمة العليا، فقد تُختبر قريبًا في قضية الرسوم الجمركية التي يستخدمها ترامب كسلاح سياسي، رغم أن القانون الذي يستند إليه لا يمنحه هذا الحق صراحة. وقد علق الرئيس الأمريكي في مكتبه صورة الرئيس أندرو جاكسون، الذي تجاهل في القرن التاسع عشر قرارًا قضائيًا يمنع ترحيل السكان الأصليين بالقوة. والسؤال المطروح اليوم: هل يمكن أن يتكرر هذا السيناريو؟.
تمجيد ترامب رؤساء توسعيين مثل جيمس بولك تفسّر رغبته في ضمّ غرينلاند، حتى لو أدى ذلك إلى تفجير الحلف الأطلسي. فسياساته تقوم على فكرة أن العالم لعبة صفرية: إذا ربح طرف، فلا بد أن يخسر آخر. ويعبّر أحد منظّري إدارته، ستيفن ميلر، عن ذلك بوضوح حين يقول: “العالم الحقيقي تحكمه القوة والنفوذ”.
هناك تناقضًا واضحًا في حديث إدارة ترامب عن “القوة الناعمة” الأمريكية، بينما هي في الواقع دمّرت كل أدواتها: المساعدات الإنسانية، دعم الإعلام الحر، ونشر القيم الديمقراطية. هذه القوة الناعمة كانت سببًا رئيسيًا في نفوذ الولايات المتحدة، لكنها اختفت بسبب نزعة قومية ضيقة.
فترامب يفضّل أن تكون بلاده مخيفة بدل أن تكون محترمة. هذا يمنحه مكاسب سريعة، لأنه يفاجئ الحلفاء قبل الخصوم، لكنه في المقابل يطلق مسارًا يؤدي إلى تفكيك النفوذ الأمريكي الذي بُني خلال ثمانين عامًا. فحين تتوقف أمريكا عن إلهام الآخرين، فإنها تفقد جوهر قوتها.
هناك ربط بين ضرب المؤسسات الأمريكية داخليًا، وتقويض أسس النظام الدولي مثل السيادة ووحدة الأراضي. ويرجّح أن أي رئيس قادم، حتى لو كان ديمقراطيًا، لن يتمكن بسهولة من التراجع عن تضخّم السلطة التنفيذية. كما أن انتقال الولايات المتحدة إلى معسكر “الدول المراجِعة للنظام الدولي” قد يكون دائمًا.
إن ولاية ترامب الأولى لو كانت استثناءً، فإن الثانية جعلت من الولايات المتحدة خطرًا يُحسب له حساب. لذلك، سيضطر العالم إلى التكيّف، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر بناء بدائل. فالنظام الدولي، رغم ضعفه، راكم خبرات وآليات تعاون لن تختفي. والدول المتضررة من السياسة الأمريكية ستسعى إلى تقليل اعتمادها على واشنطن، وبناء تحالفات جديدة، وإنشاء مساحات تبادل اقتصادي مستقلة، مثل اتفاق الاتحاد الأوروبي مع دول ميركوسور.
التحول إلى دولة مارقة له ثمن، حتى لو تعلق الأمر بأقوى دولة عسكريًا في العالم؛ قائلاً إن “قوات أمريكية” – أي ما يقارب نصف حكومة دونالد ترامب – وصلت إلى دافوس في سويسرا، للترويج للإمبريالية الأمريكية الجديدة. ففي الأكواخ الفاخرة في دافوس التي كانت تُعد ولفترة أسبوع واحد في العام، معبد “التجارة الناعمة” التي كان يُفترض، بحسب مونتسكيو، أن تُهدّئ العلاقات بين الأمم وتضمن سلامًا دائمًا على الطريقة “الكانطية”، تم دعوة الجميع إلى إعادة قراءة ثوقيديدس على عجل، ولا سيما مقولته الشهيرة: “القوي يفعل ما يستطيع، والضعيف يتحمّل ما يجب عليه”.
هذه القاعدة كانت دائمًا في صميم رؤية دونالد ترامب للسياسة، وهي اليوم أكثر من أي وقت مضى بوصلته، بعد عام على عودته إلى البيت الأبيض. أما السنوات الثلاث المتبقية فستكون طويلة. ولن يواسي هذا الواقع بالتأكيد أولئك الذين صنّفهم الرئيس الأمريكي في معسكر الضعف، وأغرقهم بالاحتقار والسخرية، في الوقت الذي يلاطف فيه من يعتبرهم أقوياء. لكن الأمر لا يختلف داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث إن الحكومة هناك استبدلت، عبر الخوف، السعي الصبور إلى نيل الرضى الشعبي. والطعن في مبدأ توازن السلطات الذي وضعه الآباء المؤسسون لحماية الجمهورية يسير جنبًا إلى جنب مع انتهاك القانون الدولي.
ولم يتوقع الذين انتزعوا استقلال الولايات المتحدة بعد نضال مرير أن تُقدم هذه السلطات نفسها على تشويه ذاتها. فقد استسلم النواب الجمهوريون في كونغرسٍ تسبق صلاحياته صلاحيات الرئيس، بحسب دستور 1787، للقوة، تفاديًا لأن تمارَس ضدهم، من دون أي ضمانة للنتائج.
ومن المنتظر قريبًا اختبار ما إذا كانت المحكمة العليا ما زالت تحتفظ بعمود فقري، وذلك في ما يتعلّق بالرسوم الجمركية التي حوّلها دونالد ترامب إلى ما يشبه صاروخًا دبلوماسيًا موجّهًا، مستندًا إلى قانون خاص لا ينصّ على ذلك صراحة. فعند وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017، علّق ترامب في مكتبه صورة للرئيس أندرو جاكسون (1829-1837)، الذي رفض تنفيذ قرار للمحكمة العليا كان يعارض ترحيل آلاف من السكان الأصليين بالقوة. فماذا سيفعل خليفته البعيد إذا واجه قرارًا مماثلًا؟.
إن عودة صورة رئيس آخر منسي إلى جدران المكتب البيضاوي، هو جيمس بولك (1845-1849)، الذي أشرف على أكبر توسّع إقليمي في تاريخ الولايات المتحدة، تفسر الرغبة في ضمّ غرينلاند، ولو على حساب أزمة غير مسبوقة في التحالف الأطلسي، وربما نهايته.
فالقوة التي “ سَكر” بها دونالد ترامب منذ خطف نيكولاس مادورو من كراكاس في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري، تندرج ضمن رؤية لعلاقات دولية تقوم على لعبة محصّلتها صفر، حيث فوز طرف يعني خسارة طرف آخر، يُطلب منه أن يصمت.. “نحن نعيش في العالم الحقيقي، عالم تحكمه القوة والقدرة والنفوذ”، هكذا يلخّص ستيفن ميلر، نائب رئيس ديوان البيت الأبيض وأحد أبرز منظّري الإدارة الأمريكية.
وهنا يكمن التناقض في الإشارة المتكررة إلى “القوة الناعمة” الأمريكية في استراتيجية الأمن القومي الصادرة يوم الخامس من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي. إلا فقد كانت هذه القوة موجودة عندما كانت الولايات المتحدة توفّر الأدوية للدول الفقيرة والمعلومات لمواطني الأنظمة الدكتاتورية. وتتحدث عنها إدارة ترامب اليوم بكثرة بقدر ما ألغتها عمليًا، تحت وطأة قومية ضيقة الأفق.
أما “العالم الحقيقي” الذي يتذرع به ستيفن ميلر فليس عالم جيمس بولك، ولا عالم التوسّعيين الآخرين الذين يمدحهم ترامب، مثل ويليام ماكينلي أو تيودور روزفلت، صاحب دبلوماسية “العصا الغليظة”، التي يستنسخها الرئيس الحالي ليبرّر ادعاءه فرض النظام في القارة الأمريكية.
دونالد ترامب، باختياره أن يكون مخيفًا بدلًا من أن يكون محترمًا، يحقق نصرًا على المدى القصير، لأن اللجوء المفاجئ إلى القوة يفاجئ الجميع، ولا سيما من كانوا يعتقدون أنفسهم حلفاء ثابتين للولايات المتحدة. لكنه في الوقت نفسه يطلق آلية هدفها تجريد واشنطن من أجزاء واسعة من قوة فريدة راكمتها خلال ثمانية عقود. فالولايات المتحدة، حين تكفّ عن إلهام الآخرين، تستعدّ لخسارة جزء من ذاتها.
لا بد من العودة إلى الترابط بين الهجوم على مؤسسات الولايات المتحدة والهجوم على مبادئ نظام دولي تحكمه – بقدر ما – قواعد أساسية مثل وحدة الأراضي، والسيادة، وحق تقرير المصير. ومن المرجّح أن من سيخلف دونالد ترامب، حتى لو كان من الحزب الديمقراطي، لن يتراجع عن تعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين الأخريين. كما أنّ انتقال الولايات المتحدة إلى معسكر “القوى المراجِعة” سيكون من الصعب عكسه.
كان من الممكن أن تكون ولاية ترامب الأولى مجرّد حالة شاذة. أما ترامب الولاية الثانية فقد جعل من الولايات المتحدة تهديدًا وخطرًا، وبات الرأي العام العالمي ينظر إليهما على هذا الأساس. وليس أمام العالم الحقيقي – لا ذلك المتخيّل لدى ستيفن ميلر – سوى التكيّف. وسيستغرق ذلك وقتًا وتضحيات، لكن تدمير واشنطن لأدوات التعددية والمؤسسات الدولية لا يعمل كحمّام من الحمض يذيب كل شيء.
على مدى ثمانية عقود من نظام عالمي غير كامل ومليء بالثغرات، تشكّلت ردود فعل، وتراكمت ممارسات مشتركة، سيجري استثمارها من قبل المتضررين من هذه الإمبريالية، وهم كُثر. و الهدف واضح، ويتمثل في تقليص الارتهان للقوة الأميركية المقلقة، وتكثيف التحالفات الاستراتيجية البديلة، وبناء فضاءات تبادل محمية، كتلك التي يتيحها الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي ودول “ميركوسور”.. فالتحول إلى دولة مارقة له ثمن، حتى عندما تكون القوة العسكرية الأولى في العالم.



