لميس أندوني يكتب - هذه الحرب مع إيران - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

لميس أندوني يكتب – هذه الحرب مع إيران

0 75

لميس أندوني – 6/12/2020

على الرغم من التصعيد الإسرائيلي – الأميركي ضد إيران، فإن هناك مؤشرات إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لن يشن ضربة عسكرية ضد طهران قد تشعل حربا إقليمية، بل ستكون الخطوات محسوبة، وأهمها تشديد العقوبات، بغرض منع الرئيس المنتخب، جو بايدن، من العودة إلى الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية. وقد يكتفي ترامب، في أسابيعه المتبقية، كما إسرائيل، بنجاح عملية اغتيال العالم الإيراني الأبرز، محسن فخري زادة، إذ بعثت الأخيرة رسالة إلى طهران أن جهاز مخابراتها الخارجية (الموساد) نجح في إحداث اختراق أمني مذهل، في قلب البرنامج النووي الإيراني، وأنها (إسرائيل) عادت إلى سياسة اغتيال العلماء الإيرانيين التي كانت قد ارتكبتها بين عامي 2010 و2012 ، إلى أن مارس الرئيس الأميركي في حينه، باراك أوباما، ضغوطا على تل أبيب لوقفها.

المؤشر الأول والأهم إعلان المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإيرانية، إليوت أبرامز، عن تشديد العقوبات على طهران وتوسيعها، بهدف إضعاف الموقف الإيراني فور بدء المفاوضات لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الموقع مع إيران عام 2015، والذي انسحب منه ترامب عام 2018. وستدفع هذه العقوبات المشدّدة طهران إلى أخذ موقف متشدد خلال المفاوضات، بحيث يصبح من الصعب على الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، قبول شروط طهران.

نجح كل من ترامب وإسرائيل في تأسيس معطياتٍ تكبل خيارات الإدارة المقبلة، أو تؤثر عليها بشكل كبير“.

سبق ذلك تقرير نشره موقع ديلي بيست الأميركي، نقل عن مسؤولين في إدارة ترامب، إن الأخير أعطى ضوءا أخضر لوزير خارجيته، مايك بومبيو، بالتصعيد، واتخاذ الخطوات اللازمة ضد إيران، ولكن من دون “أن يتسبب باندلاع حرب عالمية ثالثة”، في إشارة إلى أنه قد يكون استمع إلى نصائح عديدة، حذّرته من إطلاق شرارة حرب إقليمية تؤدّي إلى تصادم دولي. .. سنرى تحرّكات عسكرية مستفزّة في المنطقة، والأرجح عمليات محدودة ومحددة، مثل الانفجارات والحرائق في إيران الصيف الماضي، والتي يعتقد خبراء مقرّبون من إسرائيل، مثل ستيفن هندرسون، أنها كانت من صنع “الموساد” أو من عملاء له داخل إيران، أو إغلاق السفارة الأميركية في بغداد، للضغط على الحكومة العراقية القريبة أصلا من واشنطن لضرب الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران.

لم تتبن إسرائيل رسميا اغتيال فخري زادة، لكن مسؤولاً إسرائيلياً رفيع المستوى قال في تصريح لصحيفة نيويورك تايمز، وبكل فخر ووقاحة، إن على العالم أن يشكر إسرائيل على قتلها هذا الرجل. وفيما طلب المسؤول عدم ذكر اسمه، فإن اعتقادا يسود بأنه رئيس “الموساد” نفسه، يوسي كوهين، إذ وصفته الصحيفة بأنه مسؤول متابع لتحرّكات العالم الإيراني منذ سنوات طويلة. وقد جاء التصريح في تقرير مفصل عن عملية اقتحام “الموساد” مخزن معلومات المشروع النووي وسرقة ملفاته، بأسماء العملاء وتفاصيل تطوّره. والواضح أن مصدرا مسؤولا استخباراتيا إسرائيليا أراد أن يرسل رسالة تهديد ضمنية إلى طهران، أن إسرائيل استفادت من كنز المعلومات الذي سرقته، وتستطيع أن تصل إلى جميع العلماء والمسؤولين.

وفيما يراقب المحللون والصحافيون بوادر حرب إسرائيلية – أميركية ضد طهران، يجب عدم الاستخفاف بعمليه الاغتيال في 27 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، فقد نجح كل من ترامب وإسرائيل في تأسيس معطياتٍ تكبل خيارات الإدارة المقبلة، أو تؤثر عليها بشكل كبير، وذلك بإعطاء ضوء أخضر لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشن حرب استخباراتية تشمل عمليات تخريب داخل إيران، لإرباك قرارها السياسي.

أولويات بايدن هي العودة الى موقف الولايات المتحدة وموقعها ما قبل ترامب، ونحن العرب لم نجعل أنفسنا أولوية، وننحدر في أهميتنا أمام أنفسنا والآخرين“.

هل يستطيع جو بايدن الضغط على إسرائيل لوقف مثل هذ العمليات؟ إنه يؤكّد، في مقابلاته الصحافية، عزمه إعادة أميركا إلى الاتفاق النووي مع إيران، غير أنه سيواجه، في الصحافة الأميركية والكونغرس وبعض مراكز الأبحاث، أصواتا تحثّه على البناء على ما أنتجته تضييقات ترامب على إيران للتشدّد، ووضع شروط مشدّدة للعودة إلى الاتفاق النووي، وهذا ما يريده كل من ترامب وإسرائيل التي لا تؤيد هذا الاتفاق منذ توقيعه. وإذا كان بايدن، كما أوباما قبله، على قناعة بأنه الوسيلة الأنجح في فرض رقابة دولية تمنع إيران من تطوير الجانب العسكري من برنامجها، فإن إسرائيل لا تثق بهذه الإجراءات، وتعارض، من حيث المبدأ، امتلاك أي طرف غيرها في المنطقة برنامجا نوويا، سلميا أو حربيا، لأنها لا تريد أي قوة ردع تتحدّى تفوقها العسكري والعلمي في الشرق الأوسط. وقد قال بايدن، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، أخيرا، إن تفعيل عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي أولوية قصوى، إذ إنه يخشى دخول المنطقة، ومنها تركيا والسعودية، في سباق نووي يهدّد الاستقرار، ويفضّل أن يكون موقف الولايات المتحدة من إيران والصين أكثر انسجاما مع مواقف الدول الغربية، قبل أن يصل ترامب في انتخابات 2016 إلى البيت الأبيض. وفي مقالة له ألحقها بالمقابلة التي أجراها مع بايدن، دعاه توماس فريدمان إلى ضرورة البناء على منجزات ترامب بتشديد العقوبات والانسحاب من الاتفاق النووي، وفريدمان من أشد المؤيدين لإسرائيل، ولم تتعلق معارضته ترامب بجوهر السياسات، بل بأسلوب فرضها، ما هدد بعزل موقف أميركا وإضعافه دوليا. وسيواجه بايدن دعوات مشابهة لما طالبه به الصحافي الأميركي المعروف، فضلا عن البناء على اتفاقيات التطبيع الإسرائيلية مع الإمارات والبحرين، والاعتراف بالأمر الواقع الذي أحدثه لها الاستيطان على أرض فلسطين، والاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل، وضم الجولان، وهذه معطيات تُدَعّم إسرائيل والسياسة الأميركية، ولكن مع العودة إلى دبلوماسية حضارية الشكل، بغض النظر عن مضمونها.

عملياً، شن ترامب حرباً على إيران منذ اليوم الأول، وبدعم من عمليات “الموساد”، إضافة إلى العقوبات المشدّدة“.

وهذا التحليل المؤيد لإسرائيل من داعميها دقيق؛ فهناك مصلحةٌ في عرقلة عودة الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق النووي، أو على الأقل بوضع شروط لا تستطيع طهران قبولها، والأهم أن بايدن قد لا يتمكّن من رفع العقوبات التي فرضها على إيران فور تسلّمه الرئاسة، وإذ قد يقابَل بمعارضة من الكتّاب من مؤيدي إسرائيل ومن أعضاء في الكونغرس.

عملياً، شن ترامب حرباً على إيران منذ اليوم الأول، وبدعم من عمليات “الموساد” داخل إيران، إضافة إلى العقوبات المشدّدة، والأهم أنه وضع أسسا لتحالف أمني عربي – إسرائيلي علني ضدها، وهو أهم إنجاز له في حربٍ لم يردها عسكريةً واسعة، وهو الذي اختلف وبشدة مع مستشاره السابق للأمن القومي، جون بولتون، الذي كان يلحّ على شن حرب عسكرية ضد طهران. ومن منظور إسرائيل ومؤيديها، سمح ترامب بعملية كبيرة، يصفها الخبراء بالنوعية والغاية في التعقيد، لتصفية شخصية رأس المشروع النووي الإيراني، خصوصا أنها جاءت في الأسابيع الانتقالية بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، وتجعل إيران تتردّد في القيام بعمل انتقامي بحجم الحدث، في انتظار تنصيب بايدن والمفاوضات بشأن التزام الولايات المتحدة بالاتفاق النووي. والمرجح أن تستأنف إسرائيل التفجيرات والاغتيالات في إيران، فهي ليست مستعدة لأن تتخلّى عن مكتسباتٍ حققها لها ترامب، والتحدي هنا هو في خطر أن يصبح العالم العربي كله أكثر هامشية وتمزّقاً. وفيما أولويات بايدن هي العودة الى موقف الولايات المتحدة وموقعها ما قبل ترامب، فنحن العرب لم نجعل أنفسنا أولوية، وننحدر في أهميتنا أمام أنفسنا والآخرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.