أقلام وأراء

لميس أندوني – ضياء حمارشة في مواجهة تطبيع بن غوريون

لميس أندوني ٣-٤-٢٠٢٢م

“لو كنت زعيماً عربياً لن أوقع أي اتفاقية معنا، وهذا أمر طبيعي؛ فهي بلادهم”. ديفيد بن غوريون، النقب، 1939.

إحدى مفارقات اجتماع محاولة تطبيع الرواية الصهيونية قرب ضريح ديفيد بن غوريون في النقب الفلسطيني أنّ مؤسس الكيان الصهيوني، بن غوريون، في أكثر من حديث له، كان يعترف بدوره مُستعِمراً بحق الشعب الفلسطيني التاريخي في فلسطين، فيما بدا مسؤولون عرب متذللين لقيادات إسرائيل، ومتلهفين لتبني رواية إلغاء التاريخ والسردية الفلسطينيين.

كان أول رئيس وزراء لإسرائيل يعترف أيضاً بأنّ أيّ فعل عنفي من الفلسطينيين إنّما يعكس حركة وفلسفة ترفضان سرقة بلادهم. لكنه لم يكن يتحدّث عن هؤلاء المسؤولين، وإنما عن القادة، أمثال ضياء حمارشة وباسل الأعرج وزكريا الزبيدي ومحمود العارضة، وأجيال مستمرّة من المناضلين الفلسطينيين والعرب، لأنها (فلسطين) بلادهم.

ما حدث، في ما سميت “قمّة” وصلت إلى القاع في سقوطها الأخلاقي خطيرٌ وخطيرٌ جداً، فزعماء دولة الاحتلال ماضون في جهودهم في محاولة إحلال الرواية الصهيونية بديلاً عن تاريخ فلسطين وأرضها وشعبها. واختيار كيبوتس سديه بوكر، المبني على الأرض الفلسطينية في النقب، بالقرب من ضريح بن غوريون، لانعقاد الاجتماع، أريدَ منه اعترافاً عربياً بأنّ الأرض ليست للفلسطينيين. لذا؛ كان تَبَسُم المسؤولين العرب، خصوصاً في صورة التعاضد بالأذرع مع الإسرائيليين، يتوسّطهم وزير الخارجية الأميركي، توني بلينكن، بمثابة سجودٍ لكيان عنصري كولونيالي، وكأنّ النكبة لم تكن.

جاء الردّ قوياً، ومباشراً، في عملية فاجأت إسرائيل، قادها الشاب ضياء حمارشة، وهي استمرار لعمليات مستمرّة منذ أشهر وامتداد لهبّة أيار 2021، وتبعها فوراً تصدّي الشباب لجيش الاحتلال في جنين، وظهور قادة شهداء جدد، والمقاومة مستمرّة، فهذه انتفاضة ممتدّة على موجات “عنفية ولا عنفية”، بكل أشكالها؛ فأصحاب الأرض، ومن يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، لا يمكن تطويعهم لحساباتٍ أميركيةٍ أو صهيونيةٍ أو إقليمية، أو لمسؤولي دولٍ لا يميزون بين الأمن القومي (والوطني) لشعوبهم وترّهات المسرحيات الأميركية – الإسرائيلية، وتنفيذ خطة إقامة “الشرق الأوسط الجديد”، على حساب الشعوب والأوطان.

جاءت “قمة النقب”، لترسي لبنةً جديدةً في مشروع إنشاء حلف أمني سياسي إقليمي، ليس لمواجهة إيران فحسب، وتثبيت فكرة أنّ إيران، وليست إسرائيل، هي الخطر الاستراتيجي على العالم العربي، وإنّما يهدف كذلك إلى تأسيس نواة نظام إقليمي جديد، يكون عماده “الاتفاقيات الإبراهيمية” فتصبح اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل مرفقة بالتسليم “بالحق الصهيوني في فلسطين” فاتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة لم تكن كافية لتصفية القضية الفلسطينية، فصار المطلوب الآن إنكاراً رسمياً عربياً لحقوق الشعب الفلسطيني، التاريخية والوطنية والقانونية على أرض فلسطين التاريخية.

ما حدث في النقب من ذلّ وهوان للنظام العربي الرسمي المهترئ كان رسالة إلى الشعوب والأنظمة العربية، بأن لا مكان لبيانات عربية تدين الاحتلال الإسرائيلي و/ أو تؤيد الشعب الفلسطيني، فواشنطن دخلت، وأدخلت المنطقة مرحلة جديدة، لدمج إسرائيل في المنطقة وتتويجها زعيمة لها، فيما يتحجّج بلينكن بأنّ الخلافات بين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي “واسعة وعميقة وتحتاج فترة لتضييق الهوة بينهما” أي لا معنى لاستئناف “عملية سلام” ولو صورية، وإنّما هي مرحلة إرساء أسس جديدة للعلاقات العربية – الإسرائيلية والعربية – العربية لإزالة “النزاع العربي – الإسرائيلي” من “أجندة العالم”، في توطئةٍ لإلغاء القضية الفلسطينية.

لذا، لم يكن مستغرباً ألّا يبعث الأردن وزير خارجيته إلى النقب، ففي مشاركته قبول للحقّ الصهيوني في فلسطين، وكلّ اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل مبنيةٌ على اعتقاد (وهم) أن أميركا ستدفع عملية مفاوضات للتوصل إلى تسويةٍ نهائيةٍ على أساس قيام دولةٍ فلسطينيةٍ بجانب الدولة الصهيونية على أرض فلسطين، شرط أن يقبل الفلسطينيون الحلّ الذي قد تنتهي إليه المحادثات، لكن بداية عهد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، فتحت باباً جديداً قفز عن كلّ المراحل التي كانت الإدارات الأميركية تستعملها في تخدير الأنظمة العربية.

رأى ترامب أنّ العرب مهزومون، ولا بديل لهم عن الاستسلام، واستمرّ المنطق نفسه مع إدارة الرئيس بايدن التي وجدت في الاتفاقيات “الإبراهيمية” التي دشّنتها الإمارات مدخلاً للضغط على الفلسطينيين بشروطٍ جديدةٍ قديمة لضمان “التهدئة”؛ أي ضبط الشعب الفلسطيني لمنع انتفاضة شعبية شاملة، فيما تُرتب أميركا وضعاً إقليمياً جديداً، يُخرِج القضية الفلسطينية من معادلة العلاقات السياسية والاستراتيجية، ويقتلعها من وجدان الشعب العربي ووعيه الجمعي. وجاءت الحرب في أوكرانيا لتعطي إسرائيل، آنياً، الفرصة للاستشراس ضد الشعب الفلسطيني لقمعه وقمع طموحاته.

وجد الأردن والسلطة الفلسطينية نفسيهما، خلال اجتماع النقب وبعده، وحدهما، بمواجهة خطر تداعيات أسس العلاقات الجديدة في المنطقة، فعلى الرغم من “وادي عربة” و”أوسلو”، لا يمكن لعمّان الدخول في تطبيعٍ يلغي الرواية التاريخية الفلسطينية، فإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الضفة الغربية والقدس ضروريٌّ للأمن القومي الأردني، ولا يمكن للملك عبد الله الثاني قبول القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ففي هذا تقويضٌ لشرعية الهاشميين، خصوصاً أنّ الشعب الأردني، من شرق أردنيين ولاجئين فلسطينيين، لن يقبل بفرض حلّ ينهي حق عودة الفلسطينيين، وفي ظلّ مخاوف متزايدة من خطر وطن بديل تفرضه إسرائيل في الأردن، ومخاوف الأردنيين من شبح الوطن البديل حقيقية، على الأقل إذا جرت عمليات تهجير للفلسطينيين إلى الأردن، أكان الغرض إقامة وطن بديل للفلسطينيين أو لم يكن. ولن تستطيع الدولة الأردنية تحمّل تبعات غضب أردني، من شرق الأردنيين واللاجئين الفلسطينيين الذين أصبحوا مواطنين أردنيين، فموقف الأردن أكثر حساسية.

ما تطرحه واشنطن يهدّد النظام والكيان الأردنيين، لذلك كان تحرّك الملك سريعاً للوصول إلى تفاهم مشترك مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، للتشديد على المطالبة بـ”حلّ الدولتين” ليس مجرّد خوف من تداعيات الدولة الواحدة بديلاً استراتيجياً للشعب الفلسطيني، بل لأنّ الخطر الآني يكمن في تصعيد الاستيطان وعمليات التهويد، وانفجارٍ يبدو وشيكاً مع كلّ فعل فلسطيني مقاوم. وكان حديث الملك عبد الله الثاني عن “التهدئة الشاملة” رسالةً إلى واشنطن بأن هذه التهدئة التي هي في الفهم الأميركي تعني منع انتفاضة فلسطينية “لا يمكن تحقيقها من دون فتح أفق سياسي يقبله الفلسطينيون”. ولذا توالت زيارات المسؤولين الإسرائيليين إلى الأردن لطمأنته بأنّ أفقاً سياسياً ما زال هناك، خصوصاً أنّ الثقة الأردنية شبه معدومة بأركان الحكومة الإسرائيلية. لكنّ الارتكان الى طمأنة واهية لن يفتح آفاقاً مغلقة، فما دامت موازين القوة في صالح الدولة المُستَعمِرة فلا بديل للفعل المقاوم، وهذا ما فهمه ضياء حمارشة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى