لميس أندوني تكتب - عن يساريين سابقين ومتصهينين جدد - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

لميس أندوني تكتب – عن يساريين سابقين ومتصهينين جدد

0 69

لميس أندوني *- 27/9/2020

الظاهرة ليست جديدة لكنها أصبحت مستفحلة، في بلاد عربية كثيرة، تحوّل مثقفين يساريين وأعضاء في أحزاب شيوعية إلى مروجين للسياسة الأميركية، وأحياناً للاحتلال الإسرائيلي فلسطين. تستهتر هذه الظاهرة بنضالات اليسار والأحزاب الشيوعية، بل وتستنكر ماضيها، كأن من سقط من هؤلاء رأى نور المعرفة والحداثة، بعد سنوات أو عقود من الظلمة، فتفتحت العيون على الإشعاع القادم من واشنطن، وخفتت أحاسيس الضمير، فلم يكن هناك غزو أميركي للعراق ولا يوجد احتلال صهيوني في فلسطين. هي فئات وأصوات تشجعها وتتلقفها منابر إعلامية أهمها قناة الحرة الأميركية، ومؤسسات يمينية، مثل معهد واشنطن لسياسات واشنطن، ومنظمات تقوم على دعم رسمي أميركي، تنظم شبابا وشاباتٍ يتوقون إلى التطور المهني والوظيفي، والغرض تشويه وعي جيل، بل وأجيال.

لن أسمح لنفسي باتهام كل من يعمل في المنظمات الممولة من جهات أجنبية بالعمالة، فالمسألة أكثر تعقيدا، ففي غياب فرص العمل والدراسة والتدريب، وفي أجواء القمع والترهيب، لا تجد فئاتٍ واسعةً من الشباب والشابات غير المنظمات غير الحكومة الممولة من الخارج، لتحقيق جزء من أحلامهم. ولكن مؤسساتٍ كثيرة تساهم في كي الوعي الوطني والتحرّري، ما أضعف الأحزاب الوطنية وعالم الجماهير التحرّري المنظم، وساهم في الفصل بين القضايا الحقوقية الاجتماعية، من حقوق المرأة والطفل، والقضايا التحرّرية، وذلك ليس مصادفةً بل مقصود، لكن هذا ليس موضوع المقال، لكننا نرى شيوعيين ويساريين سابقين يلتحقون بأكثر المنظمات تغييبا للوعي الوطني، ويبرزون منظّرين للخضوع للاستعمار. وهم يسوّغون استسلامهم برفض الخضوع للاستبداد أو هروبا منه. ومن يهرب من استبداد الحكام قد يقبل بأي جهة تحتويه أو تحميه، أو تدّعي حمايته ولو كذبا، غير أن الأمر في حالة مثقفين يساريين سابقا يمثل قراراً واعياً، مبنياً على حسبة مصالح سياسية، ومهنية، وقد تكون مالية، فلا مكان هنا للمبادئ والالتزام بقضايا العدالة والتحرّر التي تصبح “موضة قديمة”.

نعيش في زمن أصبح مقبولا فيه أن لا تعتبر إسرائيل عدوا، بل ويتم الترحيب بها

برز تخلي يساريين وقوميين عرب عن القضايا التحرّرية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وانهيار المنظومة الشرقية. الأمر الذي يبرّره بعضهم بأنه صدمة انهيار الحلم والفكرة ببناء يوتيوبا مجتمع العدالة الشيوعي. وهناك من صدمتهم التجربة السوفياتية، وضاقوا بالديمقراطية المركزية التي حكمت الأحزاب الشيوعية واليسارية، فاتجهوا إلى تبنّي الليبرالية إلى حد تصديق ارتباط لبرلة الاقتصاد بالحريات والتقدّم، فاستفاق بعضهم على قسوة اللبرلة المنفلتة على المجتمعات، واستفاد بعضهم من العمل في مؤسساتها، متناسين مبادئ العدالة والتعاطف الإنساني.

وعشية الحرب على العراق عام 1991، ووضع البلد تحت حصار خانق، برزت ظاهرة المعارضة المدعومة أميركيا، والتي أصحبت المطية التي ركبتها الإدارة الأميركية لشرعنة غزو العراق تحت شعار إقامة الديمقراطية المخادع. وكشف الاحتلال الأميركي انهيار تيارات يسارية، ليس في العراق وحسب، وإن كان الأشد وضوحا هناك، على الرغم من نضالات الحزب الشيوعي العراقي وتضحياته، فشاهدنا انشقاقا في الحزب لتيار يدعم ما سمي “تحرير العراق”، وتنامى هذا التيار بوساطة تمويل غربي، خصوصا لمؤسساتٍ إعلامية، جذب كثيرين من أبناء العائلات الشيوعية والشباب اليساري. ولا عجب في ذلك، فإن أغلب الصحافيين العراقيين الأكثر ثقافة ومهنية جاؤوا من تلك المؤسسات، وكشف أغلبهم الارتباطات واللعبة، ولكن مثقفين من أسماء معروفة ومشهورة مستمرّون في ترويج السياسة الأميركية.

تغير موقف اليساريين، ومنهم من امتلك وعيه ثقافيا وسياسيا في التسعينيات، ناتج عن تغير الظرف، وانهيار نظم فكرية فتحت الباب واسعا على تغليب الانتهازية الشخصية والسياسية.

لا تقتصر الظاهرة على العراق، لكن ظرف العراق الإستثنائي، منذ الغزو الأميركي عام 2003، جعله مختبرا أميركيا لعملية كي الوعي، خصوصا أن أميركا كانت ولا تزال تعي دور العراق التاريخي في تشكيل الثقافة العربية، في أبعادها السياسية والفكرية والفنية، وقد أرادت أميركا أن تنتقم من دور بلاد ما بين الرافدين وتطويعها. وقد ضيّق هذا الوضع الخناق على المثقفين والعراقيين الكبار في ثرائهم المعرفي والفكري، خصوصا من لا ينصاع لجهة أو أخرى، فنراهم إما تحت التهديد أو خارج العراق، أو يتم تهميش أصواتهم وحضورهم داخل العراق. والمراد في هذه السطور التركيز على الدور الذي يلعبه يساريون سابقون، في العراق ودول عربية أخرى، في زرع الإحباط في نفوس الشباب والشابات في مستقبل متحرّر، إن كان في العراق أو في سورية أو الجزائر، للمثال وليس للحصر.

تكمن خطورة اليساريين السابقين المتصهينين في أنها ترتدي عباءة الحداثة والعلمانية، ولديها أدوات تحليل ومفردات تبدو موضوعية وعميقة، حتى وإن كانت توظّف لترويج ضرورة الخنوع للقوة المسيطرة، فلا مفر ولا بديل، وتركّز على ضرورة الانكفاء إلى الهوية القُطرية، وفصل تاريخ وحاضر كل من البلاد العربية عن محيطه، أي لا تختلف عن اليمين في نشر الانعزالية. نرى ذلك في بعض صفوف المعارضة السورية، من دون التعميم، ولدى يساريين سابقين في كل العالم العربي، يعتبرون مرحلة انخراطهم في اليسار مرحلة مراهقة انتهت، ليس من باب المراجعة والابتعاد عن قوالب تحليل أيديولوجية جامدة، بل تعبيرا عن الانضواء تحت أيديولوجية تفوق المستعمر وخدمته، وإن هدم هذا بلادا بأكملها. وفي زمن التطبيع المتهالك يبرز دور هؤلاء، وهو أخطر من دور أصوات تبرز هنا وهناك، تفتقر إلى أي ثقافة، تبايع إسرائيل ملكة عليهم، لأن هؤلاء يستعملون نهجا يقدّم التطبيع في سياق التفكير العقلاني وأهمية إنهاء الصراع للتركيز على تنمية بلادهم وتحرّرها من عبء التاريخ.

خطورة اليساريين السابقين المتصهينين في أنها ترتدي عباءة الحداثة والعلمانية، ولديها مفردات تبدو موضوعية

أكاد أجزم أنه لو استمر الاتحاد السوفياتي، بما في ذلك البعثات الدراسية المجانية، والعلاج المجاني الذي أعطى ملجأ وفرصا لليساريين، وغير اليساريين، وآلافا مؤلفة من الشباب والشابات العرب، لاختلف الوضع تماما، فمن ناحية، تبحث فئة الشباب دائما عن فرص، ولكن تغير موقف اليساريين، ومنهم من امتلك وعيه ثقافيا وسياسيا في التسعينيات، ناتج عن تغير الظرف، وانهيار نظم فكرية فتحت الباب واسعا على تغليب الانتهازية الشخصية والسياسية.

مناسبة تخصيص المقال عن هؤلاء أنني، بحكم عملي، على تماسّ مع تيارهم، وأشهد تأثيره على الشباب، من انسياق أحيانا، ورفض بوعي مثير للإعجاب في معظم الأحيان. لكننا نعيش في زمن أصبح مقبولا فيه أن لا تعتبر إسرائيل عدوا، بل ويتم الترحيب بها. وهذا النجاح، وإن كان وقتيا، خطير لثقافة إعلام موجّه، ويكون أكثر خطورة في التأثير، حين يتبرّع يساري سابق لتحشيد الشباب لخدمة فكرة أن إسرائيل صديق للشعوب والحرية.

.. يبقى رفاق يساريون في كل العالم العربي في مواقعهم ثابتين على مواقفهم المبدئية، سواء بقوا في أحزابهم أو تركوها بحثا عن مساحات أوسع للتجديد. ويأتي هؤلاء لسرقة ماضيهم وتاريخهم، بل والتطوّع لسرقة تاريخ أوطان وشعوب، فالمثقف المتصهين كان يسارياً سابقا، مهمته تبرير سرقة حلم الحرية من النفوس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.