أقلام وأراء

لميس أندوني: أميركا بين مواجهة إيران ودمج إسرائيل في المنطقة

لميس أندوني 03 يوليو 2022

تركّز السياسة الأميركية في المنطقة على عنوانين رئيسين؛ دمج إسرائيل في المنطقة، والآخر: تغيير خريطة المنطقة، وتشكيل تحالف أمني عسكري عربي – إسرائيلي بقيادة الولايات المتحدة لمواجهة إيران، ولكن غرضه الأهم جعل الأمن الإقليمي جزءاً من الأمن الاستراتيجي لإسرائيل.

لم تعد واشنطن تخفي هدفها الاستراتيجي، دمج إسرائيل في المنطقة، كما قال الرئيس الأميركي جو بايدن، إذ لم تعد تحسب حساباً لمعارضة، ولو لفظية، من الأنظمة العربية، فلم تر الرد الغاضب الذي كان يتوقعه خبراؤها بعد اعتراف الرئيس السابق دونالد ترامب بالقدس “الموحّدة عاصمة موحّدة لإسرائيل”، ولم تسمع هدير احتجاجات صاخبة تملأ سماء الشوارع العربية ضد الاتفاق الإبراهيمي، الذي جاوز كلّ الاتفاقيات العربية – الإسرائيلية إلى مستوى التحالف، وحتى قبول الرواية التاريخية الصهيونية بحقّ اليهود واقتلاع العربي الفلسطيني من بلاده. لذا، تسارع الإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها، فهي لن تواجه معارضة حقيقية أو اعتراضاً، فالطريق ممهّد لها، والأهم لإسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية ودمج الكيان الصهيوني في المنطقة.

لكن، ما هو معنى “الدمج العميق لإسرائيل في المنطقة” وفقاً لتعبير الرئيس بايدن؟ وما هي علاقته بإنشاء تحالف عسكري أمني إسرائيلي عربي، تقوده أميركا ومصالح إسرائيل؟ “الدمج العميق” يعني أن تصبح إسرائيل جزءاً أصيلاً، وليس دخيلاً على المنطقة، ويتطلب ذلك تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية إلى حد إلغاء القضية الفلسطينية من الوعي الجمعي العربي، وإلغاء مفهوم الأمن القومي العربي. وبالتالي، تشكيل حلفٍ قد يدمج كلّ جيوش المنطقة تحت قيادة إسرائيل التي لن تُعدَّ “عدواً” بل الدولة الرئيسة التي تقود المنطقة.

لم يختلف موقف أميركا، وهو ليس جديداً، فواشنطن تعتبر مفهوم العالم العربي خطراً أو معيقاً لإسرائيل ولأهدافها الاستراتيجية، فالهوية العربية هي هوية الشعب الفلسطيني، وبالتالي، تمثل الهوية العربية تهديداً للمشروع الصهيوني. أما إيران “فمشكلة مختلفة” لا تتعلق بامتداد للشعب الفلسطيني، وإنما العائق هو النظام نفسُه في طهران، وإن كان كونها مسلمةً يبقي قضية فلسطين حية، ولكن هويتها الفارسية لا تتحدّى الهوية الإسرائيلية نفسها. فهدف “احتواء إيران وتقليص قوتها ونفوذها” برز واستمرّ منذ سقوط نظام الشاه “شرطي المنطقة” وحليف إسرائيل الاستراتيجي، فالإدارات الأميركية المتعاقبة سعت إلى احتواء طهران، وأقصى هدفٍ قد تسعى إليه الإدارة الأميركية هو تغيير النظام الإيراني، وإنْ لم تعمل أي إدارةٍ على إسقاط النظام، على الرغم من تدخلاتها ودعمها معارضة إيرانية متفرّقة وغير فاعلة، وإنْ تسعى واشنطن إلى تعميق العلاقات بين إسرائيل وبعض أصوات المعارضة لطهران، لكن تصوير إيران عدوّا دائما، مستفيدة من بعض السياسات الإقليمية، مفيد ومهم في خدمة تشكيل حلف أمني عربي إسرائيلي يواجه “عدوّا مشتركا”، وهو مفهومٌ يجعل من الالتزام بالقضية الفلسطينية “عبئا” على الدول العربية وعائقاً أمام “حماية أنظمتها من إيران”.

حين يتحدث بايدن عن حماية إسرائيل قبل زيارته للمنطقة، فهو يسعى إلى تحقيق إنجازات تفصيلية لدمج إسرائيل في المنطقة وحمايتها، فقد وضعت واشنطن، من وجهة نظرها، وبتعاون عربي، أسسا لدمج التحالف الأمني العسكري وتشكيله، فهناك اتفاقيات أمنية قائمة بين دول عربية وإسرائيل، وجرى ربط جميع مشاريع اتفاقيات الغاز مع الأردن ومصر، ومشاريع الطاقة والمياه، واتفاقية تسليم مصر الجزيرتين المصريتين، صنافير وتيران، للسعودية، واتفاقيات أخرى، بشروط أمنية إسرائيلية، ولا سرّ في أن تأخر نقل الغاز المصري عبر الأردن إلى لبنان يخضع لفيتو إسرائيلي، فيما تطالب مراكز أبحاث أميركية صهيونية مؤثرة بفرض شروط على الحكومة اللبنانية لتقويض حزب الله، والتأكّد من عدم تخفيف الضغط على النظام السوري.

أما اللبنة الأساس فقد وضعها دونالد ترمب قبل مغادرته البيت الأبيض بأيام، حين أعلن نقل إسرائيل من عضوية القيادة الأميركية العسكرية في أوروبا إلى القيادة الأميركية في المنطقة الوسطى، أي منطقتنا، إضافة إلى إبرام معاهدة “دفاع عسكرية” أردنية – أميركية غير مسبوقة، تجعل من الأردن قاعدة لانطلاق ما تسمّيها واشنطن “عمليات نوعية ضد أهداف عدوة”.

وأخيراً، وليس آخراً، نشر الرادارات الإسرائيلية في كلّ من الإمارات والبحرين، فيما جرى توزيع اقتراح في الكونغرس الأميركي لدمج قوات السلاح الجوي العربية والإسرائيلية تحت قيادة أميركية، بهدف معلن، حماية إسرائيل، الذي يعتبره كاتبو مشروع القانون جزءاً من حماية الأمن القومي الأميركي.

وإذا كانت كلّ هذه الخطوات تقع أيضاً ضمن هدف مواجهة إيران، فإنّ دمج إسرائيل في المنطقة يبقى محور الاستراتيجية الأميركية التي لا تريد أي عائقٍ قد يهدّد إسرائيل، فمرفوض أن تكون هناك قوى إقليمية في المنطقة تملك السلاح النووي، لأنّ واشنطن تريد ضمان التفوّق الإسرائيلي العسكري الاستراتيجي في المنطقة، إضافة إلى أنّ تشكيل تحالف عربي إسرائيلي عسكري تحت قيادة واشنطن يعني تقويض نفوذ أي قوى أخرى، أكانت إيران أم روسيا أو الصين في المنطقة.

صحيحٌ أن مرحلة سيطرة القوة الأحادية على العالم لم تعد ممكنةً تماماً، لكن واشنطن معنيةٌ بعدم بروز أقطاب قوية تتفوّق على هيمنتها في أي منطقة.

لا تنظر السياسة الأميركية إلى نفوذ إيران بمعزل عن نفوذ روسيا والصين، خصوصا أنّ الحرب في أوكرانيا قد أثبتت أنّ دولاً تعتبرها أميركا حليفة ولا تعتبرها عدوّة، رفضت الضغوط لمقاطعة روسيا، فإضعاف طهران الذي تنشدُه واشنطن يضع حدّاً لقدرتها على دعم حركة حماس وحزب الله، وفي الوقت نفسه، يقلل من أهمية تعاونها مع روسيا أو الصين في المنطقة، خصوصاً أنّ العالم دخل مرحلة تعدد الأقطاب، وإن لم تزل أميركا القوة العظمى الأولى، وإن ضعُفت مكانتها.

وعليه، فإنّ العودة إلى اتفاقية البرنامج النووي مع إيران مهمة جداً لإدارة بايدن، فهي لا تريد حرباً مع إيران، واعتمدت ما سمّتها استراتيجية “تخفيف الخسائر واعتماد العمليات العسكرية النوعية” مثل التفجيرات والاغتيالات التي نفذتها إسرائيل على أرض إيران، لإضعاف القوة العسكرية وقدرات الحرب السيبرانية لدى طهران، فيما تحاول تقييد إيران بشروط الاتفاق القديم الذي كان ترامب قد تخلّى عنه خلال فترة رئاسته، ولذا وافقت على الاقتراح الأوروبي لإجراء المفاوضات مع طهران في الدوحة.

لم تخف طهران رغبتها في العودة إلى اتفاق البرنامج النووي، لكن بشروط أفضل، منها إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية التي تضعها واشنطن، لكن واشنطن تستهدف هذا التشكيل الإيراني وإضعافه، فالموضوع الأول الذي تناقشه وتحذر منه مراكز الأبحاث الأميركية، خصوصاً الصهيونية، وقف نشاط الحرس الثوري في الإقليم، وقد يكون هذا موضع المساومة في المحادثات الجارية في الدوحة.

أهداف واشنطن واضحة، وإيران تعرف ما تريد، لكنّ لدينا أنظمة عربية مشغولة بمصالح ضيقة للنخب الحاكمة، وتحاول استعمال نقاط قوتها، خصوصاً أنّ واشنطن بحاجة إلى زيادة إنتاج النفط لتخفيض أسعار مشتقاته في السوقين الأميركي والأوروبي، والتي ارتفعت نتيجة الحرب في أوكرانيا، والخوف، وهو المتوقع من الدول العربية أن تدخل منافسة على تجديد (بل وتعميق) دورها الوظيفي في التحالف الإسرائيلي – العربي تحت قيادة أميركا، وكأنّ ليس هناك شعوب أو أوطان واجبها الدفاع عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى