أقلام وأراء

كي ينتظم النقاش… وليس رداً على يحيى السنوار…

ماجد كيالي

ماجد كيالي 7-05-2022

أتى خطاب يحيى السنوار، قائد حركة “حماس” في قطاع غزة (30/4)، صاخباً، وعنيفاً، وغاضباً، لكنه بدا أيضاً غامضاً، وعاطفياً، ونتاجاً لتخيلات، وينطوي على مبالغات خطيرة، وهي ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها على هذا النحو. 

قبل أربعة أعوام، مثلاً، خلال لقائه مجموعة من الكتاب والصحافيين في قطاع غزة، قال السنوار حرفياً: “الحصار الإسرائيلي على القطاع سيكسر قريباً”، وأن حركته “ستقلب مرجل الجمر في وجهه (الاحتلال) وستدوي صفارات الإنذار في غوش دان (تل أبيب ومحيطها)، في حال فشلت جهود التهدئة وشن عدواناً جديداً على غزة”.

وهدّد السنوار بأنه في حال “دفعونا إلى الحرب، فقوتنا أصبحت عشرات أضعافها عام 2014، موجات من الصواريخ، وما ضرب طيلة أيام عدوان 2014، على (تل أبيب) سيضرب في 5 دقائق، وسيتكرّر هذا الأمر مرات ومرات وكلما لزم الأمر”. (“فلسطين اليوم”، 30/8/2018). وفي تصريح سابق أكد، أيضاً، أن حركته (“حماس”) “أحدثت حالة توازن كبيرة في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي” قائمة على “الردع والتكافؤ”، وأنها ماضية حتى استكمال “مشروع تحرير كل فلسطين”، معتبراً أن “الأرقام (يقصد الإحصاءات) ليست لها قيمة كبيرة… قضية فلسطين… تحظى بعناية ربانية”. (فلسطين اليوم، 22/3/2017).

المشكلة هنا أن السنوار يبدو مملوءاً بالروح الرغبوية، القدرية، الحماسية، وأنه يتحدث وكأن العمل الفلسطيني المسلح بدأ مع تجربته، أو مع تجربة حركة “حماس”، وليس منذ 57 عاماً، بل أنه لا يأخذ في الاعتبار كل ما تعرضت له غزة خلال الحروب المدمرة التي شنتها إسرائيل عليها (2008، 2012، 2014، 2021) من دون أن تستطيع حركة “حماس” تغيير واقع القطاع كمنطقة محاصرة، أو كسجن كبير، لمليوني فلسطيني، أو تغيير معادلات صراع الفلسطينيين مع إسرائيل، مع كل الاحترام والتقدير للتضحيات والبطولات والشعارات.

في خطابه السبت الماضي طرح السنوار مجموعة نقاط أهمها، أولاً، تلويحه بحرب إقليمية وأن “محور القدس لن يتردد في القيام بواجبه تجاه كل فصائل المقاومة”، وضمن ذلك “فتح الطريق البحري من غزة وإليها”، وهو كلام مكرر، منذ سنوات، مثل الكلام عن زلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل، وهو ينطوي على مبالغة كبيرة، لا سيما مع علمنا أن “محور القدس” ذاك، يضم إيران، المشغولة بمساومتها على برنامجها النووي مع الولايات المتحدة الأميركية، والأهم أنها مشغولة بتعزيز نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، وفوق هذا وذاك فهي لا ترد على اعتداءات إسرائيل عليها في سوريا ولبنان والعراق وحتى في إيران ذاتها!

الغريب من حركة “حماس”، أيضاً، إذا كانت تنطلق من كونها حركة وطنية، أن تتوسل الرجاء من نظام يقوم بإمعان القتل في شعب آخر، هو الشعب السوري، منذ سنوات، ناهيك بأن ميليشيات ذلك النظام ساهمت في قتل الفلسطينيين وتشريدهم في مخيمات سوريا ولبنان والعراق، أو سهلت ذلك. 

الأهم من ذلك أن السنوار في ذلك الطرح يقارب ما كانت حركة “فتح” طرحته لدى انطلاقتها (1965)، أي قبل 57 عاماً، في فكرتها عن “التوريط الواعي”، بظنها أنها بعملياتها الفدائية يمكن أن تورط الأنظمة العربية في الصراع ضد إسرائيل، باستدراجها ردود فعل عنيفة من قبلها ضد هذا البلد العربي أو ذاك، وفي المحصلة فقد دفعت “فتح” ثمن ذلك التقدير الخاطئ، باستدراجها ردود فعل قاسية من تلك الأنظمة ضدها بمعنى أن تلك العمليات ورطتها في صراع مع تلك الأنظمة (لا سيما في الأردن ولبنان). والفكرة هنا أنه لا يمكن لفصيل فلسطيني أن يفرض أجندته على أي نظام عربي أو إقليمي، لأن تلك الأنظمة تتصرف وفقاً لأجندتها ومصالحها، وهذا ينطبق على إيران، التي تتوسل قضية فلسطين، لتعزيز نفوذها الإقليمي، وعبر أذرعها العسكرية الطائفية.

أما في دعوة السنوار كل فلسطيني “إلى تجهيز بندقيته أو سكينه أو فأسه ليكون على استعداد للمعركة” فهي تعكس تأزم فكر المقاومة، وغياب استراتيجية عسكرية واضحة، كما تعبر عن عجز الفصائل عن القيام بدورها، بطريقة ناجعة ومسؤولة، بدليل أنها باتت فقط تبارك بعمليات فردية، لأفراد لديهم روح التضحية، وقوة الإرادة، في ظل غياب رؤية وطنية جامعة تؤكد أن فعل المقاومة هو فعل شعبي، تتم بكل الوسائل، وليس فقط في المجال العسكري حيث تتفوق إسرائيل، باستخدام ترسانتها العسكرية، وحيث تستطيع هي استنزاف الفلسطينيين وليس العكس، وهو الغرض المفترض من المقاومة.

ولعل الانفصام في خطاب السنوار يبدو واضحاً في دعوته “الشتات الى الزحف إلى الحدود من أجل تغيير هذا الواقع المرير”، علماً أن الفلسطينيين في الخارج ليسوا في حالة شتات طوعي وإنما في حالة لجوء قسري، وشتان ما بين الأمرين. ثم إن هؤلاء الفلسطينيين يخضعون لأنظمة سياسية معينة، تقيد حركتهم، والأهم من هذا وذاك أن السنوار بدا كأنه لا يدري بأن مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والعراق تكاد تختفي تماماً، بحكم ما لحق بها في ظل الأنظمة السائدة، ومن ضمنها بسبب السياسات التي تنتهجها إيران والميليشيات الطائفية التي تعمل معها ضمن ما يسمى “فيلق القدس”. 

أيضاً، فإن كلاماً من نوع “يا أهلنا في الداخل المحتل، بات وزنكم في الصراع أكبر من كل الأوزان”، لا معنى له، ولا تمثلات واقعية له، وهو مثل حديثه الموجه الى فلسطينيي الضفة الغربية “تستطيعون أن ترحّلوا المستوطنين من الضفة قبل نهاية هذا العام. لا تنتظروا قراراً من أحد، وأثبتت العمليات الفردية جدواها”، وهو فعلاً كلام غريب، كأنه لم يسمح عن الانتفاضة الأولى والثانية، أو الهبات المتوالية، والغريب أنه يحدد نهاية هذا العام.

على أي حال فإن خطاب السنوار يفيد بأن حركة “حماس” رغم تجربتها الطويلة والمريرة والصعبة في حكم غزة لم تعرف بعد ما الذي تفعله، إذ تحمل غزة أكثر مما تحتمل، من حصار وحروب ومعاناة وافتقاد للفرص لأجيال من الفلسطينيين، بل وتحملها مسؤولية تحرير فلسطين، أو تحرير الضفة الغربية، في حين لا تستطيع فتح معبر من المعابر، في حال تم إغلاقه، من قبل مصر أو إسرائيل. 

كل ذلك يحيل على سؤالين: هل نشأت المقاومة فقط للرد على انتهاكات إسرائيل والدفاع عن المقدسات؟ وهل هي مجرد فعل عسكري لمحترفين أم مقاومة شعب بكل الوسائل؟! 

السؤال الأول، يحيل المقاومة إلى رد فعل على سياسات إسرائيل، لا باعتباره حالة فعل ضد إسرائيل، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية المصطنعة واللاشرعية، التي قامت 1948. أيضاً فإن ذلك الكلام ينطوي على مغالطة، ويتطابق مع موقف السلطة، التي أقرت بوجود إسرائيل، وأن المسألة فقط احتلال إسرائيل 1967 الضفة وغزة وانتهاكها المقدسات! وينسى ذلك الكلام أن إسرائيل سلبت الفلسطينيين أرضهم وشردتهم منذ 48 أي منذ 74 عاماً، وأن القدس، والمسجد الأقصى، تحت هيمنة الاحتلال منذ 55 عاما.                               

أما السؤال الثاني، فيحيل إلى اختزال المقاومة من كونها حالة فعل شعبية، وبالوسائل الممكنة، إلى حالة فعل لمقاتلين محترفين، ما يعني إخراج الشعب من معادلة المقاومة (كما حدث في صواريخ العام الماضي)، وإدخال الفلسطينيين في مواجهات غير محسوبة، تدفع إسرائيل لاستخدام أقصى العنف والتدمير ضدهم، واستنزافهم، ولنلاحظ هنا أن تفاعل الفلسطينيين، لا سيما فلسطيني 48، على ما تفعله إسرائيل في القدس أقل من العام الماضي.

يفيد في هذا النقاش تأكيد أن المقاومة هي فعل شعب، وحالة كفاحية طويلة الأمد، وليست حرباً، فالحرب هي ملعب إسرائيل، ولأن الكلام عن حرب، وعن ضربة قاضية، ينطوي على مبالغة، ويصور الأمر كأن ثمة جيشين متقابلين، وهذا غير صحيح، إضافة إلى أنه مضر.

هكذا، فإن مشكلة القوى السائدة في الحركة الوطنية الفلسطينية، مستغلة الروح العاطفية والحماسية والتوق للتعويض عن الظلم لدى شعبها، رغم التضحيات والأثمان الباهظة، أنها لا تكتفي بعدم مراجعتها لتجربتها، بطريقة نقدية، لاستنباط الدروس منها، وإنما هي مصرة على الاستمرار في الطريق نفسه، أي خلط المفاهيم والمبالغة بالشعارات والنفخ في الروح العاطفية، وعدم إدراك الفجوة بين الرغبات والإمكانات، في إصرار على صيحات: “سنزلزل الأرض تحت أقدامهم”، و”بالروح بالدم”، و”عالقدس رايحين شهداء بالملايين”، فيما إسرائيل تتفرج، وتترسخ وتقوى.

قصارى القول: ليس مطلوباً، ولا لائقاً، بالرئيس عباس إدانة هذه العملية أو تلك، فهذا يعني أنه يدين تاريخه، وتاريخ كل حركة “فتح”، وقادتها الأوائل، من دون أن يقدم بديلاً مناسباً، وليس مطلوباً، ولا لائقاً، بالفصائل مجرد مباركة هذه العملية أو تلك، وتدبيج البيانات وكفى. فتلك العمليات الفردية والمتفرقة والبطولية إذ تعبر عن إيمان الفلسطينيين بقضيتهم واستعدادهم للتضحية، وروح الحرية والعناد عندهم، تعبر أيضاً عن فراغ سياسي كبير، وعن أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، أزمة عجز، وافتقاد للدور، وتخبط، إذ بعد 57 عاماً من تجربة كفاحية طويلة ومريرة ومكلفة ثمة افتقاد لاستراتيجية كفاحية واضحة يمكن استثمارها سياسياً وتحافظ على ديمومة الكفاح الفلسطيني بكل أشكاله، وتمكن من إثارة التناقضات فيها لا طمسها، استراتيجية تحيّد ما أمكن الآلة العسكرية وتنأى بالفلسطينيين عن سطوتها، استراتيجية تضمن استنزاف إسرائيل لا استنزاف المجتمع الفلسطيني، فالمقاومة، هي عمل مسؤول، وواعٍ، وهي مقاومة شعب ورد طبيعي على الظلم، وتعبير عن التوق إلى الحرية والكرامة والعدالة.

في الغضون لننتظر وعيد السنوار، كما انتظرنا وعيد غيره، ولنأمل خيراً…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى