ترجمات أجنبية

كيف خذل أوباما الثورة السورية؟!


مركز الناطور للدراسات والابحاث

 لم تكن مشكلة سياسة أوباما مع النظام السوري تتعلق حصراً بالتقرب المخجل من نظام فاسد، بل بتجاهل الدروس التي استخلصها جورج بوش الابن حين حاول بدوره التواصل مع الأسد قبل أن يدرك بأصعب طريقة أنه مجرد همجي ميؤوس منه.

يبذل ميت رومني والجمهوريون في الكونغرس قصارى جهدهم لتصوير الاعتداء الذي استهدف القنصلية الأميركية في ليبيا على أنه كارثة فعلية في السياسة الخارجية التي يطبقها باراك أوباما. لكني أراهن على أن المؤرخين الذين سيقيّمون أخطاء أوباما خلال السنوات الأربع الماضية سيركزون على أمر مختلف تماماً: طريقة تعامله الكارثية مع الثورة السورية.

كان مقتل السفير كريس ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين في بنغازي أمراً كارثياً طبعاً، لكن نجمت تلك الخسائر بشكل أساسي عن قرارات أمنية خاطئة اتخذها مسؤولون متوسطو الرتب في وزارة الخارجية الأميركية ولم يكن أوباما هو من قام بتلك الخيارات السياسية. في المقابل، تعكس طريقة تعاطي الرئيس مع الملف السوري جميع نقاط الضعف التي تشوب سياسته الخارجية (بدءاً من اقتناعه المفرط بمقاربة التواصل مع القادة الخارجيين المثيرين للمتاعب، ووصولاً إلى إصراره على مبدأ التعددية كغاية بحد ذاتها، وتردده الانهزامي في فرض النفوذ الأميركي).

لم يؤدِّ ذلك الأداء إلى انتكاسة موجعة ومعزولة بل إلى كارثة استراتيجية ناشئة تتمثل باندلاع الحرب في عمق الشرق الأوسط، وقد بدأ ذلك الصراع يمتد تدريجاً نحو أبرز حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا والأردن، ونحو الدول المجاورة المتقلبة مثل العراق ولبنان. كذلك، يبدو أن “القاعدة” تنشط في سورية أكثر مما تفعل في ليبيا، وتنقلب أعداد إضافية من القوى الليبرالية والعلمانية ضد الولايات المتحدة بسبب امتناعها عن تقديم المساعدة. قُتل أكثر من 30 ألف شخص حتى الآن (معظمهم من المدنيين) وترتفع حصيلة القتلى بالمئات مع مرور كل يوم.

صحيح أن أوباما لا يتحمل وحده مسؤولية هذه الفوضى، لكن سلسلة الحسابات الخاطئة أدت، ولو عن غير قصد، إلى تمكين بشار الأسد من تجنب العزلة الدولية ومتابعة ذبح شعبه من دون محاسبة.

بدأت سياسة أوباما تجاه سورية في عام 2009 بفكرة التواصل مع الدكتاتور. بعد شهر على إطلاقها، انقلب أوباما على مقاربة إدارة بوش التي كانت تقضي بعزل الأسد، ثم أعاد فتح السفارة الأميركية في المرحلة اللاحقة وأوفد كبار المبعوثين إليها مثل جورج ميتشل.

لم تكن مشكلة هذه السياسة تتعلق حصراً بالتقرب المخجل من نظام فاسد بل بتجاهل الدروس التي استخلصها جورج بوش الابن حين حاول بدوره التواصل مع الأسد قبل أن يدرك بأصعب طريقة أنه مجرد همجي ميؤوس منه. لكن أصر أوباما على تغيير سياسة بوش التي قضت بإبعاد الولايات المتحدة عن قادة مثل الأسد وحسني مبارك: كان ذلك الخطأ جسيماً.

حين بدأت الانتفاضة ضد الأسد في شهر مارس من السنة الماضية، توقعت الإدارة الأميركية في المرحلة الأولى أن يتمكن الأسد من احتوائها. قالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون: “يظن الكثيرون أنه رجل إصلاحي”. أدى هذا التلميح إلى جمود مواقف الإدارة طوال أشهر بينما عمدت قوى الأمن التابعة للأسد إلى قمع المتظاهرين السلميين المنادين بالديمقراطية. لم يعلن أوباما ضرورة تنحي الأسد قبل أغسطس 2011.

بحلول تلك الفترة، كانت سورية توشك على الغرق في حرب أهلية. اعترف الخبراء في الشؤون السورية داخل وزارة الخارجية الأميركية بوجود خطر محدق: إذا لم يسقط الأسد سريعاً، حذر الخبراء خلال شهاداتهم أمام الكونغرس من أن البلد قد يغرق في حرب طائفية مدمِّرة من شأنها أن تعزز قوة المجاهدين وأن تمتد إلى الدول المجاورة، لكن رفض أوباما اقتراحات بعض أعضاء مجلس الشيوخ بأن يقود عملية تدخل، بل إنه ارتكب خطأً جسيماً آخر حين تبنى سياسة التوسط لإيجاد حل للأزمة السورية عبر الأمم المتحدة. فقال في شهر مارس الماضي: “أفضل ما يمكننا فعله هو توحيد المجتمع الدولي”.

كما توقع عدد هائل من المراقبين، كانت مهمة الأمم المتحدة التي كُلّف بها كوفي أنان محكومة بالفشل منذ البداية. حين عجز البيت الأبيض عن إنكار الواقع، تمسك برهان خيالي فاعتبر أنه يستطيع إقناع فلاديمير بوتين بالتخلي عن دعم الأسد وإجباره على التنحي. لكن سرعان ما وصلت تلك المقاربة الدبلوماسية إلى أدنى مستوياتها في 30 يونيو حين توقعت كلينتون أن “يقرر الكرملين القيام بخيار صريح يقضي بدعم خطة انتقالية تطيح بالأسد”.

لا داعي لنقول إن بوتين لم يقم بأي أمر مماثل، بل استمرت الحرب وقُتل آلاف الأشخاص الإضافيين. خلال الأشهر الثلاثة الماضية، أصبحت سياسة أوباما سلبية: هو يعارض بكل بساطة أي استعمال للقوة الأميركية. تمسك أوباما بشعار حملته (“بدأ مسار الحرب يتراجع في الشرق الأوسط”) وادعى أن التدخل سيزيد الصراع سوءاً، ثم راقب تطور الأحداث التي طاولت عضو حلف الأطلسي، تركيا، وشملت مئات المقاتلين من “القاعدة”.

من الأسهل على رومني والجمهوريين أن يتحدثوا طبعاً عن مقتل سفير خلال اعتداء إرهابي بدل أن يطلبوا من الأميركيين المتعبين من الحرب أن يفكروا بتلك الأخطاء المرتكبة. تشكل سورية أكبر إخفاقات أوباما وسيطارد هذا الملف أي شخص يصل إلى المكتب البيضاوي في السنة المقبلة.

كتب: Jackson Diehl – Washington Post

قسم الترجمة – 17/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى