ترجمات أجنبية

كريستيان ساينس مونيتور – سكوت بيترسون – القصة الحقيقية وراء مزار عراقي محترق : الاستياء من إيران

كريستيان ساينس مونيتور  –  سكوت بيترسون –  12/12/2019

هل تتراجع قوة إيران في العراق؟ بالنظر إلى نفوذها الملحوظ على السياسة العراقية، ربما ليس بعد. لكن الاستياء الشعبي من إفراط التدخل الإيراني في العراق آخذ في الازدياد، كما أظهرت أعمال العنف التي شهدها مزار شيعي في النجف.

****

خارج الأسوار المتفحمة التي يعلوها السخام لمجمع المزارات هنا، ثمة أدلة وفيرة على شراسة المعركة التي استمرت على مدى أيام عدة، والتي خاضها المحتجون العراقيون وهم مقتنعون بأنهم يستهدفون رمزاً للسلطة الإيرانية في العراق.

تتناثر قنابل المولوتوف التي لم تنفجر -بفتائلها السوداء المحشوة في زجاجات مملوءة بالبنزين أو المواد الكحولية- وسط سجادة من الحجارة والطوب والزجاج المكسور.

كان قد ألقى بها رجال اقتحموا القنصلية الإيرانية القريبة أولاً وأشعلوا فيها النيران في 27 تشرين الثاني (نوفمبر)، وهم يهتفون: “إيران برّة برّة” -في أول هجوم من ثلاثة هجمات شُنت على ذلك المبنى في غضون أسبوع.

ثم انتقلوا إلى المزار الشيعي، وقد غذت غضبهم إشاعات تحدثت عن حضور مخابراتي إيراني في هذا الضريح الضخم المصمم لتخليد آية الله محمد باقر الحكيم، الذي تزعم جماعة معارضة عراقية كانت إيران قد أنشأتها في الثمانينيات.

“إيران تأخذ كل مواردنا، وأموالنا، وحريتنا”، يقول أحد المحتجين متهِماً، وموضحاً السبب في أنه قاتل هو وآخرون في المجمع. وإلى جواره، يحمل طالب، زين، ثلاث قطع من مقذوفة معدنية مستخرجة من جبينه المضمّد.

ويقول حامد، وهو شاب آخر شارك في الهجوم: “بالتأكيد، سوف تساعد الاحتجاجات على تقليل هذا النفوذ الإيراني السلبي”.

تريد الاحتجاجات التي هزت العراق أولاً الإطاحة بنظام حكم طائفي فاسد متخندق في البلاد، والذي فشل في توفير الوظائف أو الخدمات أو الأمل منذ أن أطاح الجيش الأميركي بصدام حسين في العام 2003.

لكن نفوذ إيران الهائل يصبح باطراد هدفاً أيضاً للمحتجين العراقيين الذين يشعرون بالاستياء مما يعتبرونه غطرسة إيرانية. ويُنظر إلى التدخل الإيراني العلني في السياسة العراقية على أنه يمكّن حكومة ضعيفة، ويعزز صعود العشرات من الميليشيات الشيعية وأحزابها، والتي يقول المحللون أنها تمد أيديها بطرائق فاسدة في كل جانب من جوانب الاقتصاد العراقي.

نتيجة لذلك، بدأت النوايا الحسنة لدى العراقيين تجاه إيران في التراجع، هابطة من أعلى مستوياتها في العام 2014، عندما كانت المساعدات العسكرية المباشرة والمستشارون -في عملية أدارها اللواء قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني- عوامل فعالة في وقف تقدم مسلحي تنظيم “داعش”.

في الاحتجاجات الأخيرة، استُهدفت صور المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، بالتشويه والإحراق. وفي جنوب العراق، هوجمت مكاتب الميليشيات الشيعية الأكثر ارتباطاً بإيران.

ويقول المحللون إن فرط التمدد الإيراني قوض نفوذ طهران وطموحاتها وشعبية قواتها بالوكالة في العراق. ويتزامن هذا التآكل للشعبية في العراق مع واحد آخر في لبنان، حيث يتساءل قدىمى المحاربين من حزب الله الشيعي عن دورهم في خوض حروب إيران في سورية والعراق واليمن.

يقول هشام الهاشمي، المحلل الأمني في بغداد، والذي يعمل مع المعهد الأوروبي للسلام الذي يقدم المشورة للحكومة العراقية: “لو أنني كنت في مكان آية الله خامنئي، لكنتُ سأضع سليماني في السجن”.

“لقد فشل في المهمة. يجب أن يكون العراق خط المواجهة الأخير (للدفاع) بالنسبة للإيرانيين”، يقول السيد الهاشمي. ويضيف أن نفوذ إيران على الانتخابات التي أجريت العام الماضي وتوسُّط الجنرال سليماني في تنصيب الحكومة التي استقالت في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) تحت الضغط الشعبي، يعني أن “إيران حققت الكثير من الأشياء في العام 2018. لكنها خسرت كل ما كسبته في العام 2019.”

كان تحوُّل الميليشيات الشيعية، المعروفة مجتمعة باسم “قوات الحشد الشعبي”، من قتال “داعش” إلى خوض حرب سياسية كأحزاب في العام الماضي، يعني أن قوات الحد الشعبي “لم تدرك أنها أصبحت جزءاً من الفساد”. لكن العراقيين العاديين رأوا ذلك.

يقول السيد هاشمي عن قوات الحشد الشعبي: “لقد أصبحوا مثل آلهة المعبد، ويرون أنفسهم أناساً مقدسين. من دون إيران، لم يكونوا ليحققوا هذا الوضع المسيطِر. المشكلة ليست مع إيران، وإنما مع الوكلاء. الناس هنا يهاجمون إيران لأن وكلاءها أساءوا معاملتهم”.

في ردها على الأحداث في العراق، أصدرت إدارة ترامب قبل أسبوع من تاريخ كتابة هذا التقرير عقوبات ضد ثلاثة من كبار قادة الميليشيات العراقية، وقالت إنهم تصرفوا بموجب أوامر إيرانية عندما شنوا حملة عنيفة ضد الاحتجاجات العراقية.

أرقام تأييد إيران المتراجعة

حتى حلول العام 2018، كانت مواقف العراقيين تجاه إيران تشهد تغيراً، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أولئك الذين لهم آراء إيجابية تجاهها قد انخفض من حوالي 90 في المائة في العام 2015 إلى أقل من 50 في المائة. بينما ارتفع عدد الذين ينظرون إلى إيران على أنها تهديد للسيادة العراقية من 25 في المائة في العام 2016 إلى 58 في المائة في العام 2018.

وقد تضخمت هذه الآراء بعد أن قامت صحيفتا “الإنترسيبت” و”النيويورك تايمز” بنشر 700 تقرير استخباراتي إيراني الشهر الماضي، والتي تذكر بالتفصيل جهود إيران المنهجية والناجحة لاحتواء قادة عراقيين، واستخدام مخبرين سابقين لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، واختراق كل جانب من جوانب الحياة العراقية.

عبَّر جزء من رد الفعل الشعبي العنيف في العراق عن نفسه في شكل الهجمات التي شُنت على القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء -وهي مدن تربطها صلات وثيقة بالجمهورية الإسلامية، وتستقبل الملايين من الحجاج الشيعة كل عام، والعديد منهم من إيران، لزيارة ضريح الإمامين الأكثر تقديساً في الإسلام الشيعي في القرن السابع.

يقول علي حسين عبود الظويهر، الناشط المحلي ورئيس جمعية الرافدين لحقوق الإنسان في النجف: “بالتأكيد كان لإيران موقف إيجابي ضد ‘داعش’، لكن ذلك كان بتكلفة”. ويستشهد بالمسؤولين الإيرانيين الذين يتحدثون كما لو أن العراق هو أحد الأصول الإيرانية. ومن بين هؤلاء، في خطاب ألقاه في نيسان (أبريل) الماضي، قال حسن عباسي، وهو استراتيجي وضابط سابق في الحرس الثوري، إنه مقابل كل دولار أنفقته إيران في العراق وسورية على محاربة ‘داعش’، فإنها “تستعيد الآن 1000 دولار” من خلال العقود.

ويقول السيد الظويهر: “في الحكومة الحالية نرى نفوذ إيران بوضوح، ويأتي سليماني يأتي الأوامر وكأنها ليست لنا سيادة”. ويضيف: “اسمحوا لي بأن أطرح هذا السؤال: هل يمكن أن نضع أي صورة لساسة عراقيين أو شخصيات دينية عراقية في إيران، أو أن نرفع علم العراق في ضريح الإمام رضا (في مشهد، إيران)؟ كلا”، كما يقول، في إشارة إلى الأعلام الإيرانية وصور رجال الدين الإيرانيين المنتشرة في كل مكان في مختلفل المناطق الشيعية في العراق.

ويضيف السيد الظويهر: “يمكننا أن نرى، بل نحن متأكدون من أن العراق يوشك أن يصبح إحدى ضواحي إيران. كل هذه الأمور خلقت كراهية ضد إيران وأي شخص يرتبط بها وينتسب إليها. … بسبب سفك الدماء، لم تعد هناك طريق للعودة”.

يُظهر فيديو لمعركة ليلية وقعت في الضريح ومجمع الصلاة المخصص لآية الله الحكيم، الذي كان قائد ميليشيا لواء بدر المدعومة من إيران، يُظهر المدافعين عن الضريح وهم يطلقون النار بكثافة وسط ألسنة اللهب، بينما يصرخ المحتج الذي يصوِّر المشهد: “إنهم (المسلحون) قادمون من قبر الحكيم، الإيرانيون”! ويظهر مقطع فيديو آخر منشور على شبكة الإنترنت رجلًا يصرخ أثناء المعركة: “هؤلاء الناس قتلوا أبناءنا! نريد الانتقام”.

“كلام وثرثرات”

كان السبب في إراقة الدماء في النجف إشاعات سرت حول استخدام إيران مجمع الحكيم المترامي الأطراف، والذي يشمل حجرة الضريح المقببة نفسها، ومسجداً رخامياً ضخماً، وأساسات معهد ديني شاسع ما يزال قيد الإنشاء.

وقالت إحدى الإشاعات إن المجمع يؤوي مركزاً سرياً للمخابرات الإيرانية. وقالت أخرى إن السيد سليماني نفسه كان في الداخل. أو أنه تم، على الأقل، سجن المتظاهرين المحتجزين في الطابق السفلي من المجمع، كما يقول المحتجون.

لكن حسن الحكيم، نائب رئيس مؤسسة “شهيد المحراب”، التي تدير المجمع، ينفي بشدة هذه الإشاعات التي يصفها بأنها مجرد “كلام وثرثرات”. في جولة قمنا بها في المجمع بعد أسبوع من القتال، لم نجد سوى بندقية هجومية واحدة، وكانت رائحة الحريق ما تزال معلقة في الهواء.

مثل العديد من العائلات السياسية في العراق، يحتفظ آل الحكيم بميليشياهم الخاصة. ويجلس العشرات من الشبان العراقيين الذين يضعون على وجوههم أقنعة سوداء لإخفاء هويتهم خلال زيارة نادرة يقوم بها أجنبي للمجمع، بقلق على الحشايا الموضوعة في كل مكان حول القفص المذهب المزخرف الذي يحيط بمرقد آية الله.

ويقول هؤلاء الشبان إنه لم يكن هناك إيرانيون في داخل المجمع خلال المعارك، مضيفين أنهم ينتظرون هجوماً جديداً يشنه أولئك العازمون على تحويل المظالم المشروعة للاحتجاجات العراقية إلى موجة معادية لإيران.

ويقول السيد الحكيم، متحدثاً عبر الهاتف من شمال العراق، إن الإشاعات كانت تهدف إلى تشويه سمعة المركز، الذي هو “مجرد مدرسة” تقوم بأعمال خيرية وتطعم 20.000 “من المحتاجين”. لكن الغضب المحلي يتطور إلى شيء أوسع نطاقاً من حجم المشروع في حد ذاته، بحيث يقال إن المزار يصور آية الله الراحل على أنه يقف على قدم المساواة مع الأئمة الشيعة الاثني عشر المعترف بهم.

يقول أحد سكان النجف في بغداد، والذي يقع منزل جده على بعد 100 ياردة من مجمع النجف: “لقد تمكنوا من خلق هذا الانزعاج المستمر لدى السكان المحليين، حتى السكان القريبين منهم. كان هذا اهتياجاً صنعه آل الحكيم بسبب الغطرسة”.

ملاحظة الفساد

يلاحظ المواطن النجفي إضافة إلى ذلك تحولاً للعراقيين بعيداً عن الطائفية، بحيث أصبح الشيعة العراقيون يتساءلون بحلول العام 2014 عن السبب في أن الحكومات التي يهيمن عليها الشيعة لم تحقق لهم الكثير.

بعد هزيمة “داعش”، اكتشف الأفراد الفساد ونقص الشركات، وظهور “طبقة جديدة من حديثي النعمة” التي كانت “وثيقة الصلة” بميليشيات الحشد الشعبي، كما يقول المواطن النجفي.

“وهكذا، يشرع الأشخاص في فهم مدى انتشار الفساد”، كما يقول. “هذا هو المكان الذي تأتي منه المشاعر المعادية لإيران بشكل أساسي”.

هل هذه ضربة لإيران؟

يقول أحد المسؤولين العراقيين في بغداد، والذي طلب عدم ذكر اسمه: “على المستوى السياسي، في حال اعتنقت المنظور الإيراني، فإن هذا لا يهم في واقع الأمر. ومع ذلك، في حالة كانت لديك القومية العراقية في دمك، وكنتَ تحاول أيضاً رفع مستوى هذه الأمة، عندئذٍ، نعم، سترى هذا على أنه إفراط في تمدد النفوذ الإيراني”.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان :

The real story behind a charred Iraqi shrine: Resentment of Iran

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى