Take a fresh look at your lifestyle.

كاونتربنش – تشارلز إندرلين – إسرائيل وفلسطين : فصل جديد يبدأ الآن

0 149

 كاونتربنش –  تشارلز إندرلين* –  18/6/2021

يخامرني انطباع بأنني أعيش في فيلم “العودة إلى المستقبل”، وبأنني أعيش من جديد كل المعارك التي خسرها الفلسطينيون وحلفاؤهم في صفوف اليسار الإسرائيلي المناهض للضم. ولنأخذ، على سبيل المثال، عودة استعمار حي الشيخ جراح في القدس الشرقية مرة أخرى إلى دورة الأخبار. وكنتُ قد صورت وصول المستعمرين الأوائل للحي في شباط (فبراير) 2001.

وقبل عشرة أعوام من ذلك، كنت هناك وقت وصولهم إلى سلوان، تحت أسوار المدينة القديمة، بالقرب من بوابة المغاربة. وإليك مثال آخر: في الجنوب الشرقي من البلدة القديمة، في رأس العمود، بالقرب من مقبرة جبل الزيتون “وبيت إبراهيم” الذي تملكه الجمعية الخيرية “سيكورز الكاثوليكية”، حصل ملياردير أميركي في العام 2003 على حجج ملكية الأرض. وفي ذلك الحين، تم تدمير المنازل في الموقع وبدأ بناء مستعمرة. وأظهرت حركة “السلام الآن” وبعض النشطاء الفلسطينيين معارضتهم في الموقع، وواجهوا الشرطة، وإنما بلا فائدة. وأصبح الموقع اليوم مستعمرة “معاليه ها زيتيم” (جبل الزيتون)، الشبيهة بلطخة وسط قطاع إسلامي، وتقطنها اليوم مائة عائلة يهودية.

كان الذي تغير منذ ذلك الحين هو موقف حماس، التي لم تظهر في السابق أبداً مثل هذا الاستعداد الكبير للدفاع عن الفلسطينيين في القدس. فما هو الذي أثار حفيظة حماس في العاشر من أيار (مايو) الماضي حين قررت إطلاق الصواريخ باتجاه المدينة المقدسة، كل ذلك بينما تعلن نفسها مدافعة عن حي الشيخ جراح والأقصى وعن الفلسطينيين المسلمين جميعاً؟ هل تنوي المنظمة الإسلامية تجاوز الإستراتيجية الإسرائيلية التي وضعها أرييل شارون، الذي كان قد خدم المنظمة بشكل جيد بالسماح لها بالسيطرة على غزة؟ لفهم هذا الموقف، من الضروري استعادة بعض من التاريخ الحديث.

في العام 1971، حين كان جنرالًا وقائدًا للمنطقة العسكرية الجنوبية، كان شارون واحداً من أولئك الذين باركوا الإسلام المتشدد مباشرة عند جُرن المعمودية. وقد انجذب انتباهه إلى الجمعية الخيرية التي أنشأها الشيخ أحمد ياسين، عضوجماعة الإخوان المسلمين، بل إنه كان مستغرقاً في الفكرة إلى حد عرض تقديم بعض القمصان والكرات للفريق الذي شكله الشيخ لكرة القدم. وكانت أجهزة المخابرات تعتقد أن ياسين يمثل الترياق المضاد لما تراه إرهاب منظمة التحرير الفلسطينية التي يرأسها ياسر عرفات، وسمح لها الجيش بفرض طرائقها الأصولية على كامل المنطقة، لتسقط في هذه العملية دار السينما الوحيدة في غزة وجميع المقاهي التي كانت تقدم القليل من الكحول. وفي العام 1988، أسقط ياسين القناع وأعلن ميثاق حماس الذي ينص على أن “أرض فلسطين هي أرض إسلامية لجميع أجيال المسلمين حتى يوم القيامة”. وقد أصبح هؤلاء الإسلاميون الفلسطينيون بمثابة مرآة لليهود المسيحيين الذين تنتمي “أرض إسرائيل” حسب رؤيتهم إلى الشعب اليهودي وحده.

بالنسبة لشارون، كان العدو الرئيسي دائمًا هو منظمة التحرير الفلسطينية، المنظمة الفلسطينية الوحيدة التي يُحتمل أن تحصل على تنازلات في الأراضي من إسرائيل في إطار سلام كان يعتبره خطرًا. ولذلك، عندما يصبح رئيساً للوزراء في آذار (مارس) 2002، سيتحرك لتدمير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وسيحاصر مقر عرفات بعد عملية عيد الفصح اليهودي في فندق بارك في نتانيا التي راح ضحيتها 30 قتيلاً و140 جريحاً. ومع ذلك، لم يكن منفذ الهجوم آتياً من منظمة التحرير الفلسطينية أو من “فتح”، وإنما كان من حماس. وكان هدف حماس هو نسف مبادرة السلام السعودية التي رتبتها جامعة الدول العربية في بيروت في 28 آذار (مارس)، والتي عارضها شارون نفسه أيضاً.

في العام 2004، قرر شارون إخلاء جميع المستعمرات الإسرائيلية في غزة ونقل سكانها إلى إسرائيل. وفي 8 تشرين الأول (أكتوبر)، أوضح دوف ويسغلاس، المحامي ومستشار شارون، المنطق الكامن وراء هذه الخطوة: “إريك (شارون) لا يعد غزة منطقة ذات مصلحة وطنية، على عكس منطقة يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة الغربية). والانسحاب من غزة يعني تجميد العملية السياسية. وعندما تقوم بتجميد هذه العملية، فإنك تمنع إقامة دولة فلسطينية وتوقف كل نقاش حول اللاجئين، والحدود، والقدس”.

تم إنجاز الانسحاب من غزة من دون عوائق في أيلول (سبتمبر) 2005، من جانب واحد، ومن دون أدنى قدر من التنسيق مع السلطة الفلسطينية التي لم تُمنح الإذن بنشر كتيبة إضافية تكميلية من الشرطة في القطاع. ومع ذلك، حذرت المخابرات العسكرية الإسرائيلية من أنه من دون السماح للسلطة بنشر مثل هذه التعزيزات، فإنه لا يمكن لـ”فتح” وشرطة عباس معارضة حماس في حال قررت الأخيرة تولي السيطرة على غزة بالقوة. وفي حزيران (يونيو) 2007، انتقلت المنظمة الإسلامية إلى العمل. وقامت بطرد موظفي السلطة الفلسطينية أو وضعهم قيد الإقامة الجبرية، وتعرضت ثكنات الشرطة وجهاز الأمن الوقائي في غزة التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية للهجوم. وسقط في الاشتباك أكثر من 110 قتلى و550 جريحا معظمهم من أنصار ومقاتلي “فتح”. ووقف الجيش الإسرائيلي مراقِباً من دون أن يتدخل.

بعد عامين من ذلك، عاد بنيامين نتنياهو إلى السلطة، وواصل بدقة تطبيق استراتيجية شارون لإضعاف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية. لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي مع محمود عباس، الذي أصبح عاجزاً في وجه الاستعمار المستمر للضفة الغربية والقدس الشرقية. ثم أسهم دونالد ترامب، بنقله السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس ودفع دول عربية عدة إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بشكل مستقل، في وقف أي تقدم نحو حل المشكلة الفلسطينية.

في مواجهة الإسلاميين، أبقى نتنياهو على الحصار الجزئي المضروب على غزة، لكنه سمح بالتمويل الذي تتلقاه حماس من قطر. بشكل منتظم، تهبط طائرة خاصة في مطار بن غوريون بالقرب من تل أبيب. ويترجل المبعوث القطري وحقائبه المليئة بالنقود. وترافقه الشرطة الإسرائيلية إلى معبر إيريز حيث يتم تسليم الأموال لحماس. وفي غضون عشرة أعوام، سيصل مجموع المبالغ التي تسلمتها حماس إلى حوالي ملياري دولار. وليس لدى أحد أي فكرة عن المبالغ التي أرسلتها إيران، والتي سمحت على مر السنين للتنظيمات الإسلامية في غزة بتطوير قدراتها العسكرية. وأصبحت صواريخها تهدد الآن تل أبيب ومطار بن غوريون ووسط البلاد. وبذلك يكون لدى إسرائيل خياران فقط لمواجهتها –عقد اتفاقيات وقف إطلاق النار (كما حصل في الجولة الأخيرة)، أو قيام الجيش الإسرائيلي بإعادة احتلال قطاع غزة، الأمر الذي قد ينطوي -من دون أي ضمان للنجاح- على إراقة مروعة للدماء.

ومع ذلك، تغيرت البيئة الجيوسياسية. غادر بنيامين نتنياهو السلطة. وتم تنصيب حكومة جديدة في القدس. ورحل دونالد ترامب عن سدة الحكم في واشنطن وحل محله جو بايدن المؤيد لحل الدولتين -ما يعزز السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس. ومتمتعة بالقوة المكتسبة من نظام الردع الذي فرضته ضد إسرائيل، انتقلت حماس إلى مرحلة جديدة من استراتيجيتها، وهي تقدم معركتها من الآن فصاعدًا على أنها معركة المجتمع الفلسطيني بأسره من النهر إلى البحر. وهكذا يبدأ فصل جديد من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

* تشارلز إندرلين – مراسل صحفي يرسل تقاريره من إسرائيل على مدى 50 عامًا الآن .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.