قسم الملحق الاستراتيجي - نظرة من معهد بيغن السادات– بقلم اللواء احتياط غيرشون هكوهن - "خطة القرن" كخطة ما بعد الحداثة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

قسم الملحق الاستراتيجي – نظرة من معهد بيغن السادات– بقلم اللواء احتياط غيرشون هكوهن – “خطة القرن” كخطة ما بعد الحداثة

0 32

نظرة من معهد بيغن السادات– بقلم  اللواء احتياط غيرشون هكوهن  – 13/2/2020

على خطة السلام للرئيس ترامب ان تفسر كحقنة طاقة لمنظومة متشكلة مع التوقع لاختراق جديد وليس كخطة عمل مفصلة لحل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني  “.

مقارنة بنشوى السلام العالمية التي ولد فيها اتفاق اوسلو، فان “خطة القرن” لانهاء النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني ولد الى واقع عالمي مترنح. ففي الدول الاوروبية وفي الولايات المتحدة، علق النظام الاجتماعي والسياسي في أزمة وعلامات استفهام تلقي بظلال من انعدام اليقين على الميل للمستقبل.  وفي ظل غياب القدرة على تثبيت الاستقرار في مناطق نزاع دامية من افغانستان وحتى اوكرانيا، وبغياب الامل في اعادة بناء سوريا، العراق وليبيا ما الذي يمكنه أن يعد به انهاء النزاع وتسويات السلام بالذات للبلاد الصغيرة بين النهر والبحر؟

يثير هذا السؤال شكوكا ليس فقط بالنسبة للافتراضات التي في اساس خطة القرن بل وايضا بالنسبة للبنية الفكرية التي تتبين في جملة المناقشات حول الخطة. رغم الواقع العالمي المتغير والمليء بظواهر القرن الواحد والعشرين، فان المنظومة الفكرية لوصف الواقع والحكم عليه لا تزال ثابتة بكل منطقها وتوقعاتها في مفاهيم القرن السابق. وتجد الفجوة تعبيرها قبل كل شيء في مجرد التوقع لحل متفق عليه، نهائي ومستقر لسلام دائم. في نهاية القرن الماضي، في اجواء النشوى حول “نهاية التاريخ” التي رافقت انهيار الاتحاد السوفياتي، كان لا يزال ظاهرا مكان لتوقعات من هذا القبيل. ومع عودة روسيا الى دور القوة العظمى الفاعلة، فحتى في الدول الاوروبية الهادئة تحرر الناس من وهم نهاية التاريخ. والخوف من واقع الامن المهتز والمستقبل غير المعروف يستحوذ اليوم حتى في اكثر الدول استقرارا. ومع ذلك يواصل انبياء السلام الاعتقاد والترويج بانه اذا ما فكرنا ايجابيا فان الواقع ايضا سيكون ايجابيا. واذا لم يحصل هذا مع ذلك، فاننا على ما يبدو لم نرغب فيه حقا.

يعبر الخطاب الاسرائيلي ايضا في مناقشة الخطة عن انماط تفكير جامدة بمفاهيم القرن السابق. هكذا، مثلا، في مسألة الدولة الفلسطينية: في اليمين يجدون صعوبة في أن يقبلوا الالتزام بالاعتراف بدولة فلسطينية، وفي اليسار يخطئون بان الخطة “لا تعرض على الفلسطينيين دولة وفقا لكل تعريف معقول”. غير أنه في القرن الواحد والعشرين ما حصل لظاهرة العائلة يحصل ايضا للدولة. من يقول لام وحيدة الاعالة لاسرتها انها لا تستجيب للتعريف المعقول للعائلة؟ هكذا ايضا بالنسبة للدول كظاهرة مركبة اكثر باضعاف من العائلة: في العصر الجديد يوجد اكثر من سبيل معياري واحد للوجود كدولة. هذا لب الاخفاق: يفكرون بشكل حديث في واقع هو في المقاييس العملية الهامة اصبح منذ زمن بعيد ما بعد الحديث.

كما أن النظر الى الخطة كمخطط للعمل يجب أن يكون مفهوما بالمفاهيم المناسبة لتعقيدات العصر الجديد. فبشرى الرئيس ترامب هامة للغاية في ترسيم اتجاه جديد، وبصفته هذه يجب أن يفسر كحقن للطاقة في منظومة متشكلة مع التوقع لاختراق جديد. في الخطاب المتجمد في مفاهيم القرن السابق، يتم التعاطي مع خطة من 180 صفحة وكأنها خطة عمل مفصلة لادارة خط انتاج. اما التشكل كظاهرة مركبة، في الانتقال من التخطيط الى التنفيذ، فغير قابل للتحكم الكامل. الامر معروف لكل رجل اعمال. اسألوا رامي ليفي اذا كانت له خطة تجارية مفصلة لان يتطور من بسطة في محنيه يهودا الى الشبكات التجارية التي يحوزها اليوم.

مشوق أن نكتشف انه منذ منتصف القرن السابق، في الخلاف على مشروع التقسيم، فكر دافيد بن غوريون وعمل بوعي دينامية التشكل. وكمثال على ذلك شرح قائلا: “ان دولة يهودية في قسم من البلاد ليست نهاية بل بداية”. واقامة الدولة “ستشكل رافعة عظيمة القوة في جهودنا التاريخية لانقاذ البلاد بكاملها”.

في اساس الاختلاف بين السلوك بتفكير حديث ميكانيكي ومغلق، وبين السلوك في تفكير مركب منفتح على التشكل، يكمن المفتاح للتطبيق السليم والمجدي لخطة ترامب. فبينما التفكير الحديث لم يتخل عن الايمان بانه لكل مشكلة يجب أن يكون حل، فان التفكير المركب يعترف بالمشاكل التي ليست قابلة للحل في اساسها. يمكن السعي الى حلول مؤقتة، شريطة الا تكون مطالبة بالتنازل عن رؤيا خالدة. على الاحلام القومية والدينية لا يجري المرء مفاوضات، هذا صحيح للفلسطينيين بقدر لا يقل عنه للاسرائيليين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.