قراءة في تقرير"الحياة المنتهكة": اقتحامات الاحتلال لبيوت الفلسطينيين في الضفة الغربية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في تقرير”الحياة المنتهكة”: اقتحامات الاحتلال لبيوت الفلسطينيين في الضفة الغربية

0 134

محمد قعدان *- 7/12/2020

في شهادةٍ دوّنها طاقم منظمّة “يش دين” (“يوجد قانون”) لفلسطينيّ اقتحم بيتهِ جاء على لسانه: “لقد دمّروا بالكامل الشعور الذي ينتاب كلّ شخص، بأن البيت هو أكثر الأماكن هدوءاً وأماناً. ما فعلوه هو نوع من أنواع الإرهاب”، موضحاً أن الاقتحامات واستمراريّتها هي انتهاك وهيمنة على الحيّز الأساسيّ والشخصيّ، وهي تندرج تحت محاولة “إثبات حضور” دائم للاحتلال، مما يعكس شدّة هذهِ الممارسات على حياةِ الفلسطينيين وتكوينهم ومستقبلهم. الاقتحامات المستمرّة لبيوتِ الفلسطينيين، لا تندرج تحت دوائر وأوامر وتصريحات قانونيّة، وفقاً لتعريفات القانون الدوليّ. وفيما اعتبرت اقتحامات البيوت أمراً استثنائياً في القانون الدوليّ والقوانين الديمقراطيّة الغربيّة، فإنها في حالةِ الفلسطينيين، أصبحت تعتبر أمراً اعتيادياً، وأقصدُ بالاعتياديّ فقط من ناحية أنها تتكرّر باستمرار بدون ضابط أو ناظم لهذهِ الممارسات، وهولِها وشدّتها على العائلات يزداد ويتعاظمُ أثره.

سأحاول في هذهِ المراجعةِ للتقرير الصادر عن منظمّة “يش دين”: “الحياة المنتهكة- الاقتحامات العسكريّة لبيوت الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة” أن أوضّح صورة الانتهاكات والممارسات التي تقوم بها المنظومة الاستعماريّة الاستيطانيّة، من أجل قمعِ إرادة الفلسطينيين في التحرّر والمقاومة للاحتلال، على أساس ما أعدتهُ “يش دين” مع جمعيّات أخرى، “أطباء لحقوق الإنسان” و”لنكسر الصمت” وغيرهما، من مقابلات وتقارير حول الاقتحامات المستمرّة للفلسطينيين، حيثُ أن سنتي 2017 و2018 شهدتا ارتفاعاً كبيراً في معدّل الاقتحامات الشهريّ ووصلت إلى أكثر من 250 اقتحاما وتفتيشا في بيوت الفلسطينيين، ومعظمها بعدَ منتصفِ الليل.

سأتحدّث بدايةً عن السياق القانونيّ والقضائيّ لهذهِ الاقتحامات، على أساس حقوق الإنسان والقانون الدوليّ، ثم الاتفاقيّات التي وقعتها سلطات الاحتلال إزاء المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينيّة. ثمّ سيجري الكشف عن سمات هذهِ الاقتحامات، ومجريات الاقتحام، بالموازاة مع الخاصيّات العنصريّة الاستعماريّة لدى الجنود كما تتجسّد في سلوكهم وعدوانيّتهم تجاه العائلة والبيت وما ينتج عن ذلك من آثار هدّامة على الفلسطينيين، وخصوصاً على صحتّهم النفسيّة وبالذات الأطفال.

السياق القانونيّ للاقتحامات

حاول التقرير تفكيك المشروعيّة القانونيّة والإنسانيّة لهذهِ الممارسات العسكريّة، اعتماداً على القانون الدوليّ وحقوق الإنسان، التي تشكّل بدورها شبكة لحماية حقوق الفرد وخصوصيّته في مجمل الحالات والظروف والشروط، ومنها في أوقات النزاع المسلّح، والحرب، والاحتلال، إلا أنهُ في صُلب هذهِ المنظومات القانونيّة تكمن ثغرات، فيما يتعلّق بحقوق الشعوب غير الأوروبيّة، في تقرير مصيرها والتطوير والتنمية وحقّها في الدفاع عن أرضها أمام الاعتداء والاحتلال والاستعمار. ويوضّح التقرير أن الاحتلال الإسرائيليّ والقوانين التي يتبناها في التعاطي مع الفلسطينيين لا تلتزم بأدنى الحقوق للسكّان تحت الاحتلال، ويضيف أن المنطق القانونيّ فيما يخصّ الاقتحامات لا ينتمي للدائرة القانونيّة الحديثة ولا للديمقراطيّة.

تعتمدُ قوّات الاحتلال على التشريعات العسكريّة، في ممارسةِ الاقتحامات لبيوتِ الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة، وخصوصاً “الأمر الخاصّ بالتعليمات الأمنيّة، المادّة 67” التي تتيح لجنود الاحتلال القيام بهذهِ الاقتحامات، ودون أية تقييدات، كتلك التي تتبناها الدول الديمقراطيّة المراعية لحقوق الإنسان، وفقاً للتقرير. وأقتبس: “ضابط أو جنديّ حصلا على تخويل من ضابط بشكلٍ عام أو بشكلٍ خاصّ، يحقّ لهما الدخول في أي وقت، إلى أي مكان، سيّارة، مركبة بحريّة أو طائرة، يمكن أن يُشتبه بأنها تُستخدم، أو أنها استخدمت، لأي غاية تمسّ بسلامة الجمهور، وبأمن قوّات الجيش الإسرائيليّ”. وهذا يبيّن أهميّة الأمر القانونيّ الصادر عن الجسم العسكريّ في 1) تشريع هذهِ الممارسات بدون تقييد؛ 2) تدعيم الاقتحامات بالدوافع الأمنيّة؛ 3) خلق ذوات عسكريّة/ عنصريّة/ استعماريّة من خلال نزع إنسانيّة وخصوصيّة الفلسطيني. وأشار التقرير إلى أن الأسباب والمسوّغات لممارسة اقتحام البيوت كما جاءت في “المادّة 67″، ضبابيّة وبدون تعيين وبدون تحديد. بالتالي، كلّ ما يقولهُ الجنديّ لتسويغ هذهِ الاقتحامات سيصبح مقبولا وشرعيّا، حيثُ أن المادّة تعطي صلاحيّات مطلقة للجنود على أرض الواقع، فيما يخصّ اقتحام البيوت، والنتيجة المحتّمة هي تعسّف وانتهاك حقوق الفلسطينيين الفرديّة وخصوصيّتهم.

وأضاف التقرير أن عدم وجود رقابة خارجيّة وقانونيّة لمثلِ هذهِ الممارسات، أو وجوب إصدار أمر قضائي للاقتحامات، كما نصّت التشريعات العسكريّة “صلاحيّة مطلقة وبدون تقييد”، تقف بالضدّ أمام جميع التشريعات القانونيّة الراهنة والمعتمدة في القوانين الدوليّة، التي تشدّد على خصوصيّة الفرد، وضرورة عدم انتهاكها، إلا في حالاتٍ استثنائيّة ومقيّدة. ويبيّن التقرير أن التشريعات العسكريّة لا تستوفي أدنى المعايير التي جاءت في القانون الدوليّ ضمن حالة الاحتلال العسكريّ، بالتالي فهي لا تخرقُ قوانين أعلى مكانة منها مشروعيّتها غير مثبّتة، والأذى الناتج عن هذهِ الممارسات والاقتحامات المستمرّة والمنتهكة لحقوق الفلسطينيين تعكس الدور القانونيّ للمنظومة الاستعماريّة في تثبيت هذهِ العلاقة بين الفلسطينيّ والجنديّ في الضفّة الغربيّة.

ولفت التقرير إلى أن الادعاء القانونيّ بأن مشروعيّة هذهِ الممارسات المنتهكة للحياةِ الفلسطينيّة، مستمدّة من “قوانين النزاع والحرب”، ادعاء ليسَ في محلّه بالنسبةِ للغالبيّة الساحقة من الممارسات والاقتحامات التي تقوم بها قوّات الاحتلال، بسبب أنها لا تلائم واقع “الحرب وأوقات النزاع المسلّح” بل معتمدة على أنها واقع وروتين الاحتلال. وفي إثر ذلك، خرقت إسرائيل مبادئ قانونيّة مركزيّة في تشكّل المواثيق والاتفاقيات الدوليّة لحقوق الإنسان، وعلى سبيل المثال يذكر التقرير أن إسرائيل لم تلتزم بحقّ الكرامة والخصوصيّة كما جاء في القانون الدوليّ، وحقوق الإنسان، والقانون الدستوريّ الاسرائيليّ، ويبرز هنا العامِل الأبارتهايديّ ضمن المنظومة الاستعماريّة، في التعاطي مع الفلسطينيين ضمن قوانين مختلفة وغير إنسانيّة.

وأما فيما يتعلّق بمسألة الأطفال والعائلة، فيحظر القانون الدوليّ ومواثيق حقوق الإنسان المسّ بكرامة “المتهمّ” أو “المشتبه به” من خلال إقحام عائلتهِ والأطفال. وبالتالي، جميع الممارسات والاقتحامات التي تنتهك حرمة البيوت الفلسطينيّة، وتتعرّض للأطفال وأمنهم النفسيّ والجسديّ، تعتبر أيضاً انتهاكاً لجميع الحقوق والمواثيق، كما فصّلت ذلك ضمن “ظروف الاحتلال”. وأيضاً يضيف التقرير حول مبدأ “حظر العقاب الجماعيّ والتخويف والترهيب”، أن اتفاقيات جنيف نصّت على أنه “لا يجوز معاقبةِ أي محميّ عن مخالفةٍ لم يقترفها هو شخصياً. وتحظر العقوبات الجماعيّة وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. السلب محظور. وتحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص وممتلكاتهم”، ولكن إسرائيل تقومُ بهذهِ الممارسات والاقتحامات الروتينيّة ضمن مخطّط للترويع، كما جاء على لسان ضبّاط ومسؤولين، فهي تقومُ دورياً بهذهِ الممارسات لفرضِ نوع من الخوف والصدمة وترويع البيت بأكملهِ، والمجتمع الفلسطينيّ عموماً.

ويجمل التقرير فيما يتعلّق بالسياق القانونيّ أن إسرائيل تقوم بفصلٍ عنصريّ وتفرض سياسات أبارتهايديّة في التطبيقات القانونيّة إزاء الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة مقارنةً مع الامتيازات والحماية والنفوذ القانونيّ الذي يمتلكه المستوطنون الإسرائيليون في الضفّة الغربيّة، مؤكداً “إن وجود منظومتي قوانين ساريتين على مجموعتين قوميتين منفصلتين، والذي يتمثل في هذا التقرير في سياق قوانين الدخول إلى حيّز الفرد، يدعم الادعاء القائل إن إسرائيل ترتكب جريمة الفصل العنصريّ في الضفّة الغربيّة”.

معطيات وسمات ومجريات الاقتحامات

وصلت الاقتحامات إلى حدّ مرتفع في السنتين الأخيرتين، يزيد عن 250 اقتحاما عسكريّا شهرياً في شتى المقاطعات والبلدات والقرى في الضفّة الغربيّة. ووصلت الاقتحامات في الخليل إلى أكبر عدد- 1631، وفي بيت لحم وصلت إلى 1223 اقتحاما، ورام الله إلى 997 اقتحاما. وضمن هذهِ الاقتحامات يقوم جنود الاحتلال بالضرب والعنف الجسديّ في نسبةٍ تصل إلى 25% من الاقتحامات، وأيضاً وصلت نسبة كسر شبابيك وخلع الأبواب إلى 25% من مجمل الاقتحامات، وما يقارب الـ 90% من الاقتحامات تجري بينَ منتصف الليل وساعات الفجر، ضمن مخطّط تكثيف الخوف والصدمة عند العائلة. ويضيف التقرير أنه في غالب الاقتحامات يكون عدد الجنود أكثر من 10، وجميع هذهِ الممارسات والاقتحامات نُفذت بدون “أمر تفتيش قضائي”.

ويعدّد التقرير أربع ممارسات أثناء اقتحامات البيوت.

الأولى هي بهدفِ تفتيش البيوت، حيثُ أنها تمتدّ لأكثر من ساعة في أغلبِ الحالات، وأحياناً كثيرة تجري التفتيشات بمرافقة كلاب. ويشملُ التفتيش الدخول إلى جميع غرف البيت، بما فيها غرف النوم، ولا يمرّ التفتيش دونَ تخريب وكسر وتمزيق أغراض وممتلكات البيت، دونَ أن تُدرك العائلة السبب وراء التفتيش. ويروي التقرير شهادة أحد الفلسطينيين عن اقتحامٍ جرى في بيته وما حصل فيهِ بعدما أنهوا التفتيش بعد مرور ساعتين تقريباً، قائلاً: “في الساعة الخامسة صباحاً تركوا المكان تماماً. بدا البيت وكأن هزّة أرضيّة ضربتهُ. كان كلّ شيء مكسّراً وكان قماش الكنبايات ممزقاً، والخزائن والجوارير مكسورة. كان المطبخ مكسواً بشظايا زجاج الكؤوس والصحون، وكان هناك وحل في كلّ مكان بسبب هطول المطر، إذ أنهم دخلوا وهم ينتعلون أحذية ملطخة بالوحل. لم يأخذوا شيئاً، لكن الضرر كان هائلاً”. ويبيّن هذا الوصف مدى الخروقات القانونيّة والانسانيّة التي تصل إليها قوّات الاحتلال، في انتهاك البيوت، وتدمير الممتلكات، والصدمة النفسيّة على البيت ما بين منتصف الليل وساعات الفجر.

وأشار التقرير إلى أن التشريعات العسكريّة تختلفُ جوهرياً فيما يتعلّق بحقوق الإنسان والحيّز الخاصّ عند المجموعات الواقعة تحت الاحتلال، عن القانون الدولي والدساتير الديمقراطيّة؛ حيثُ أن منطق هذهِ التشريعات يوسّع الصلاحيّات أمام الجنديّ أو الضابط، ويمكنهما من “العمل” بدون قيود، لتُحدث أكبر ضرر ممكن مادّي ونفسيّ على العائلات الفلسطينيّة في بيوتها الخاصّة، بالمقابل توجّه القوانين والدساتير الأخرى التي تعمل ضمن منطق نحو فرض قيود، وحصر “عمل” الجنود أو الشرطة في الحيّز الخاصّ لدى الأفراد. وأضاف التقرير أن ضابطاً في أدنى المرتبات يستطيع أن يوافق على الاقتحامات، فيما يسمونّه “حالة فوريّة”. ودوّنت “لنكسر الصمت” شهادة لجنديّ، قائلاً إنه “عند إجراء تفتيش في بيت تابع لفلسطينيّ، ليست هناك حاجة لأمر من المحكمة. يجب وجود رغبة بفعل ذلك، وعندها يفعلونه. في الخليل، إذا كنت فلسطينياً فعندها يمكنني دخول البيت متى أرغب وأن أجري تفتيشاً عمّا أريد، وأن أقلب لك البيت لو رغبتُ. الأمر ذاته لو افترضنا مثلاً أننا في جولة سيراً على الأقدام، ورغبنا بالراحة على ظهر شخص ما، وإجراء رصد”. وفي جميع الأحوال مهما كانت رتبة الضبّاط فإن مشروعيّة الاقتحام أولاً وما يتخللهُ الاقتحام، يجري بشكلٍ غير قانونيّ.

الممارسة الثانية أثناء الاقتحامات هي بهدفِ “المسح”، الترسيم وإعداد الخرائط، حيثُ يعملون على توثيق البيت وجمع المعلومات، حول مبناه وغرفه وسكّانه، شاملاً التصوير. وهذهِ الممارسة تجري قسرياً، وتعتبر انتهاكا آخر للخصوصيّة. ويستند التقرير في وصفِ هذهِ الممارسة إلى مئات الشهادات التي جمعتها “لنكسر الصمت”، حول اقتحامات يمكن تفسيرها على أنها بهدف “المسح” فقط. وتجري هذهِ الاقتحامات من خلال إصدار أوامر عامّة لإجراء مسح في مناطق وقرى معيّنة، وفقاً للمصالح والحاجات الأمنيّة للجسم العسكريّ في الضفّة الغربيّة، بالتالي تقتحم الوحدات بيوت الفلسطينيين بالتوازي، سواء بشكلٍ مكثّف في ليلة واحدة، أو في عدّة ليال، لإتمام المسح كاملاً. والهدف منها هو جمع معلومات استخباراتيّة وإنتاج قاعدة بيانات، وفهم واستيعاب المكان والبيوت والسكّان، وقد تستخدم هذهِ المعلومات لارتكاب جرائم حرب مستقبليّة، كما جرى في اقتحامات وملاحقة الفلسطينيين عبر أسطح وحيطان البيوت في جنين على سبيل المثال أثناء الانتفاضة الثانية.

ولفت التقرير إلى أن هذا النوع من الاقتحامات لا يجري ضمن خطّة محدّدة، إنما لتعزيز السيطرة والهيمنة والنفوذ العسكريّ في داخل القرى والبلدات والمدن الفلسطينيّة، وإثبات الحضور الميدانيّ، حيثُ يذكر أحد الجنود في شهادتهِ أنهُ “في غالبيّة الحالات التي أعرفها، المسح هو إحدى العمليّات التي ننفذّها كي نُري مستوى القيادة أننا نُنجز عملاً ما، أننا نعمل، وأننا نسيطر على المنطقة”. وهذهِ الشهادة ضمن العديد من شهادات جنود الاحتلال تدلّ على أن “المسح” أولاً هو حاجة أمنيّة لاستيعاب المكان والمباني والمناطق وبناء بيانات تحت عنوان “قمع التمرّد”، في حال وقوع انتفاضة جديدة أو مظاهرات واشتباكات. وثانياً، من أجل الهيمنة على الذوات الفلسطينيّة، عبر إثبات الحضور العسكريّ الاستعماريّ الدائم.

أمّا الممارسة الثالثة فهي بهدف الاعتقالات، و95% من هذهِ الاقتحامات تقعُ بين منتصف الليل وساعات الفجر، وتمتدّ لأكثر من ساعة في غالبيّة الحالات، من المكوث في البيت والتفتيش، وهذهِ الممارسات لا تستهدف فقط “الشخص المتهمّ” بل عائلتهِ وبيتهِ، ودونَ أوامر قضائيّة، وأحيان كثيرة تجري هذهِ الممارسة في إثر “جُنح جنائيّة” أو مخالفات تسمى “مخالفات أمنيّة” وفق درجات خطورة مختلفة، كما يوضّح التقرير. ويجدرُ القول إن الاعتقال في حدّ ذاتهِ تستخدمهُ السلطات للحدّ من حقوق الفرد “المتهمّ” لاستكمال إجراءات التحقيق والمسار الجنائيّ، وإجراء الاعتقال في أنظمة الحكم الديمقراطيّة مقيّد ومشروط. في المقابل، الاقتحامات الليليّة بهدف الاعتقال، هي “أحداث صعبة وصادمة وتؤثر على حياة أفراد البيت كلّهم”، وخاصّة حينما تستهدفُ قوّات الاعتقال القاصرين. ووفقاً للإحصائيّات، اعتقل في الخمسة الأشهر الأولى من العام 2019 في الضفّة الغربيّة ما لا يقلّ عن 1189 شخصاً بينهم 144 قاصراً، ونفذت غالبيّتها من خلال ممارسة الاقتحامات. وتغيب الرقابة القضائيّة عن هذا النوع من الاقتحامات أيضاً، علماً أن التشريعات العسكريّة تأمر بإصدار “مذكّرة اعتقال”، إلا أن ضبّاط الشرطة بالرغم من أنهم ليسوا جزءا من سلطة إنفاذ القانون، أو منظومة الحكم العسكريّ، يستطيعون إصدار هذهِ المذكّرات. وفي أحيان كثيرة يُنفذ الاعتقال والاقتحام دون أمر عسكريّ ولا مذكّرة، وتُصدر بالتالي هذهِ المذكّرات بعد الاعتقال، وفي حال لم تصدر أية مذكّرة، لدى الجيش القدرة والصلاحيّة على اعتقال “المتهمّ” لأيامٍ طويلة.

ويتابع التقرير أن غياب الرقابة القضائيّة على هذهِ الاقتحامات يزيد احتمالات التعرّض للتعسّف وارتكاب أذى وضرر لأفراد العائلة وانتهاك لحقوقِ الأطفال؛ حيثُ أن السياسات العسكريّة التي تتبعها قوات الاحتلال والجسم التشريعيّ، لا تولي حماية لحقوق المعتقلين وعائلاتهم، بل تعتمدُ الاقتحام الليليّ لإثارة الخوف والترويع كما أوردنا أعلاه، وتنفذ بمنهجيّة.

الممارسة الرابعة للاقتحامات العسكريّة تسمى “السيطرة لغرض عمليّاتي”، أي الاستيلاء على البيت من أجل العمليّات التي يقوم بها الجيش، لأغراضهِ واحتياجاتهِ ضمن مخطّط مهام أو تدريبات عسكريّة. ويتعلّق ذلك بموقع البيت والمنطقة والمكان، دون علاقة بالعائلة والأفراد. وتمتدّ هذهِ العمليّات أحياناً لساعات أو لأيّام، مما يعني الاستيلاء على أراض وبيوت خاصّة، بشكلٍ قسريّ.

مسوّغات وأسباب هذهِ العمليّات هي لدواعِ أمنيّة؛ الرصد والمراقبة والاستيلاء على مناطق استراتيجيّة. ويفصّل التقرير أن “هذه الحالات تكون السيطرة أحياناً على أسطح البيوت أو على جزء من مبنى. ويمكن لمثل هذهِ السيطرة أن تحدث مثلاً في بيت موجود بجوار طريق أو شارع وقعت فيهِ أحداث رشق حجارة أو أعمال مشابهة، وذلك بغية تأمين الطريق أو تهديد المسافرين فيها منه”. وأيضاً في أحيان كثيرة تجري هذهِ الممارسات والعمليّات، اقتحام وسيطرة على بيت، في منتصف الليل من أجل التحضير لعمليّات عسكريّة في القرية أو البلدة.

وسمة هذهِ الاقتحامات أنها تدمج ما بينَ صعوبة وصدمة الاقتحام الليليّ، بالموازاة مع الاعتقال وتقييد الحركة في داخل البيت. ويذكر التقرير حالات كثيرة تُحتجز فيها عائلة كاملة داخل غرفة، ويحرسها جنديّ لساعات طويلة، وبدون أية رقابة قضائيّة، بالتالي فإن التعسّف في هذهِ الممارسات من الممكن أن يتعاظم جداً. ووفقاً لشهادات فلسطينيّة، وأيضاً شهادات “لنكسر الصمت”، فهذا النوع من ممارسة الاقتحام يستخدمهُ الجنود لحاجاتهم الشخصيّة، وبدون الحاجة إلى إبراز أي مستند سواء أمر قضائي أو عسكري، مما يجعل هذهِ الممارسات انتهاكاً واضحاً للقوانين والتشريعات الدوليّة فيما يتعلّق بالمناطق المحتلّة.

عقوبات جماعية

يخلصُ التقرير إلى أن جميع هذهِ الممارسات من تفتيشٍ واعتقال وسيطرة بغرضِ عمليّاتي، وحتى “المسح” لجمعِ المعلومات الاستخباراتيّة، لا تتوافق مع الضرورات التي ينصّ عليها القانون الدولي وتقييداتهِ بشأن اقتحام البيوت. في ضوء ذلك، تعتبر هذهِ الممارسات انتهاكاً صريحاً لجميعِ القوانين والاتفاقيّات والمواثيق الانسانيّة، حيثُ أنها تخلق تهديداً دائماً للعائلات وتُزعزع أمنها، بقصدِ “إثبات الحضور” العسكريّ، وما ينتجُ عنهُ من تخويف وتهديد مستمرّ في الحيّز الشخصيّ للفلسطينيّ كما الحيّز العامّ، وتقع اقتحامات البيوت ضمن دائرة العقوبات الجماعيّة المحظورة قانونياً إلا باستثناءات وتقييدات غير متوفرة في غالبيّة ممارسات قوّات الاحتلال. وتبرز هذهِ الممارسات التوجّه العنصريّ الممنهج القائم ضدّ الفلسطينيين عند قوّات الاحتلال والمنظومة الاستعماريّة بأسرها، والتي تؤدي بدورها إلى تعزيز البنية العسكريّة الاستيطانيّة القائمة في الضفّة الغربيّة وفي فلسطين عموماً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.