شؤون إسرائيلية

قراءة صهيونية في احتمالات وتبعات ومخططات الرد العسكري على عملية اختطاف متوقعة

مركز الناطور للدراسات والابحاث

 بعد مرور عام على تنفيذ صفقة التبادل مع حركة حماس، تتوقع الأوساط العسكرية والأمنية الصهيونية قيام منظمات أخرى بعمليات اختطاف مشابهة، وهو ما سيدفع بالحكومة لأن تقرر الرد بصورة قوية ضد العناصر التي نفذت العملية، والرؤوس التي دبرت لها، وأرسلتهم لتنفيذها.

وأضافت: في حال تمت الموافقة على تنفيذ عملية متوقعة، لابد من تحديد عدة أهداف لمهاجمتها، محذرة من الافتقار للعديد من الأشياء التي واكبت الرد على خطف الجندي في قطاع غزة، والجنديين في جنوب لبنان، صيف 2006، ومن أهمها:

– الإطار الزمني للعملية العسكرية.

– تحديد طبيعة الأهداف المرشحة للهجوم عليها.

– الشروط الواجب توفرها لإنهائها.

وقدرت الأوساط الصهيونية الاحتمالات التي ستمثل أمام الحكومة للرد على حادثة الاختطاف المتوقعة، حيث ستبرز للواجهة 3 بدائل أساسية:

1-   البديل الأول: عملية عسكرية محدودة، دون دخول قوات الجيش لقلب الأراضي اللبنانية أو الفلسطينية، بجانب القيام بجهود سياسية دبلوماسية، في محاولة للتأثير، أو إيصال رسائل إلى تلك المنظمات، ومن يؤثر عليها من دول المنطقة، والدخول في مفاوضات مكثفة معها، لتحرير الجندي الأسير من خلال صفقة تبادل.

2-   البديل الثاني: رد عسكري فوري مشابه لما ذكر عليه في البديل الأول، شرط تحضير القوات العسكرية والجبهة الداخلية للدخول مستقبلا لمواجهة عسكرية مع المنظمة الخاطفة.

3-   البديل الثالث: الدخول على الفور في عملية عسكرية وسياسية كبيرة.

فيما يتعلق بالبديل الأول: فإن الخطوط العامة التي سترسم أمام صانع القرار حين ينظر لهذا البديل مشابهة إلى حد كبير لطبيعة الرد “الإسرائيلي” في أعقاب خطف الجنود الثلاثة في منطقة “جبل دوف” جنوب لبنان في أكتوبر 2000،  حين رأى الساسة أن “إسرائيل” بإمكانها المضي قدما في ذات السياسة التي درجت عليها منذ سنوات.

وقد توقع “حزب الله” هذا البديل العسكري منذ أن قرر تنفيذ عملية الاختطاف، وبالتالي فإن الرد الصهيوني الذي أتى محدودا، ليواجهه رد من الحزب متناسب مع الهجوم الصهيوني، بحيث يبقى الوضع القائم على حدود الشمال محافظا عليه كما كان قبل اندلاع المواجهة.

قوة الردع

وهكذا تم الحفاظ على وضع الهدوء لفترة قصيرة من الزمن، وبالتالي فإن استحضار بديل آخر كان من شأنه التأثير في الجوانب التالية:

– المس بقوة الردع الصهيوني.

– إزالة تهديد المنظمات المسلحة وقوتها العسكرية.

– حرية التحرك العسكري والعمل السياسي، وتحسين الموقف الدبلوماسي.

– تغيير موازين القوى السائدة بين “إسرائيل” والمنظمات الخاطفة، لصالح الأولى بالتأكيد.

لكن بات من الواضح منذ اللحظة الأولى، أنّ ثغرات الخيار الأول أكثر من إيجابياتها، وبالتالي كان من الممكن الخروج بعملية سريعة قاسية، بحيث تكون مثلا هجوما جويا مركزا على أهداف منتقاة بعينها، بجانب المس بالضرورة بكل مواقعها على طول الحدود.

ولذا فإن عملية من هذا النوع ينبغي أن يكون مخططا لها من الرأس بأن تستمر عدة أيام، دون التورط في عملية برية مؤثرة، مع ضرورة البحث عن “خروج سياسي” سريع بالتنسيق مع الجهات الدولية.

وتضيف: دون أدنى شك، فإن عملية من هذا النوع، فيما لو وجدت طريقها للتنفيذ، كانت ستقلب السياسة المتبعة منذ سنوات رأسا على عقب، وترسل رسالة ردعية واضحة إلى المنظمات الخاطفة، وصولا للدول التي تدعمها.

وإلى جانب هذه العملية، من الممكن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بعد مرور عدة أيام من خلال التدخلات الدولية، لاسيما وأن “الثمن” الذي ستدفعه “إسرائيل” خلال العملية لن يكون باهظا، على العكس من ذلك، فإنها ستحقق توازنا ردعيا مع الجهة الخاطفة.

لكن الثغرة الجوهرية في هذا الخيار الأول، تتمثل في افتقاد “إسرائيل” لوجهة الإصابة الحقيقية للقوة العسكرية التي تمتلكها المنظمة الخاطفة، ما يعني أن ردها المؤكد بصورة حتمية، سيستدرج “إسرائيل” لعملية عسكرية لم تستعد لها جيدا، أو أن يتوقف إطلاق النار بسبب التدخلات الدولية، لكن بعد أن تتعرض الجبهة الداخلية لضربات مؤلمة في الصميم.

الخلاصة، تعالوا نفترض أنه قد يكون بالإمكان تحقيق إنجازات جزئية من عملية قاسية كتلك التي يطرحها هذا البديل، مقابل “ثمن” منخفض نسبيا، لكن ذلك لن يمنع مخاطر تدهور الوضع بصورة غير مرضية، و/أو فرض حل سياسي ليس مريحا لـ”إسرائيل”.

البديل الثاني: الذي يتضمن في جوهره وضع حد لسياسة ضبط النفس، لكنها في ذات الوقت تستحضر القوات العسكرية، وتهيئة الجبهة الداخلية، والجهاز السياسي، لمواجهة مستقبلية من هذا النوع، وبالتالي بالإمكان المضي قدما في تفاصيل ومعطيات هذا البديل التي تقربنا أكثر إلى البديل الثالث لاحقا.

والثغرات التي تصيب البديل الثاني، هي ذاتها ثغرات البديل الأول، خاصة بكل ما يتعلق بالتبعات والآثار قصيرة المدى للرد الصهيوني.

إطلاق الصواريخ

عيب إضافي يزيد على ما سبق، أن هناك استبعادا لإمكانية إحداث تغيير استراتيجي في الوضع الميداني القائم، الأسوأ من نوعه، بين “إسرائيل” والمنظمات المسلحة، المتورطة في عملية الاختطاف، أو المتواطئة معها، إلى موعد غير معلوم، في الوقت الذي تستمر فيه بـ”تسمين” قواتها، وزيادتها.

البديل الثالث: ويشير بصورة واضحة إلى ضرورة الخروج بقرار يطالب بحرب ضد الجهة الخاطفة، وتأتي الإيجابية الأكثر وضوحا في هذا البديل متمثلة في عدم توقع الخصم له، وامتلاكه لقدرة على تقييد قوته، عقب القراءات الصحيحة التي وصلت إلى خلاصة مفادها أن ضربة عسكرية قاسية، ستأتي بنتائج أهمها توجيه ضربات قاضية إلى منصات إطلاق الصواريخ التي ستشكل الرد الأكثر نجاعة لها.

وفي وضع معاكس لما كانت عليه “إسرائيل” عشية خطف جنودها الثلاثة عام 2000، تحسنت قدرتها على توجيه ضربتها، بفعل المعطيات الجيو-سياسية، الإقليمية والعالمية، وتمتين الجبهة العالمية للحرب ضد “الإرهاب”، التي أدت ضمن مستجدات أخرى إلى احتلال أفغانستان والعراق، وممارسة مزيد من الضغط السياسي على الجهات المعادية في الساحة الدولية.

علما بأن الاقتصاد الصهيوني موجود في وضع يمكنه من توفير دعم وإسناد لمختلف التبعات الاقتصادية المحتملة لأي مواجهة عسكرية قاسية، خاصة وأن القدرة الفعالة للعمل الفلسطيني المسلح في الضفة الغربية، ضعفت إلى حد كبير.

كما أن عملية اختطاف لجندي صهيوني، سترفع من حجم التضامن والتأييد لـ”إسرائيل” في موقفها أمام المنظمات المسلحة، وحرب الاستنزاف التي تخوضها، وبالتالي، يأتي افتتاح “جبهة ثانية” عقب عملية اختطاف متوقعة مستقى من معطيات وظروف سياسية جيدة، ويشهد على ذلك حجم التأييد الدولي غير المسبوق الذي سيمنح لـ”إسرائيل”.

كما قد يحظى قرار الخروج بعملية عسكرية واسعة، وتوجيه ضربات مؤلمة وثقيلة على التجمعات السكانية، بتأييد واسع في أوساط الجمهور الصهيوني، وباستثناء التغيير في طبيعة الوضع الميداني القائم، باتجاه كسر الردع الذي مثلته المنظمات المسلحة في مواجهة “إسرائيل”، فإن عملية عسكرية واسعة بإمكانها أن تمس بصورة مباشرة وصعبة بقوتها.

وبالتالي يأتي الخيار باتجاه المبادرة لعملية عسكرية واسعة، ليلغي مسبقا أي إمكانية لاستدراج “إسرائيل” إلى حرب بعكس إرادتها، ولذا فإن نجاحها في عمليتها العسكرية سيردع المنظمات إلى الأبد.

لكن الثغرة الأكثر وضوحا في هذا الخيار، تمثلت بافتتاح معركة عسكرية دون استكمال المعطيات العملياتية، التحضيرات اللوجستية، الجبهة الداخلية، لمواجهة متوقعة أمام حزب الله، ومع ذلك فإن مواجهة عسكرية بين الطرفين في منطقة ليست كبيرة جغرافيا، وعددا ليس كبيرا من مقاتلي العدو.

الضربة الجوية

وفي إطار حرب كاملة تعطي هامشا واسعا للجيش الصهيوني للتحرك، سيكون ميزان القوى بالتأكيد لصالحه، وستكون يده العليا.

وبالرغم من كل ما تقدم، يبقى هذا البديل الأكثر إغراء لصناع القرار، سواء ما تعلق بالقدرات البشرية للجيش، أو للأهداف المفضلة أمامه، أو حتى للمجتمع الصهيوني، وفي ظل هذا الوضوح الكامل، ينبغي الخروج في عملية عسكرية سريعة فورا، بعيد حادث الاختطاف مباشرة.

وفي نظرة للوراء، يمكن التقرير بصورة واضحة أن الخيار الذي سيتم اختياره على أيدي الحكومة يقع بالضبط بين البديلين: البديل الأول في أقصى ظروفه وخططه، والبديل الثالث، بمعنى أن ما رأيناه في مجريات الحربين الأخيرتين في لبنان وغزة، أشار بشكل عملي إلى توجيه ضربة جوية متواصلة، دون “خروج سياسي” سريع، ودون توسيع جوهري للمعركة إلى مديات إضافية، بهدف الانقضاض على قوة الجهة الخاطفة، وإصابتها بصورة مباشرة.

مع العلم أن الجيش قام بالفعل بتوجيه ضربات جوية باتجاه أهداف لحزب الله وحماس خلال تلك الحربين، لكنه في ذات الوقت “فرط” في وقت ثمين وكبير حين تأخر في إنزال القوات البرية للمعركة، وإدخالهم لمجريات الحرب، هنا، وهنا بالذات، افتقدت “إسرائيل” للفكرة العملياتية الحربية الواضحة والحاسمة، التي منحت بصورة أو بأخرى نقاطا إيجابية لصالح المنظمتين.

ولذلك جاءت بداية العمليات العسكرية كـ”مهمة عملياتية”، وانتهت كـ”حرب”، معبرة بصورة مؤسفة عن عدم الوضوح بالنسبة لتقدير حجم العملية العسكرية وتبعاتها، وبالتالي اتضح هذا الغموض في التأثيرات السلبية على تحديد أهداف الحرب، وكيفية إنجازها، ما يعني أن البديل الأكثر تفضيلا وملاءمة بالنسبة لعملية عسكرية مقترحة في أعقاب وقوع حادثة الاختطاف، يجب أن تكون وفق أسلوب البديل الأول في أقسى صوره.

بمعنى آخر، فإن توجيه هجمات جوية مكثفة ومركزة على أهداف معروفة للجهة الخاطفة، بما في ذلك أهدافا للبنية التحتية خلال عدة أيام، يجب أن يكون أمرا مطلوبا وملحا، بعد الحاجة لعملية برية، مع ضرورة “خروج سياسي سريع”، بالتنسيق مع الجهات الدولية. لأن خطوة كهذه ستحقق إنجازات سياسية وعسكرية ذات قيمة كبيرة، دون أن نتكبد خسائر بشرية من قتلى وجرحى، وعبر اختصار مدة الحرب، وحماية الجبهة الداخلية من أي ضرر.

  مجلة “بمحانيه” العسكرية

ترجمة مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية– 18/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى