أقلام وأراء

فيصل اليافعي: خمس سنوات من حكم ماكرون حولت فرنسا إلى دولة متطرفة

فيصل اليافعي

فيصل اليافعي ١١-٥-٢٠٢٢م

ربما بدا الأمر سهلا، لكن كان ينبغي أن يكون أكثر سهولة، فقد فاز إيمانويل ماكرون بأغلبية 58 في المئة على منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان في الجولة الثانية من التصويت، ولكن، في الحقيقة، كان مقررا له خسران تلك الانتخابات دائما.

وللمرة الثانية خلال خمس سنوات، كان عرض ماكرون للأمة مختزلا في عبارة “لا تسمحوا للمتطرفين بالمشاركة”، وأيضا في عام 2017، عندما واجه لوبان أيضا في الجولة الثانية، فقد صوّر ماكرون نفسه على أنه الخيار المعقول الوحيد، لقد كان محقا بالطبع، ولكن هناك حدا لهذه العبارة المتكررة “أنا ومن بعدي الطوفان”، إذا كانت فرنسا الآن دولة متطرفة، فإن ذلك يرجع جزئيا إلى السنوات الخمس التي قضاها ماكرون في السلطة.

وقال الرئيس الفرنسي خلال الانتخابات الأخيرة إنه سيفعل “كل ما في وسعه خلال السنوات الخمس المقبلة لكي لا يوجد سبب آخر للتصويت لصالح المتطرفين”، والذي حدث كان العكس تماما، فقد تم تهميش الحزبين التاريخيين في فرنسا بشكل كامل في الجولة الأولى من التصويت، وفاز حزب لوبان اليميني المتطرف بأعلى نسبة من الأصوات وحل في المرتبة الثانية في الانتخابات. فكر مليا في ذلك: في دولة ديمقراطية أوروبية كبرى وقوة نووية وأحد أعمدة النظام العالمي الغربي، جاء حزب يميني متطرف في المرتبة الثانية.

ولا يقتصر الأمر على حزب لوبان فقط، بل إن الأحزاب السياسية المتطرفة من اليسار واليمين قد ازدهرت في فرنسا في السنوات الخمس الماضية.

وللتبيان علينا النظر في إنفاق الحملات الانتخابية، ففي فرنسا يتعين على المرشحين الرئاسيين الالتزام بحدود الإنفاق الصارمة، وفقط أولئك الذين حصلوا على أكثر من 5 في المئة من الأصوات هم وحدهم المؤهلون للحصول على تعويض كبير من الدولة، وفي هذه الانتخابات، فشل ثمانية من المرشحين الاثني عشر في تجاوز عتبة أو حاجز 5 في المئة، وكان من بين الذين فشلوا في تجاوز تلك العتبة هم مرشحو حزب يمين الوسط، الجمهوريون وحزب يسار الوسط الرئيسي والاشتراكيون، وهذا يعني أن الحزبين الرئيسيين السابقين قبل ماكرون فشلا في الحصول حتى على 10 في المئة من الأصوات، ويعد ذلك نهاية عجيبة لحزبي الوسط.

والأسوأ من ذلك هو أن ثلاثة أحزاب من بين المرشحين الأربعة الذين تقدموا في الاستطلاع كانوا من المتطرفين، وهم المرشحان من اليمين المتطرف لوبان وكاتب عمود في صحيفة يمينية متطرفة، وجان لوك ميلينشون مرشح اليسار المتطرف.

وعلى عكس وقف التصويت للمتطرفين، فقد ضمنت خمس سنوات من حكم ماكرون أن غالبية الناخبين الفرنسيين صوتوا لصالح الأحزاب المتطرفة عوضا عن أي شيء آخر.

لذا فإن السؤال هو لماذا، ويكمن جزء من الجواب على ذلك السؤال في عرض ماكرون ليحتل مركز الوسط، ما وراء اليسار واليمين، ومن خلال محاولته أن يكون كل شيء لجميع الناس، فتح ماكرون الباب أمام الأحزاب المتطرفة، وبناء عليه، لماذا نرضى بالقليل مادمنا قادرين على الوصول للكثير؟

ويمكن رؤية هذا النمط مع ميلينشون، وهو المرشح اليساري الذي جاء في المركز الثالث.

والسياسة هي لعبة التقدم المتباطئ، وفي الجولة الأولى، فصل 1 في المئة بالكاد بين لوبان وميلينشون، وكان من الممكن أن تعني بعض الأصوات في كلتا الحالتين أن ميلينشون سيواجه ماكرون في الجولة الثانية، مما كان سيفضي إلى انتخابات مختلفة كليا.

لكن صعود ميلينشون يُعزى بشكل مباشر إلى طريقة ماكرون في الحكم على مدى نصف العقد الماضي، والتي مالت إلى حد كبير نحو يمين الوسط، مع تقديم عدد قليل من التنازلات للأحزاب “اليسارية” مثل مقترح خفض سن التقاعد الوطني، ولكن ذلك حث الناخبين على التوجه نحو الشيء “الحقيقي”، ليس فقط حزب يسار الوسط السياسي، ولكن نحو الحزب اليساري بالكامل كبديل.

وحدثت نفس الديناميكية ولكن في جناح اليمين السياسي، فعندما قال ماكرون قبل خمس سنوات إنه يريد منع الناس من التصويت لصالح المتطرفين، بدا أنه يقصد إقناع أصحاب الآراء المتطرفة ليصوتوا له، فقد بذل الرئيس الفرنسي قصار جهده لتعقيد الحياة على المسلمين في فرنسا، ودفع مشروع قانون مثير للجدل حول “مناهضة الفصل” في العام الماضي، وكان ذلك القانون ظاهريا لتكريس العلمانية الفرنسية في القطاع العام، ولكنه في الواقع استهدف دينًا واحدًا فقط، وفي العامين الماضيين، تم إغلاق 700 مؤسسة إسلامية، ولم تر أي جماعة دينية أخرى أي شيء مشابه لذلك.

ولكن هذا الميل نحو اليمين السياسي لم يُعر الفكر اليميني المتطرف، بل جعل من وجهات نظرهم أكثر قبولا، ويعكس ذلك المدى الذي دفع فيه ماكرون بالمحادثات الوطنية نحو التطرف، حيث ذهب اثنان من المراكز الأربعة الأولى إلى المرشحين اليمينيين المتطرفين، كما أقصى ماكرون أنصاره، فقد صوت ربع المسلمين لصالح ماكرون “حسب أحد التقديرات” في عام 2017، وانخفض هذا العام إلى 14 في المئة فقط، مع تلقي ميلينشون قدرا كبيرا من الدعم من جانب الجالية المسلمة.

هذا هو المشهد السياسي الفرنسي الذي سيعيشه ماكرون في السنوات الخمس المقبلة، وهو مشهد يتلاءم معه إلى حد ما، حيث من المناسب له أن يكون المرشح الرئاسي الوسطي الوحيد وسط بحر من التطرف، لكن إدارة شؤون البلد بهذه الطريقة يعد أمرا معقدا، لأنه يتطلب الميل نحو اليمين السياسي ونحو اليسار السياسي بصورة مستمرة من أجل استيعاب شعبوية اليسار واليمين، وخمس سنوات أخرى من هذا التأرجح المستمر لن تؤدي إلا إلى تقوية شوكة التطرف.

وقد لا تكون المواجهة الانتخابية في عام 2027 بين الوسط السياسي ضد المتطرفين، ولكن قد تكون بين حزبين سياسيين متطرفين يتصارعان على كرسي الرئاسة، وإن صح ذلك، فسيكون ذلك جزئيا بسبب أفعال ماكرون، فمن خلال محاولة جعل التصويت للأحزاب المتطرفة أمرا مستحيلا، سيصبح إرث ماكرون هو جعل التصويت لهم أمرا حتميا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى