ترجمات أجنبية

فيتالي نعومكين – مراحل العملية الروسية في أوكرانيا… كما تراها موسكو

فيتالي نعومكين ٢-٤-٢٠٢٢

تمر العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها روسيا في أوكرانيا، مثل أي عملية عسكرية، بأطوار أو مراحل تتطور بشكل منهجي وفقاً لخطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس الاتحاد الروسي، بطبيعة الحال.
ولا نعرف المضمون الفعلي لهذه الخطة، ولكن، بالاعتماد على ملخص تصريحات كبار العسكريين الروس، وتعليقات الخبراء والمحللين الروس في وسائل الإعلام الروسية، يمكننا الحكم على بعض الملامح المهمة للعملية العسكرية الموجهة لحماية سكان الدونباس من الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها طوال مدة ثماني سنوات، وعلى النتائج التي حققتها.
– أولاً، لقد تم الانتهاء من المرحلة الأولى للعملية الخاصة، التي كان مضمونها الرئيسي يكمن في إضعاف القدرات العسكرية للقوات المسلحة الأوكرانية وتحرير معظم أراضي الدونباس (جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك). فقد تم تدمير مراكز كبيرة لتخزين المعدات العسكرية والأسلحة ومراكز الاتصالات، وواقعياً، تم تدمير القوات الجوية الأوكرانية وقوات الدفاع الجوي والأسطول البحري الأوكراني بشكل كامل. فلم تعد أوكرانيا قادرة على إصلاح وصيانة المعدات الثقيلة المعطوبة، ولا سيما الدبابات، ولم يعد بالإمكان تمرير إمدادات من الأسلحة الثقيلة من أوروبا أو الولايات المتحدة، ولن يستطيع أحد تعويضها الخسائر التي تكبدتها.
تم أيضاً تطويق المدن الكبرى، مثل العاصمة كييف، وخاركوف وتشيرنيغوف وسومي ونيقولاييف. بالإضافة إلى ذلك، فرض الجيش الروسي سيطرة كاملة على مقاطعة خيرسون ومعظم مناطق مقاطعة زابوروجيا. ووفقاً للنائب الأول لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة للاتحاد الروسي، الفريق أول سيرغي رودسكوي، أنجزت القوات المسلحة الروسية المهام الرئيسية للمرحلة الأولى من العملية الخاصة. في الوقت نفسه، يجدر الاعتراف هنا بأن الجيش الروسي يواجه أحياناً مقاومة شرسة من القوات المسلحة الأوكرانية والفصائل القومية المتطرفة. ومع ذلك، يمكننا التحدث بالفعل عن الإنجاز الجزئي لإحدى مهام العملية الخاصة، ألا وهي مهمة نزع سلاح أوكرانيا، والتي بات يناقشها الممثلون الروس، من بين أمور أخرى، خلال المفاوضات مع الوفد الأوكراني.
– ثانياً، يقوم الجنود الروس بتنفيذ مهامهم بحذر وجدية وفاعلية، مع الحرص، وفقاً للأوامر، على تجنب وقوع إصابات بين المدنيين وتجنب الدمار، قدر الإمكان، عبر توجيه ضربات دقيقة، بينما لا تستثني القواتُ المسلحة الأوكرانية، ولا سيما المقاتلون من الجماعات القومية المتطرفة العاملة إلى جانبها، والتي تشبه أساليبُها تلك التي استخدمها الفاشيون الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، لا تستثني لا المدن ولا سكانها. فهي تقاتل متمركزة في الأبنية السكنية، ولا تسمح للسكان بالخروج منها، مستخدمة إياهم كدروع بشرية، وتمنعهم من استخدام الممرات الإنسانية التي أنشأها الجيش الروسي، حتى أن قيادة هذه القوات نفسها لم ترحمها، وتركتها أمام مصير محكوم عليها بالهلاك من دون أن تهتم بخلاصها أو إنقاذها.
لقد تسبب تعرض الأسرى العسكريين الروس للتعذيب والتنكيل من قبل النازيين الأوكرانيين بسخط جماعي. وهذه الأعمال موثقة بتسجيل فيديو مصور. بيد أن الخسائر التي تكبدها الجيش الروسي، سواء بالأفراد (وفقاً لوزارة الدفاع في الاتحاد الروسي، 1351 قتيلاً و3825 جريحاً) أو في المعدات، ليست كبيرة بالنسبة لقوات قوامها 120 ألف جندي. فهي، وخلافاً للقوات الأوكرانية، يمكن تجديدها بسهولة، نظراً لوجود احتياطيات كبيرة لدى روسيا لم يتم استخدامها بعد.
– ثالثاً، يسمح استكمال المرحلة الأولى من العملية الخاصة، وفقاً للخبراء العسكريين، وكما قال رودسكوي، بتركيز الجهود الرئيسية على تحقيق الهدف الرئيسي، ألا وهو تحرير الدونباس. في المرحلة الثانية للعملية، سيصل الجيش الروسي وقوات الدونباس إلى الحدود الإدارية التاريخية لمقاطعتي دونيتسك ولوغانسك. وبعد تحرير ماريوبول، سيتم فتح طريق بري مباشر من الدونباس إلى شبه جزيرة القرم، حيث سيتم عبره نقل الشحنات العسكرية والمدنية وحركة الركاب. فكما يستنتج الخبير العسكري يفغيني لينين، أنه ونظراً لأن بحر آزوف سيصبح بحراً داخلياً بالنسبة لروسيا، لم يعد بإمكان الأوكرانيين الوصول إلى هذه المنطقة، لا عن طريق البر ولا عن طريق البحر.
– رابعاً، قررت وزارة الدفاع الروسية، كما قال نائب وزير الدفاع في الاتحاد الروسي ألكسندر فومين، «تقليص النشاط العسكري في اتجاهي كييف وتشرنيغوف بشكل جذري». وقد تم القيام بذلك بهدف تعزيز الثقة المتبادلة، وهي أمر ضروري لتهيئة الظروف اللازمة لمواصلة المفاوضات وتحقيق الهدف النهائي المتمثل في التوقيع على معاهدة بشأن الوضع الحيادي وغير النووي لأوكرانيا، وكذلك بشأن توفير الضمانات الأمنية لها.
بالتأكيد، بحلول وقت نشر هذا المقال، ستظهر معلومات إضافية حول النتائج الأولية للمفاوضات (على الأقل حول هذه المسألة) بين الوفدين التي عقدت في إسطنبول في 29 و30 مارس (آذار). بمعنى آخر، لن يكون هناك اقتحام لكييف وبعض المدن الكبيرة الأخرى، التي، على ما يبدو، لم تكن جزءاً من مهام الجيش الروسي. وتعليقاً على القرار، أشار الخبير المذكور أعلاه إلى أن القوات الروسية توجهت إلى هذه المدن فقط من أجل «تحويل اهتمام قوات وموارد الجانب الأوكراني إلى الدفاع عن هذه المدن». لقد تم تحقيق ذلك بالفعل، حيث تم تركيز الكثير من القوات هناك للدفاع عن المدن الكبيرة، وتم دفع المعدات العسكرية إليها. وتركزت مجموعات كبيرة بما فيه الكفاية من القوات المسلحة الأوكرانية في هذه المدن للدفاع عنها. إذ نرى بالفعل أن القوات المسلحة الأوكرانية حشدت معدات عسكرية وعدداً كبيراً من الأفراد في هذه المدن.
هل من الممكن توقع بداية مرحلة ثالثة من العملية الخاصة؟ لم أكن لأقوم بهذا التوقع، فهو برأيي عمل سابق لأوانه. ومع ذلك، سأشير مرة أخرى إلى رأي الخبير العسكري يفغيني لينين، الذي تطرق إلى المهام المحتملة للعملية العسكرية، حيث يقول إن «القوات الروسية، بعد الانتهاء بنجاح من المرحلة الثانية (وهو أمر لا شك فيه)، من المرجح أن تعيد تجميع صفوفها، وعلى الأرجح (سيكون هناك قطع على طول الحدود مع مولدوفا. وسيتم فصل نيكولاييف وأوديسا عن غرب أوكرانيا، وسيمر الجيش الروسي على طول الضفة اليمنى لنهر دنيبر. والختام سيكون في استكمال العملية في الجزء الغربي من أوكرانيا. وربما ستكون بولندا موجودة هناك من أجل ما يسمى حماية الأراضي المتبقية من أوكرانيا، وسترسل قواتها إلى لفوف. والمجريون بدورهم سيكونون في منطقة الكاربات لحماية المواطنين الذين حصلوا على جوازات سفر جمهورية المجر. وهنا ستنتهي أوكرانيا)». أعتقد أن هذا الجزء الأخير من توقعات الخبير هو ضرب من الخيال.
الأهم من ذلك بكثير هو التكهن بمهمة أخرى للخطة الروسية، ألا وهي ما يسمى «اجتثاث النازية من أوكرانيا». ويبدو أن تنفيذ هذه المهمة سيواجه صعوبات كبيرة، لأن آيديولوجيا القوميين الراديكاليين كانت قد سممت عقول الأوكرانيين طوال فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي بأكمله، ولا سيما في السنوات الثماني الماضية. ولا يسعني هنا إلا أن أقارن هذا بالأفكار السامة لتنظيم «داعش»، المحظور في روسيا تماماً، مثل تنظيم «القطاع الأيمن» و«آزوف» والجماعات النازية الأخرى في أوكرانيا. ومن المستحيل التغلب على هذه الأفكار باستخدام أساليب القوة وحدها. بيد أن هذا الموضوع تجدر مناقشته بشكل منفصل في المستقبل.

* رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى