أقلام وأراء

فى مواجهة الأزمة الأوكرانية

عبد المنعم سعيد

عبد المنعم سعيد 7-05-2022

نشبت الحرب الأوكرانية بعد فترة قصيرة مما بدا أن مصر فى طريقها إلى تحقيق أهدافها فى التنمية السريعة، وافتتاح مشروعاتها العملاقة، وباختصار الدخول فى مرحلة جمهورية جديدة. كانت أزمة الكورونا قد أبطأت عامين من المسيرة المصرية، ولكنها لم تمنع بسبب الجهود المصرية من الاستمرار فى معدل إيجابى للنمو الاقتصادي. وما أن لاح فى النصف الأول من العام المالى الحالى أن مصر قد حققت معدلا للنمو يتجاوز ٩٪ ويبشر أن العام كله سوف يتجاوز ٦٪ حتى حل ما سبق تسميته التحدى الثالث بعد الإرهاب والجائحة لأنه هذه المرة يدخل العالم فى نفق مظلم جديد محمل بالشك وعدم اليقين، ولا يعلم أحد متى يصل إلى نهاية. النتائج السلبية للأزمة وتأثيراتها على الاقتصاد العالمى والمصرى باتت معروفة، وأكثرها ألما هى تلك الحالة من التضخم المركب الذى وضع شرائح اجتماعية كثيرة تحت ضغوط هائلة. وكما لو كنا مدربين على التعامل مع الأزمات فإن توقعها المتمثل فى وجود الاحتياطى المالى، والمخزون السلعى والدوائى، فضلا عن المعرفة التفصيلية لدى الدولة بالشرائح الأكثر تعرضا لضغوط زيادة الأسعار، جعل من الممكن اتباع سياسات فورية لتخفيف أثر الصدمة. وأما وقد بات واضحا أن الأزمة سوف تستمر مع العالم، وأنها على العكس قابلة للاتساع والاستخدام الكثيف للقوة المسلحة فإن خطة شاملة للتعامل مع الحرب الروسية ـ الأوكرانية ونتائجها أصبحت واجبة، ولم يكن هناك توقيت أفضل من حفل إفطار الأسرة المصرية لإعلان هذه الخطة وكان أهم ما فيها أنها لا تتجنب فقط أخطار الأزمة المركبة الراهنة؛ وإنما أيضا ترى ما فيها من فرص يمكن انتهازها ووضعها فى الإطار العام لخطة التنمية المصرية. كان الجمع كبيرا ومتنوعا وجرى تنظيمه بتفرقة الجماعات والفئات المدعوة على المناضد جميعها بحيث يجد كل من جلس عليها خلطة من المصريين تنوعت مهنهم ومنابعهم وسنوات عمرهم أيضا ومشاربهم بحيث يصير يقينا لدى الجميع أن مصر ليست فقط متنوعة، وإنما هى أكثر من ذلك غنية بالمعارف ومثيرة للاهتمام. ما جرى فى الموائد لم يكن أولى خطوات الحوار السياسى الذى لمع نجمه بمجرد انتهاء الإفطار، وإنما هى حالة من الشراكة الاجتماعية بين مصريين داخل مشروع وطنى واحد.

ولكن المشروع ليس حالة ساكنة فمنذ خرج من رحم رؤية ٢٠٣٠ وهو يجسد نفسه فى جميع ربوع الوطن فى شكل مشروعات عملاقة يفاجأ من يتابعها أنها تتغير كل يوم حتى تصل إلى منتهاها مضيفة إلى الطاقة الإجمالية لأصول الدولة المصرية. والآن وبعد سبع سنوات من ظهور الرؤية فإن الوقت، فضلا عن الأزمة، بات يحتم الحديث من قبل الرئيس السيسى عن استراتيجية شاملة للعمل خلال المرحلة المقبلة ولها ثلاثة ملامح: الاستمرار فى مقاومة آثار الأزمة مع الأزمات الأخرى، ودفع عملية التنمية إلى أقصى ما تستطيع تحقيقه، وتحقيق المزيد من الانفراج السياسى. الملمح الأول بدأ فور نشوب الأزمة عندما اتخذت الحكومة المصرية مجموعة من الإجراءات الوقائية للتخفيف من آثارها السلبية على الأقل حظا فى المجتمع من أصحاب الدخول الثابتة والمعاشات؛ والتعامل مع الضغوط على العملة المصرية من خلال تخفيضها وزيادة سعر الفائدة؛ وزيادة المنافسة لمقاومة الغلاء من خلال الاستمرار فى مشاركة المشروعات الغذائية الحكومية فى السوق المصرية. الملمح الثانى فيه الكثير من التأكيد والاطمئنان على أن ما بدأ من مشروعات سوف يستمر العمل فيها حتى تكتمل طالما أن تمويلها سبق توفيره؛ خاصة أنها لم تعد تخص إنتاجا بعينه، أو من منطقة محددة، وإنما هى الآن تشمل تقريبا جميع المصريين كما هو واضح من مشروع حياة كريمة الذى يخص ٦٠ مليون مصرى وتكلفته ٧٠٠ مليار جنيه. ولكن عملية التنمية ليست فقط مكونة من مشروعات قومية كبرى وعملاقة، وإنما نسيجها هو المشروعات التى تقوم بها المبادرات الخاصة، ومن ثم فإن قوة الدفع المضافة للمشروع الوطنى هو الذى سوف يأتى من قبل القطاع الخاص الذى سوف يتوسع من خلال خصخصة مشروعات عامة، ويحصل على الدفع الحكومى اللازم للمضى قدما للاستثمار فى مشروعات زراعية وصناعية، وبين العام والخاص سوف توجد محفزات الاستثمار الأجنبي. خطاب الرئيس السيسى، وحديث رئيس مجلس الوزراء القصير كلاهما نوه إلى أن وعد تنشيط دور القطاع الخاص صار التزاما قوميا.

الملمح الثالث للانفراج السياسى جرى التمهيد له بالإفراج عن أعداد كبيرة من المحبوسين بمناسبة أعياد تحرير سيناء كما جرى التقليد من قبل مضافا لها تفعيل لجنة العفو التى تشكلت فى المؤتمر الوطنى للشباب بحيث تحقق المزيد من الإنجاز. المناخ العام ساعة الإفطار كان إعادة تجميع التحالف السياسى لثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، مع إبقاء الباب مفتوحا لأجيال وأطياف جديدة فى المجتمع، مع تكليف المؤتمر الوطنى للشباب بإدارة الحوار بين الجميع حول أولويات المرحلة المقبلة من العمل الوطني.

الحوار هكذا ليس معلقا فى الهواء، وإنما ينطلق من واقع صلب للتنمية والتغيير وتحقيق المصالح الوطنية، وكلها تشكل قاعدة التوافق المطلوب من الحوار السياسي. مواجهة تحدى الأزمة الجديدة، والإسراع بعملية التنمية وتعميقها، وتحقيق انفراج سياسى يدعو إلى الوفاق والابتكار والإبداع، ثلاثتهم تشكل أركان الاستراتيجية القومية خلال المرحلة المقبلة.

ويبقى على رئيس مجلس الوزراء د.مصطفى مدبولى أن يشرح فى مؤتمر صحفى تفاصيلها، وعلى المؤتمر الوطنى للشباب أن يبدأ الحوار السياسى من أول تحديد المشاركين فيه، وقضايا الحوار، والكيفية التى سوف تصدر بها منتجاته. بقى أن نعلم أن الحوارات السياسية فى المجتمعات المختلفة تجرى طوال الوقت فى المجالس النيابية والمحافل الأهلية والإعلام بالطبع, ولهذا كله يدعو جميع المواطنين المصريين للحوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى