أقلام وأراء

فوز ماكرون أنقذ وحدة أوروبا

خير الله خير الله

خير الله خير الله 27-04-2022

قبل كلّ شيء، أثار انتصار إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة ارتياحاً أوروبياً. لعل أفضل من عبّر عن هذا الارتياح المستشار الألماني أولاف شولتس الذي لم يخفِ ترحيبه الحار بنتائج ما حصل في البلد الجار.
أنقذ التجديد لإيمانويل ماكرون أوروبا مع ما يعنيه ذلك من موقف موحّد تجاه المأساة الأوكرانيّة المستمرّة منذ شهرين بالتمام والكمال. مثير للانتباه، أنّ انتخابات فرنسا، في دورتها الثانيّة، كانت في الرابع والعشرين من نيسان (أبريل) الجاري، فيما الحرب المدمّرة التي شنّها فلاديمير بوتين، ولا يزال يشنّها، على أوكرانيا بدأت في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الماضي.
ليس سرّاً أنّ بقاء ماكرون في قصر الإليزيه يشكّل تكريساً للحلف الألماني – الفرنسي الذي يشكّل محرّكاً، لا غنى عنه، للاتحاد الأوروبي. ليس سرّاً أيضاً أنّ هدف فلاديمير بوتين، برهانه على مارين لوبن، كان ضرب قلب أوروبا ومحرّكها، أي الحلف الألماني – الفرنسي الذي بات، مع بريطانيا، رأس الحربة في مواجهة السياسة الروسيّة في أوكرانيا.
ما بعد حصول ماكرون على ولاية ثانية ليس كما قبله. ستبقى أوروبا موحّدة، رغم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولن يتمكّن فلاديمير بوتين من إيجاد شرخ في داخلها كما كان يأمل في ذلك. استطاع الشعب الفرنسي إنقاذ فرنسا من الوقوع في يد اليمين المتطرّف الذي تمثّله مارين لوبن، التي حصلت على قرض من مصرف روسي في العام 2015 مع ما يكشفه ذلك من عمق للعلاقة القائمة بينها وبين فلاديمير بوتين. كان تركيز ماكرون على هذا القرض من بين العوامل التي ساعدت في تفوقّه على منافسته في المناظرة التلفزيونية التي تواجها فيها في العشرين من الشهر الجاري، وهي مناظرة لم يستطع فيها الرئيس الفرنسي توجيه ضربة قاضية إلى لوبن.
ارتاحت أوروبا، لكنّ فرنسا لن ترتاح. في النهاية، ذهبت نسبة تقترب من 42 في المئة من الناخبين إلى مارين لوبن التي لا ترفض إدانة الحرب الروسيّة على أوكرانيا فحسب، بل لا تخفي إعجابها ببشّار الأسد، وهو رئيس لنظام يشنّ حرباً على شعبه منذ ما يزيد على أحد عشر عاماً.
من هذا المنطلق، لن يتمكّن إيمانويل ماكرون من تجاهل تحوّل مارين لوبن إلى زعيمة لمعارضة حقيقية في بلد لم يسبق لليمين المتطرّف أن حقّق فيه نسبة تقترب من 42 في المئة في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة. كان أقصى ما حققه والدها جان ماري لوبن عندما خاض الانتخابات الرئاسية نسبة 34 في المئة من الأصوات. يشير مثل هذا التطور إلى انقسامات حقيقية في المجتمع الفرنسي حيث هناك أيضاً فئات يساريّة وفوضويّة تحلقت نحو المرشح الرئاسي جان لوك ميلانشون الذي حاز نسبة أقلّ بقليل من 22 في المئة من أصوات الناخبين في الدورة الأولى للانتخابات.
كان فوز ماكرون إنقاذاً لأوروبا ولوحدتها التي بات يهددها اليمين المتطرف واليسار في الوقت ذاته. هل في استطاعة الرئيس الفرنسي تحسين أدائه في اثناء ولايته الجديدة التي مدتها خمس سنوات؟ الأهم من ذلك كلّه، هل يستطيع إدراك حدود ما تستطيع فرنسا عمله وما حجم وزنها في السياسات الدولية؟
لا شكّ في أنّ إيمانويل ماكرون سيواجه صعوبات كبيرة وتحديات من نوع جديد أيضاً بعدما حققت مارين لوبن ما حققته. وصل الأمر بزعيمة اليمين المتطرّف الى أن وصفت نتيجة الانتخابات الرئاسيّة بـ”الانتصار الرائع”!
لا شكّ في أن إيمانويل ماكرون يمتلك كفاءات استثنائيّة، أقلّه نظرياً، لكنّ هناك شكّاً في إمكان استفادته من التجارب التي مرّ بها في السنوات الخمس الماضية ليقتنع بأنّه في حاجة إلى تعلّم الكثير عن الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وعن العالم وإيران تحديداً. لا يستطيع اتباع سياسة مهادنة لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” في أي شكل من أجل إقناعها برفع يدها عن لبنان… أو عن سوريا أو عن العراق. يفترض بالرئيس الفرنسي الاقتناع نهائياً بأن إيران لا تريد وجوداً لفرنسا، لا في لبنان ولا في سوريا ولا في العراق. أكثر من ذلك، ثمّة قناعة لا بدّ من توافرها لدى إيمانويل ماكرون بأنّ العلاقة الروسيّة – الإيرانيّة أعمق بكثير مما يتصوّر. لا يمكن الفصل بين روسيا وإيران، أي بين فلاديمير بوتين و”الحرس الثوري” الذي يحكم “الجمهوريّة الإسلاميّة”.
يبقى أخيراً أنّ الولاية الثانية لماكرون ستكون، إلى حدّ كبير، محكومة بالعلاقة بين فرنسا وألمانيا التي تسير في نهج مختلف عن الذي سارت عليه في الماضي. يقوم هذا النهج على الطلاق الكامل مع الغاز الروسي والاعتماد عليه… ومع فلاديمير بوتين نفسه الذي زرع مارين لوبن في فرنسا. إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل ما الذي تريده الإدارة الأميركيّة وما هي حقيقة سياستها الأوروبيّة في ضوء ما يدور في أوكرانيا.
ستكشف الولاية الثانية لإيمانويل ماكرون هل تعلّم الرجل شيئاً من ولايته الأولى، خصوصاً من الفشل الفرنسي في لبنان، وهو فشل مرتبط أساساً باستخفاف إيراني بالنفوذ الفرنسي في هذا البلد، بصفة كون هذا النفوذ صار جزءاً من الماضي لا أكثر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى