#ترجمات أجنبيةشؤون مكافحة الاٍرهاب

فورين بوليسي: وثائق أسامة بن لادن تكشف عن تنظيم أضعف مما كان يتصوره الكثيرون

 فورين بوليسي ١-٦-٢٠٢٢م،  بقلم كول بونزل،

قبل أحد عشر عاما، وتحديدا في الثاني من مايو 2011، هاجم فريق أميركي بقيادة القوات البحرية الخاصة مجمع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان. وانتهت العملية في غضون 48 دقيقة بمقتله مع عدة أشخاص آخرين.

وفي آخر 18 دقيقة من الغارة، جمعت القوات محركات الأقراص الثابتة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية لتنظر فيها وكالات الاستخبارات. وثبت أن الوقت الإضافي الذي خُصص لجمع هذه المواد كان قيما، حيث من المحتمل أنه أدى إلى مقتل قادة رئيسيين آخرين من القاعدة في الأسابيع والأشهر التي تلت الغارة.

ورفعت أجهزة الاستخبارات الأميركية السرية تدريجيا عن الوثائق التي جُمعت من أبوت آباد منذ ذلك الحين، وأطلقتها للجمهور على مراحل. ورفعت وكالة المخابرات المركزية السرية عن جميع الملفات الموجودة في نوفمبر 2017.

أول دراسة شاملة للأرشيف قدمتها الباحثة الأميركية المختصة في الحركات المتطرفة نيللي لحود، وتحمل عنوان “أوراق بن لادن: كيف كشفت غارة أبوت آباد حقيقة القاعدة وزعيمها وعائلته”. وتقدم المؤلّفة نظرة من وراء الكواليس على بن لادن ومنظمته في العقد الذي تخلل هجمات 11 سبتمبر وغارة أبوت آباد.

دققت لحود في أكثر من ستة آلاف صفحة من الوثائق باللغة العربية التي شملت مراسلات بن لادن الداخلية مع شركائه وتأملاته الشخصية. وقد تواصل بن لادن مع أعضاء القاعدة الآخرين عن طريق حفظ الملفات الإلكترونية على وحدات التعريف المشترك (بطاقات سيم) المُرسلة عبر شبكة أدى الكشف عنها في النهاية إلى مقتله. ولكنها مكّنته من التواصل مع شركائه في منطقة وزيرستان الباكستانية وأماكن أخرى لمدة ست سنوات من 2005 إلى 2011.

ابن لادن كان مسؤولا بالكامل عن تنظيم القاعدة حتى وفاته. ولكنه تراجع عن قوته السابقة. فعلى عكس الصورة التي سعى فيها قادة القاعدة إلى إبراز التنظيم باعتباره عملاقا في الحركة الجهادية العالمية، وهو تصور يتشاركه العديد من المسؤولين الحكوميين الغربيين ومحللو الإرهاب الذين غالبا ما خلطوا بين القاعدة والحركة الجهادية العالمية الأكبر، التنظيم ضعف بشدة في الأشهر التي تلت الحادي عشر من سبتمبر وبحلول 2004، كان التنظيم “قد دُمّر تقريبا”. حيث قُتل أو اعتُقل معظم كبار قادته. واشتكى العديد من القادة لبن لادن في ذلك العام من “الآلام” و”المشاكل” العديدة التي يواجهونها.

وأراد بن لادن من مساعديه تركيز جهودهم على التخطيط لهجمات إرهابية دولية، لكن المجموعة لم تكن قادرة على تنفيذ أوامره. ولم تجد لحود أيّ دليل يؤكّد أن القاعدة دبّرت الهجمات الكبرى المنسوبة إليها خلال هذه الفترة، بما في ذلك تفجيرات مدريد في 2004 وتفجيرات لندن سنة 2005.

من الواضح  أن بن لادن كان محبطا من عدم قدرة مجموعته على شن هجمات دولية. حيث أراد أن تركّز شبكته على مهاجمة الأميركيين حصريا، بهدف تحقيق “توازن رعب” مع الولايات المتحدة. ورأى أن تنفيذ عمليات واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة فقط يمكن أن يجعل الأميركيين يضغطون على حكومتهم لترك الشرق الأوسط.

وكان إجبار الولايات المتحدة على سحب قواتها العسكرية من المنطقة هدفا طويلا لبن لادن، وجعله التزامه باستراتيجية “العدو البعيد” على خلاف مع الجماعات الجهادية الإقليمية التي تعمل تحت اسم القاعدة.

وبدأت هذه الجماعات التابعة للقاعدة في الظهور في 2003 و2004. وكانت أشهر حالة هي جماعة التوحيد والجهاد بقيادة الجهادي الأردني أبومصعب الزرقاوي. وأعادت تسمية نفسها بالقاعدة في العراق بعد أن أدى الزرقاوي قسم الولاء لبن لادن في أواخر 2004. وكانت التوترات بين القاعدة وجماعة الزرقاوي معقّدة.

قيادة القاعدة المركزية لم تكن أبدا قادرة على السيطرة على الأحداث على الأرض في العراق. وبحلول 2007، كانت الجماعة التي تتخذ من العراق مقرا لها، والمعروفة الآن باسم دولة العراق الإسلامية، قد قطعت على ما يبدو الاتصال بالقاعدة تماما. وبعد ثلاث سنوات، اقترح بن لادن إعادة تسميتها، ربما إلى إمارة العراق الإسلامية، لكن سيطرته على عملياتها كانت منعدمة.

وكان تأثير بن لادن أكبر إلى حد ما على فروع القاعدة في شمال أفريقيا (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) واليمن (القاعدة في شبه الجزيرة العربية). ولكن التوترات والخلافات كانت موجودة في الشرق الأوسط أيضا حسب تحليل لحود.

وأدرك بن لادن وجود انفصال استراتيجي أساسي بين الفروع الإقليمية من خلال استراتيجياتها الموجهة محليا ورؤيته الخاصة للجهاد العالمي. وكان موقفه، كما كتب في 2010، أنه لن يدخل في صراع مع الأنظمة المحلية إلا عندما “يُستنزف زعيم الكفر العالمي (أي الولايات المتحدة) من سلطاته ويوشك على الانهيار”.

بعبارات أخرى، كان من الضروري مهاجمة الولايات المتحدة وهزيمتها كشرط مسبق لتكون القاعدة قادرة على شن جهاد فعال ضد الحكام المحليين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين تعارضهم الجماعة. ومع عدم انخراط الشركاء في هذه الرؤية، رأى أنهم أصبحوا “حِملا ثقيلا”.

عدم توافر سيل من الأدلة على وجود تحالف بين القاعدة وإيران، وهي دولة غالبا ما ينظر إليها المسؤولون والمحللون الغربيون على أنها دعمت التنظيم في السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر. وفي حين أن إيران وفرت ملاذا لأولئك الأعضاء الذين فروا من أفغانستان وباكستان في أواخر 2001، فإن العلاقة كانت مشحونة منذ عام 2002. واحتجزت إيران عددا من قيادات القاعدة وعائلاتهم، ما دفع بعضهم إلى الإضراب عن الطعام ومحاولة الهروب. وأدت هذه الإجراءات، جنبا إلى جنب مع اختطاف القاعدة للمسؤولين الإيرانيين لغرض التوسط في تبادل الأسرى، في النهاية إلى إفراج إيران عن معظم المعتقلين بحلول سنة 2011.

وكانت علاقة القاعدة بطالبان الأفغانية أكثر ودية، رغم أن هناك أدلة على عدم الثقة. إذ كان بن لادن يقدّر الملا عمر، الذي قاد طالبان حتى وفاته في 2013، لكنه كان يشك بشدة في أولئك الذين اعتبرهم على استعداد لخلافته. وكانت طالبان، في نظر بن لادن، منقسمة بين معسكر “صادق” من القادة الأتقياء ومعسكر ثانٍ يخضع للاستخبارات الباكستانية. وتسبب هذا الانقسام في قلقه بشأن مستقبل علاقة القاعدة بالجماعة، خاصة إذا كانت طالبان ستنخرط في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة (كما فعلت لاحقا). ولذلك فإن مخاوف بن لادن يجب أن تدفعنا إلى التشكيك في الادعاءات القائلة بأن عودة طالبان إلى السلطة تعني حتما إعادة تقوية القاعدة.

لكن على أن المراقبين المطلعين سيميلون إلى التشكيك في بعض استنتاجات الباحثة. وسيقولون إن الخلافات كانت موجودة بين طالبان والقاعدة، لكن الجماعة رفضت التنصل من القاعدة وإقصاءها خلال المفاوضات بشأن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.

نعم، لم يتعاون الإيرانيون والقاعدة دائما، ولكن الحقيقة تظل أن إيران وفرت المأوى للشبكة الإرهابية التي هاجمت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر وتستمر في منحه. ولم تمارس القاعدة دائما سيطرتها على فروعها الإقليمية، لكن الجماعات التابعة لها رفعت مكانتها ونشرت رسالتها في الجهاد العالمي عبر المنطقة. كذلك، لم يكن بن لادن متورطا شخصيا في تفجيرات مدريد ولندن، لكنه مع ذلك ألهم الجناة بكلماته ومثاله.

ويحمل التشكيك مزايا، لكن الموضوع المهيمن هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها بالغوا في تقدير التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة كمنظمة مركزية في العقد الذي تلا 11 سبتمبر. ولا يزال هذا الخطأ مستمرا.

تنظيم القاعدة الذي يتزعمه بن لادن لم يكن وحشا في المشهد الجهادي كما توقّع الكثيرون، بل كان تنظيما ضعيفا يتسم بالعجز العملي وعدم القدرة على السيطرة على الجماعات التي تعمل باسمه.

وتكمن المفارقة في أن الحركة الجهادية الأكبر كانت تزداد قوة شعبية مع ضعف تنظيم القاعدة. ففي 2013 – 2014، أي مع ظهور الدولة الإسلامية في المقدمة، فشل خليفة بن لادن، أيمن الظواهري، في وضع حد لصعود الجماعة وأمر أبا بكر البغدادي، الذي قاد الدولة الإسلامية آنذاك، بمغادرة سوريا وحصر أنشطته في العراق دون جدوى. وتساعد رواية لحود في وضع تحدي البغدادي للظواهري في سياقه، حيث كانت القاعدة منظمة تجاوزت زمانها وأمكن تجاهلها بسهولة.

وقد يردّ البعض أن القاعدة نجت من عاصفة الدولة الإسلامية وأنه يمكن أن تدعي بمصداقية أنها انتصرت على الولايات المتحدة في أفغانستان مع انتصار طالبان. لكن بالنظر إلى سجل القاعدة بعد 11 سبتمبر كما روته لحود، فإن هذه الرواية تعتبر مبالغا فيها.

لكن هذا لا يعني، أن الحكومات الغربية يجب أن تكون راضية عن الحرب ضد القاعدة. بل يجب أن يكون منع إحيائها أولوية، وتجب محاسبة طالبان وإيران على أيّ دعم أو حرية حركة يقدمانها للتنظيم. كما أنه لا يعني أن الحركة الجهادية الأكبر، بما في ذلك الفروع الإقليمية للقاعدة وشبكة الدولة الإسلامية مترامية الأطراف التي لها فروع من نيجيريا إلى باكستان، تشكل تهديدا أقل.

فلا تزال الحركة تمثل تحديا هائلا ومستمرا، على الرغم من أن الدول والشعوب المحلية مُستهدفة أكثر من الغرب. وتقتصر القضية المطروحة عما إذا تمت المبالغة في نفوذ تنظيم القاعدة كمنظمة مركزية.

* الباحث في الحركات الجهادية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى