ترجمات أجنبية

فورين بوليسي – كيث جونسون – الأزمة الإيرانية – السعودية تُحيي سؤالا قديما : هل تحتاج الولايات المتحدة إلى التواجد هناك من الأساس؟

فورين بوليسي  – كيث جونسون * – 20/9/2019

الهجوم الذي وقع في نهاية الأسبوع قبل الماضي على منشآت النفط السعودية -والذي وصفه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبو بأنه “عمل حرب”- دفع المسؤولين الأميركيين والسعوديين إلى معايرة ردّ محتمل ضد إيران، وهم يشتغلون على فرض عقوبات إضافية، لكنهم يلتزمون جانب الحذر عندما يتعلق الأمر بتوجيه ضربة عسكرية.

ومع ذلك، يثير هذا المؤقف سؤالاً أيضاً: هل يجب على الولايات المتحدة أن تستمر في إنفاق الدم والمال من أجل حماية تدفقات النفط في الخليج الفارسي، في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة، كما يقول الرئيس دونالد ترامب مراراً وتكراراً، مستقلة فعلياً في مجال الطاقة؟

بطبيعة الحال، يشكل الهجوم بالصواريخ والطائراتمن دون طيار على منشأتين نفطيتين سعوديتين، والذي تُلقي واشنطن والرياض بالمسؤولية عنه على طهران، جزءاً من الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. ولكن، بينما تزن الولايات المتحدة ردها، فإن ذلك يأتي في سياق التزام أميركي نادراً ما يخالطه الشك والمستمر منذ عقود بعمل كل ما يلزم لضمان تدفق النفط بحرية إلى خارج الخليج الفارسي.

يعود هذا الالتزام وراءً إلى الحرب العالمية الثانية، عندما قال الرئيس الأميركي في ذلك الحين، فرانكلين د. روزيفلت، إن الدفاع عن المملكة العربية السعودية وإمداداتها الهائلة من النفط يشكل طريقة للدفاع عن الولايات المتحدة نفسها. ثم أعاد الرئيس هاري ترومان التأكيد على ذلك الوعد بعد بضع سنوات. لكن الولايات المتحدة اضطلعت فعلياً بمهمة حماية إمدادات الطاقة من الخليج في الثمانينيات، عندما أعلن الرئيس جيمي كارتر عقيدته التي جاء فيها أن الولايات المتحدة سوف تحمي منطقة الخليج الفارسي ومخزوناتها الكبيرة من النفط من أي تدخل خارجي -بالعمل العسكري إذا لزم الأمر.

في ذلك الوقت، كان هذا الالتزام منطقياً. فقد استوردت الولايات المتحدة وحدها نحو مليوني برميل يومياً من نفط الخليج الفارسي في العام 1980، بل إن حلفاء الولايات المتحدة المهمّين، مثل أوروبا واليابان، كانوا أكثر اعتماداً على الخام القادم من المملكة العربية السعودية والعراق والدول الأخرى حول الخليج. وكان من المنطقي بعد عقد من ذلك، أن يتم إرسال نحو نصف مليون جندي أميركي للدفاع عن المملكة العربية السعودية وحمايتها من الرئيس العراقي صدام حسين. وبعد عقد آخر لاحقاً، عندما ورطت هجمات 9/11 الإرهابية (التي كان معظم المشاركين في تنفيذها من السعوديين) الولايات المتحدة في عقدين من الحروب في الشرق الأوسط، كان البلد أكثر اعتماداً على نفط الخليج الفارسي.

مع ذلك، تغيرت الصورة اليوم إلى حد كبير بعد ازدهار بطول عقد لإنتاج النفط الأميركي. وقد أصبحت الولايات المتحدة تستورد اليوم أقل من مليون برميل يومياً من تلك المنطقة -أي أقل من نصف الكميات التي كانت تستوردها عندما تعهد الرئيس كارتر بحماية هذه التدفقات. كما أن أوروبا خفضت هي أيضاً اعتمادها على خام الخليج الفارسي. والآن، تتجه ثلاثة من كل أربعة براميل نفط تغادر مضيق هرمز إلى آسيا –معظمها إلى الصين، والهند، واليابان وكوريا الجنوبية.

يقول والي نصر، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة: “تنتمي عقيدة كارتر إلى السبعينيات، عندما كانت الولايات المتحدة معتمدة بكثافة على نفط الشرق الأوسط. والسؤال الآن هو: هل ما تزال تلك العقيدة صالحة وقابلة للتطبيق”؟

يبدو أن ترامب لا يعتقد ذلك. وبطريقة فريدة بين الرؤساء الأخيرين للولايات المتحدة، لم يطرح ترامب أبداً فكرة أن على الولايات المتحدة حماية إمدادات نفط بقية العالم. وفي هذا الصيف، تماماً بينما كانت تهدد إيران بوقف صادرات النفط من المنطقة وتثير قلق المستهلكين في أوروبا وآسيا، ألقى ترامب ضوءاً على أربعة عقود من إجماع واشنطن.

كتب ترامب في “تويتر”: “لماذا نقوم بحماية خطوط شحن الدول الأخرى (لسنوات عديدة) مقابل تعويض يساوي صفراً؟ بل إننا لسنا في حاجة إلى أن نكون هناك بما أن الولايات المتحدة أصبحت لتوها (وبفارق كبير) أكبر منتج للطاقة من أي مكان في العالَم”!

ولم يغير ترامب لهجته كثيراً، حتى في أعقاب الهجمات الأخيرة على المنشآت النفطية السعودية في نهاية الأسبوع قبل الماضي، حيث زرع المزيد من الشك والقلق لدى المملكة العربية السعودية وبقية دول المنطقة من أن الولايات المتحدة ربما لا تكون راغبة في تقديم الدعم لها بنفس المقدار كما كان الحال في الماضي. ومع ذلك، من المفارقات أنه على الرغم من انتقاد ترامب المركّز لالتزام الولايات المتحدة من جانب واحد بحماية إمدادات الطاقة العالمية، فإنه يظل قريباً من فكرة كارتر الأصلية -أن حماية تدفقات نفط الخليج الفارسي يجب أن تكون جهداً جماعياً، والذي ينبغي أن تشارك فيه كل دولة تعتمد على نفط المنطقة.

الحجة الرئيسة لاستمرار الولايات المتحدة في تحمل عبء يتكلف ما يقدر بنحو 81 مليار دولار في السنة تتكون في الأساس من شقين. الأول: أن ضمان وصول نفط الخليج الفارسي إلى السوق العالمية يُبقي أسعار النفط مستقرة (حتى في الولايات المتحدة نفسها)، ويساعد في دعمالاقتصاد العالمي. والثاني: يقول الخبراء إن الوجود طويل الأمد للقوات الأميركية في المنطقة يوفر للولايات المتحدة فوائد ضمنية غير ملموسة.

يقول سكوت سافيتز من مؤسسة راند: “هذه المسؤولية لها تكاليف، لكن لها فوائد أيضاً، بما فيها المساعدة في تشكيل المنطقة بطرق تفضي إلى خدمة المصالح الأميركية”.

ويضيف سافيتز: “إننا إذا غسلنا أيدينا وابتعدنا، فإن الأمور قد تصبح معقدة للغاية. هناك العديد من الجهات الفاعلة التي تسعى إلى لعب أدوار أكبر في المنطقة. ما الذي يمكن أن تفعله روسيا؟ هل سترغب الصين في اختبار الفرص والمخاطر الأكبر التي سينطوي عليها الاضطلاع بدور أكبر في المنطقة”؟

لعل جزءاً من السبب وراء استمرار الولايات المتحدة في إلزام نفسها بهذه المهمة بعد 40 عاماً هو أن قلة من القوات البحرية الأخرى في العالم يمكنها أن تضطلع بها بشكل واقعي. لا يمكن للقوات البحرية الأوروبية، وحتى البريطانية والفرنسية، حشد عدد كافٍ من السفن للقيام بعمليات مرافقة متفرقة لسفن الشحن. وقد أعادت الهند إحياء قوتها البحرية -لكنها تنظر إلى الشرق أكثر مما تنظر في اتجاه الخليج الفارسي. كما قامت اليابان أيضاً بتحديث قواتها البحرية، لكن لديها قيوداً دستورية على استخدام القوة العسكرية بعيداً عن الوطن.

يترك هذا البحرية الصينية المتنامية كواحدة من البدائل القليلة الممكنة للوجود الأميركي في منطقة الخليج الفارسي.

يبدو أن قيام السفن الصينية بحراسة المنطقة والاضطلاع بالمهمة الشُرطية يستجيب لمطلب ترامب بتقاسم الأعباء بصورة أكثر إنصافاً؛ وتعتبر الصين، التي تشكل أكبر مستورد للنفط في العالم، أكبر مستهلك آسيوي لنفط الخليج الفارسي، حيث تحصل على حوالي 40 في المائة من نفطها من تلك المنطقة.

على مدى العقد الماضي، زادت الصين بشكل كبير من قدرتها على العمل خارج الوطن، خاصةً حول منطقة الخليج الفارسي. ومنذ أكثر من 10 سنوات، شاركت السفن الصينية في دوريات مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال. كما اختلست الصين سلسلة من الموانئ المدنية اسمياً، والتي تطوِّق المحيط الهندي، مما قد يمنح قواتها البحرية وصولاً أبعد. كما أن لديها قاعدة عسكرية جديدة في جيبوتي، والتي يمكن أن تعطي قواتها المزيد من القوة والقدرة على البقاء محلياً.

ومع ذلك، ما يزال العديد من خبراء البحرية يتساءلون عما إذا كانت الصين تمتلك القدرة، أو لديها الإرادة السياسية، للاحتفاظ بأكثر من مجرد وجود بحري رمزي لها في الحيّ. ويقول لايل جولدشتاين، الخبير في شؤون الصين في كلية الحرب البحرية الأميركية، أنه حتى مع أن البحرية الصينية خطت خطوات واسعة في طريق تنفيذ العمليات البحرية خارج الوطن، وأن لها “قدرات رائعة مثيرة للإعجاب” في هذا المجال، فإن بكين تظل قلِقة من احتمال أن يتم امتصاصها إلى التورط في عملية طويل الأمد وبعيدة عن الوطن.

ويضيف: “تنظر الصين إلى الشرق الأوسط على أنه مقبرة القوى العظمى. ولا يتوق الصينيون إلى التورط في الشرق الأوسط -إنهم لا يفعلون على الإطلاق”.

ولكن، لضمان الاستقرار في المنطقة، وخاصة الحفاظ على تدفق النفط الذي تمس الحاجة إليه، فإن بكين ربما لا تحتاج إلى التواجد العسكري بقدر ما تحتاج إلى الأموال.

يقول نصر، من كلية جون هوبكنز: “لقد استثمرت الصين في كل من السعودية وإيران. ولذلك، يمكن للصين أن تتعامل مع هذه القضايا بشكل مختلف تماماً. نحن نشجع الانقسامات. لكن مصلحة الصين في الشرق الأوسط لا تكمن في تشجيع المواجهة بين إيران والسعودية؛ إن غريزتهم هي جعل الجميع يلعبون الكرة”.

بطبيعة الحال، في حين أن حمل الصين على تحمل عبء تأمين تدفقاتها النفطية سوف يعالج قلق الرئيس بشأن “الذين يركبون بالمجان”، فإنه سيقوض أهدافاً أخرى من أهداف إدارته، والتي تتعلق بكبح النفوذ الجيوسياسي الصيني المتزايد. وقد يعني منح الصين يداً طليقة تقريباً في منطقة الخليج الفارسي التنازل عن مجال حيوي للمصالح الأميركية وإعطائه لخصم ومنافس استراتيجي.

هذا هو السبب وراء اعتقاد العديد من خبراء الأمن بأن المهمة الأميركية المستمرة منذ نحو 40 عاماً ما تزال مبررة ومنطقية، على الرغم من أن حاجة الولايات المتحدة إلى نفط الخليج الفارسي تقل باطراد. وبدلاً من مجرد حماية تدفقات الطاقة من منطقة الخليج لتحقيق الاستقرار للأصدقاء والحلفاء والاقتصاد العالمي، يمكن للولايات المتحدة أن تحول هذه المهمة إلى جزء من حملتها لمواجهة نفوذ بكين.

يقول ستيفن ويلز، الضابط البحري السابق وخبير الحرب السطحية في مركز أبحاث “سي. أن. إيه”: “ربما تسعى الصين إلى تحصين تلك المنطقة بأكملها، ولذلك، فإن الحفاظ على الوجود الأميركي هناك يشكل كابحاً للعمليات الصينية. وهكذا، يستحق الأمر الأخذ بعين الاعتبار، من الناحية الاستراتيجية على الأقل. لا يتعلق الأمر بمجرد الحفاظ على تدفق النفط فحسب، بل إنه يتعلق أيضاً بخدمة الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة”.

لكن الإدارات الرئاسية الأميركية المتعاقبة سعت إلى الهروب من الشرق الأوسط، ووضعت المزيد من التركيز على التنافس بين القوى الكبرى في آسيا، خاصة بعد أن كثّفت الصين تنمرها بشكل كبير على الجيران الأصغر مثل فيتنام والفلبين، وأصبحت تطالب بمزيد من النفوذ في أجزاء كبيرة في غرب المحيط الهادئ. وبالنظر إلى الحجم الصغير نسبياً للقوات البحرية الأميركية الحالية، فسوف يعني تعزيز مهمة بحرية في الشرق الأوسط سيعني تخصيص عدد أقل من القطع البحرية لمنافسة الصين وتحديها أقرب إلى الوطن، كما يقول ويلز، الذي يضيف: “يعني وجود سفينة في الخليج أنها لا تتواجد في غرب المحيط الهادئ. ولذلك، هناك مفاضلات ومقايضات بالنسبة للبحرية الأميركية”.

* Keith Johnson: كاتب رفيع من كوادر مجلة “فورين بوليسي”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان :

Iran-Saudi Crisis Resurrects an Old Question: Does the U.S. Need to Be There at All ؟ 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى