فورين بوليسي - فيليب ليغرين - فيروس كورونا يقتل العولمة كما نعرفها - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

فورين بوليسي – فيليب ليغرين – فيروس كورونا يقتل العولمة كما نعرفها

0 68

فورين بوليسي  –  فيليب ليغرين –  12/3/2020

كان تفشي المرض بمثابة هدية للقوميين المعادين للهجرة وأنصار الحمائية، ويغلب أن يكون له تأثير طويل الأمد على حرية حركة الأشخاص والبضائع. وتشير العديد من الظواهر إلى أن أزمة فيروس كورونا تهدد بالإيذان بقدوم عالم أقل عولمة. وبمجرد أن يتراجع الوباء والذعر، فإن أولئك الذين يعتقدون أن الانفتاح على الناس والمنتجات من جميع أنحاء العالم شيء جيد بشكل عام سيحتاجون إلى الدفاع عن أطروحاتهم بطرق جديدة ومقنعة.

******

حتى وقت قريب، كان معظم صانعي السياسات والمستثمرين راضين عن التأثير الاقتصادي المحتمل لأزمة فيروس كورونا. وحتى أواخر شباط (فبراير) افترض معظمهم، خطأ، أنه لن يكون لها سوى تأثير وجيز ومحدود، ومقتصر على الصين. لكنهم أدركوا الآن أنها تولد صدمة عالمية قد تكون حادة -وإنما التي ما يزال المعظم يعتقدون بأنها لن تكون طويلة. ولكن، ماذا لو كان لهذا الاضطراب الاقتصادي أثر دائم؟ هل يمكن أن تكون جائحة فيروس كورونا هي المسمار الأخير في نعش الحقبة الراهنة من العولمة؟

سلطت أزمة فيروس كورونا الضوء على الجوانب السلبية في التكامل الدولي الكثيف، بينما تؤجج مشاعر المحلية والخوف من الأجانب وتوفر شرعية لتشديد اللقيود الوطنية على التجارة العالمية وتدفقات الناس.

الآن، أدركت جميع أنواع الأعمال التجارية فجأة مخاطر الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية المعقدة التي لا تعتمد على الصين فقط -وإنما على أماكن معينة مثل ووهان، مركز الوباء. وأصبح يُنظر إلى الشعب الصيني -والآن الإيطاليين، والإيرانيين، والكوريين وغيرهم- على نطاق واسع على أنهم ناقلات أمراض -حتى أن كبار السياسيين الجمهوريين في الولايات المتحدة وصفوا المرض بأنه “فيروس كورونا الصيني”.

وفي الأثناء، سارعت الحكومات من كل الأطياف والأنواع إلى فرض حظر للسفر، ومتطلبات إضافية على التأشيرات، وقيود على التصدير. وكان حظر السفر على معظم الوافدين من أوروبا الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 11 آذار (مارس)، واسع النطاق بشكل خاص، ولكنه بعيد عن أن يكون فريداً. كل هذا يجعل الاقتصادات أكثر محلية والسياسة أكثر قومية.

قد يكون الكثير من هذا الاضطراب مؤقتاً. لكن من المرجح أن يكون لأزمة فيروسات كورونا تأثير دائم، خاصة عندما تعزز الاتجاهات الأخرى التي كانت عاكفة على تقويض العولمة مسبقاً. وقد توجه ضربة إلى سلسلة التوريد الدولية المجزأة، وتقلل من النشاط المفرط لحركة المسافرين العالمية لرجال الأعمال، وتوفر مادة سياسية للقوميين الذين يفضلون المزيد من الحمائية وضوابط الهجرة.

أصبحت سلاسل التوريد العالمية المعقدة التي تتمحور حول الصين، والتي أصبحت تعتمد عليها العديد من الشركات الغربية، معرضة للخطر بشكل خاص. فقد تآكلت ميزة تكلفة الإنتاج المنخفضة في الصين في السنوات الأخيرة بينما أصبح ذلك البلد أكثر ثراء وارتفعت فيه الأجور. وسلط الضوء على مخاطر القيام بذلك قيام الرئيس ترامب بفرض تعريفات عقابية على الواردات من الصين في العامين 2018 و2019، وهو ما دفع الشركات إلى التدافع على البدائل.

في حين شكلت صفقة كانون الثاني (يناير) هدنة هشة في الحرب التجارية المستعرة بين الولايات المتحدة والصين، فإن مخاطر الإنتاج في الصين ما تزال قائمة؛ حيث ينظر كل من الديمقراطيين والجمهوريين بشكل متزايد إلى الصين كمنافس استراتيجي طويل الأجل والذي ينبغي احتواؤه. وبمجرد أن تراجعت حدة الحرب التجارية قليلاً، تدخل فيروس كورونا. ودفع الإغلاق واسع النطاق للعديد من المصانع الصينية الصادرات إلى الانخفاض بنسبة 17 في المائة في الشهرين الأولين من العام مقارنة بالعام السابق، وأدى إلى تعطيل إنتاج صناعة السيارات الأوروبية، وأجهزة الهواتف الخلوية “آي-فون”، وغيرها من السلع الاستهلاكية.

لا شك أن الجمود شيء فائق القوة. ما تزال هناك العديد من المزايا للإنتاج في الصين، مثل سعة النطاق والخدمات اللوجستية الفعالة. لكن أزمة فيروس كورونا يمكن أن تشكل نقطة تحول، والتي تدفع العديد من الشركات إلى إعادة تشكيل أنماط سلاسل التوريد والاستثمارات الخاصة بها في أنماط إنتاج أكثر مرونة وأكثر محلية في كثير من الأحيان.

أحد الخيارات هو تحويل وتنويع العمليات عبر الاقتصادات الآسيوية الأخرى، مثل فيتنام أو إندونيسيا. وثمة خيار آخر هو تقصير سلاسل التوريد، مع قيام الشركات الأميركية بنقل الإنتاج إلى المكسيك ونقل الشركات الأوروبية إنتاجها إلى أوروبا الشرقية أو تركيا. وهناك خيار ثالث، هو الاستثمار في الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الاقتصادات المتقدمة، بحيث تنتج محلياً وأقرب إلى المستهلكين.

ثمة نتيجة ثانية قد تكون دائمة لأزمة فيروس كورونا، هي تقليل سفر رجال الأعمال. وقد جادل قادة ومعلمو التكنولوجيا منذ فترة طويلة بأن تطبيقات مؤتمرات الفيديو والدردشة ستلغي الحاجة إلى معظم رحلات العمل، وتسمح للعديد من الأشخاص بالمزيد من العمل من المنزل. ومع ذلك، حتى قدوم أزمة فيروس كورونا استمر سفر الأعمال في النمو بطريقة بدا أنها لا هوادة فيها.

الآن، سواء أكان ذلك بسبب الحظر الحكومي أو قرارات العمل أو الحذر الفردي، فقد تم إلغاء جميع الرحلات الدولية باستثناء الأكثر أهمية، ويتجه أولئك الذين يمكنهم العمل من المنزل إلى البقاء فيه بشكل متزايد.

بفضل هذا البقاء القسري في المكان والتوقف عن الطيران، قد تكتشف الشركات أنه في حين أن الاجتماعات وجهًا لوجه تكون ضرورية أحيانًا، فإن البدائل التكنولوجية غالبًا ما تكون جيدة -أقل تكلفة بكثير، وأقل استهلاكاً للوقت، وأقل ضرراً بالحياة الأسرية. وفي وقت يتزايد فيه القلق بشأن تأثير انبعاثات الطائرات على المناخ، ومع حرص العديد من الشركات على إظهار التزامها بالوعي البيئي والاستدامة، ثمة سبب بيئي واقتصادي يبرر انخفاض سفر الأعمال.

وربما يكون الأهم من ذلك، أن أزمة فيروس كورونا تصب في صالح القوميين الذين يفضلون الحمائية ووضع ضوابط أكبر على الهجرة.

سلّطت سرعة ونطاق انتشار الفيروس في جميع أنحاء العالم الضوء على هشاشة الناس أمام تهديدات أجنبية تبدو بعيدة. ولم يقتصر انتشار فيروس كورونا على اجتياح مراكز عالمية مثل لندن ونيويورك فحسب. لقد قفز مباشرة إلى المدن الإقليمية مثل دايجو، رابع أكبر مدينة في كوريا الجنوبية؛ وإلى دور رعاية المسنين في ضواحي سياتل؛ وحتى إلى البلدات الصغيرة مثل كاستيلويني دادا (عدد السكان: 4.600) -وهي واحدة من المدن والبلدات العشر الأولى التي أغلقتها الحكومة الإيطالية في إقليم لومباردي في شباط (فبراير).

في حين أن القادة ذوي العقلية الدولية تحدثوا بعبارات لطيفة عن الحاجة إلى التعاون عبر الحدود في مواجهة تهديد مشترك غير مسبوق، فإن أفعالهم غالباً ما ناقضت ذلك. فقد فرضت العديد من الحكومات الليبرالية قيودًا على السفر والتجارة أكثر قسوة حتى مما تجرأ ترامب على فرضه في ذروة صراعه مع الصين العام الماضي.

سارعت جاسيندا أرديرن، رئيسة الوزراء اليسارية في نيوزيلندا، إلى منع المسافرين القادمين من الصين من غير المواطنين النيوزيلنديين من دخول البلاد. وفي حين أن مثل هذه الأنواع من الحظر الشامل ربما تكون مبررة أو غير مبررة على أسس تتعلق بالصحة العامة، فإنها توفر شرعية أكبر لأولئك الذين يرون في إغلاق الحدود حلاً لكل علة.

وحتى داخل السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي الخالية من العوائق، حظرت فرنسا وألمانيا تصدير الكمامات، وهو ما يشكل تجاوزاً كبيراً على الأممية الليبرالية والتزام الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشارة أنجيلا ميركل بالاتحاد الأوروبي. لكن الأكثر إثارة للصدمة مع ذلك هو أن أياً من حكومات الاتحاد الأوروبي الست والعشرين الأخرى لم تستجب لنداء إيطاليا العاجل لطلب المساعدة الطبية -على الرغم من أن الصين استجابت للنداء.

من المؤكد أن أزمة فيروس كورونا كشفت أيضا كم هي جوفاء تأكيدات أنصار المحلية ومعاداة المهاجرين على أن سياساتهم الحمائية والقومية تجعل الناس أكثر أمانًا. فعلى الرغم من أن الائتلاف القومي الذي يدير حكومة مقاطعة لومباردي الإيطالية يقوده حزب ماتيو سالفيني اليميني المتطرف “رابطة الشمال”، إلا أنه لم ينجح في حماية المنطقة من فيروس كورونا. ولم يتمكن ترامب، على الرغم من كل رغبته في الانفصال عن الصين، من منع فيروس كورونا من الوصول إلى الولايات المتحدة.

ربما يدفع ترامب نفسه ثمناً في الانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) بسبب لامبالاته وإدارته السيئة وغير الكفؤة لأزمة الصحة العامة في الولايات المتحدة. لكن أزمة فيروس كورونا تعد بشكل عام هدية سياسية للقوميين وكارهي الأجانب وأنصار الحمائية.

دفعت الأزمة بالتصورات بأن الأجانب يشكلون تهديداً إلى ذرى جديدة. وهي تؤكد أن البلدان التي تمر بأزمات لا تستطيع دائماً أن تعتمد على جيرانها وحلفائها المقربين في المساعدة. ومع تقييد الهند لصادرات الأدوية المنقذة للحياة من قطاعها الصيدلاني الهائل، فإنها توفر ذخيرة لحجج أولئك الذين يرغبون في توطين إنتاج جميع أنواع المنتجات وجعلها محلية فقط لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وعلى نطاق أوسع، قد تعزز الأزمة موقف أولئك الذين يؤمنون بالحكومة القوية، وإعطاء الأولوية للاحتياجات المجتمعية على الحرية الفردية، والعمل القومي على التعاون الدولي.

نتيجة لذلك كله، تهدد أزمة فيروس كورونا بالإيذان بقدوم عالم أقل عولمة. وبمجرد أن يتراجع الوباء والذعر، فإن أولئك الذين يعتقدون أن الانفتاح على الناس والمنتجات من جميع أنحاء العالم شيء جيد بشكل عام سيحتاجون إلى الدفاع عن أطروحاتهم بطرق جديدة ومقنعة.

*مؤسس OPEN، وهو مركز أبحاث دولي لقضايا الانفتاح، وزميل زائر كبير في المعهد الأوروبي بكلية لندن للاقتصاد. كان مستشاراً اقتصادياً لرئيس المفوضية الأوروبية من العام 2011 إلى 2014، وهو مؤلف لأربعة كتب حظيت بإشادة النقاد، منها “المهاجرون: بلدك يحتاج إليهم”؛ و”الربيع الأوروبي: لماذا اقتصاداتنا وسياساتنا في حالة فوضى -وكيف نصحح مساراتها”.

*عامل صحي يقيس حرارة السائقين عند الحدود السلوفينية-الإيطالية التي قررت سلوفينا إغلاقها – (أرشيفية)*مؤسس OPEN، وهو مركز أبحاث دولي لقضايا الانفتاح، وزميل زائر كبير في المعهد الأوروبي بكلية لندن للاقتصاد. كان مستشاراً اقتصادياً لرئيس المفوضية الأوروبية من العام 2011 إلى 2014، وهو مؤلف لأربعة كتب حظيت بإشادة النقاد، منها “المهاجرون: بلدك يحتاج إليهم”؛ و”الربيع الأوروبي: لماذا اقتصاداتنا وسياساتنا في حالة فوضى -وكيف نصحح مساراتها”. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.