فورين بوليسي - بقلم ستيفن كوك - أمريكا تتجه نحو مستقبل عراقي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

فورين بوليسي – بقلم ستيفن كوك – أمريكا تتجه نحو مستقبل عراقي

0 75

فورين بوليسي – بقلم  ستيفن إيه كوك  – 13/11/2020

بمجرد أن يفقد بلد ما إحساسه بهويته الوطنية ، فإن التفكك القومي غالبًا ما يكون بعيدًا عن الركب. 

«خلال رحلة إلى العراق قبل بضع سنوات، قضيتُ بعض الوقت في محافظة السليمانية، حيث التقيتُ بمجموعة من طلاب الجامعات الأكراد، من بين مجموعة متنوعة من الأشخاص المثيرين للاهتمام. وفي مرحلة ما من حديثنا سألتُ الطلاب: ما هي مجموعة الأفكار، والمبادئ، والتاريخ، والرواية الوطنية، التي تشاركونها مع طلاب الجامعات في بغداد أو البصرة؟ وكانت إجابتهم الجماعية: لا شيء».

أدهشني أن هذا الأمر كان لب مشكلة العراق. وإذا لم يتمكن العراقيون من الاتفاق على مجموعة مشتركة من الأفكار حول ما يعنيه أن تكون عراقيًّا، فإن مصير البلاد المحتوم يتلخص في أنها ستظل في حالة ممتدة من الانهيار الشديد الذي لا يُرجى الشفاء منه.

هذا المقال ليس هدفه إثبات أن حال الولايات المتحدة مثل حال العراق. لكن الأمريكيين لم يكونوا أبدًا مختلفين عن بقية العالم كما يعتقدون في لاوعيهم. ومثل عدد من البلدان الأخرى، في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، يجب على الولايات المتحدة أن تواجه الحالة المرضية التي أصابت هويتها.

التلاعب بمضمون الهوية

أعني بها الطرق التي يعرِّف بها الأمريكيون أنفسهم، وعلاقتهم بالدولة، وعلاقاتهم ببعضهم البعض. وبالطبع لدينا جميعًا ما يُسمِّيه علماء الاجتماع (مخزن الهوية)، والتي نؤكد على أجزاء منها في أوقات مختلفة بناءً على الظروف.

القادة السياسيين غالبًا ما يستخدمون الهوية لتعزيز مصالحهم الخاصة، أو مصالح بلادهم. ونذكر مثالًا في هذا الصدد، بعبد الفتاح السيسي، الذي سعى بعد وصوله إلى السلطة في مصر إلى إعادة صياغة القومية المصرية بطريقة أبعدت عدوه اللدود، جماعة الإخوان المسلمين، عن الانتماء القومي. وفي بعض الأحيان، أطَّر القادة السعوديون والإيرانيون تنافسهم الإقليمي على أساس الهوية الدينية. وتكمن المشكلة، بطبيعة الحال، في أنه من الصعب التفاوض وحل النزاعات عند التعبير عنها على أنها صراع بين السنة والشيعة.

هل يجمع الأمريكيين هوية وطنية مشتركة؟

ما علاقة كل هذا بالولايات المتحدة؟ وأجاب بأنه وثيق الصلة بشكل كبير، وأوضح: «عندما كنتُ في السليمانية أتجاذب أطراف الحديث مع طلاب الجامعة الأكراد، أتذكر أنني كنتُ أفكر في مدى اختلاف النظرة بين الأكراد العراقيين، والعرب العراقيين عن الأمريكيين.

كان لدي اعتقاد راسخ أنه على الرغم من أنني أنحدرُ من منطقة متميزة في الولايات المتحدة ولدي تاريخ عائلي مميز خاص بي، إلا أنني ما زلتُ أشارك أشخاصًا آخرين في جميع أنحاء البلاد في الأفكار الأساسية المتعلقة بمعنى أن تكون أمريكيًّا».

أدركتُ، بالطبع، أن هذا يمثل نوعًا من السذاجة بعض الشيء وأنه في حد ذاته نتاج خبراتي وتعليمي الفريدين، في ضوء كيفية استمرار الأشخاص من الملونين والنساء والمهاجرين وغيرهم في مواجهة الظلم. ومع ذلك، لا أعتقد أنني كنت ساذجًا للغاية بحيث لا أصدق (أو ربما كان ذلك أملًا) أن أعدادًا كبيرة من الأمريكيين يمكن أن يتفقوا على الروح التأسيسية للدولة والشعور بأنه، حتى لو لم نرتقِ إلى تلك الروح، فإننا مع ذلك نسعى جاهدين لتحقيقها».

إن ذلك ثبت من خلال الصداقات التي كانت بينه وبين أشخاص لا يشترك معهم، إلا في القليل، والذين لا يتفق معهم في جميع القضايا السياسية تقريبًا. ويضرب مثالًا على ذلك فيقول: «زميل لي من منطقة الغرب الأوسط العليا. في البداية، كانت وسيلتنا الوحيدة للاتصال هي المحاور الثقافية لكوننا مراهقين في الثمانينات من القرن الماضي – وهي ما يمثل جزءًا من مخزن هويتنا. ومع ذلك، وبمرور الوقت، اكتشفنا أننا نؤمن بعديد من المبادئ والأفكار الأساسية نفسها التي تدعم هويتنا بصفتنا أمريكيين – مثل الحرية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، على سبيل المثال لا الحصر – على الرغم من أننا نصوِّت في الانتخابات بطرق مختلفة للغاية».

لكن في الآونة الأخيرة – يقول الكاتب – بدأتُ أتساءل عما إذا كان هذا صحيحًا بالمعنى العام. هل يشترك عدد كافٍ من الأمريكيين في الشعور بالانتماء القومي بحيث لم يزل بإمكاننا الإشارة إلى هوية وطنية مشتركة؟ وهل فعلنا ذلك من قبل؟ والحقيقة أنه على مدى السنوات الأربع الماضية كشف الرئيس دونالد ترامب – بل عمَّق لدي – جوانب في المجتمع الأمريكي زرعت الشك في ذهني بشأن هذا الأمر.

الشدائد تصنع الهوية الوطنية

 قرأتُ مؤخرًا كتابًا عن الولايات المتحدة حتى وصولها إلى الحرب الأهلية وخلالها. إن أوجه الشبه بين وضعنا الحالي وحقبة ما قبل الحرب صارخة ومقلقة. لكنني أعتقد منذ مدة طويلة أن المحاكمات والانتصارات اللاحقة للبلاد – مثل إعادة الإعمار، والحرب العالمية الأولى، والكساد العظيم، والحرب العالمية الثانية، وحركة الحقوق المدنية، والحرب الباردة، والعولمة، وثورة التكنولوجيا – ربطت البلاد ونسجت خيوطها معًا من خلال تشكيل هوية مشتركة. وأنتج هذا التاريخ أساطير حول المشروع القومي لأمريكا يمكن للجميع المشاركة فيها.
وبطبيعة الحال لم تكن الرواية القومية لأمريكا دائمًا هي المادة التي تغمرها الشمس التي صورها الرئيس رونالد ريجان في برنامج «الصباح في أمريكا». فإعادة الإعمار فشل، وما زلنا نعيش مع إرث قانون جيم كرو. ولم تزل سياسات الهجرة الأمريكية الحالية وصمة عار في جبين البلاد، بحسب تعبير الكاتب.

على الرغم من النجاح الملهم الذي حققته نائبة الرئيس المُنتخب كامالا هاريس، لم يزل النساء يتقاضين أجورًا منخفضة، ولا يُقدَّرن حق قدْرَهن كثيرًا، وغالبًا ما يُساء إليهن في المعاملة في كثير من مجالات الحياة الأمريكية. لكن الرواية المُشبعة بالأساطير، والتي أصبحت أساسًا مركزيًّا للهوية الأمريكية خدمت غرضًا موحدًا مهمًا. ومن بين أفضل المظاهر المادية لتلك الهوية – كما أراد مؤسسيها أن تكون – جسر أرلينجتون التذكاري الذي يربط العاصمة واشنطن بفيرجينيا مع نصب لنكولن التذكاري في أحد طرفيه ومقبرة أرلينجتون الوطنية، ومنزل روبرت إي لي في الطرف الآخر.

مرةً أخرى، بينما يجري تجاهل عديد من الأمريكيين بسبب الرمزية المقصودة للجسر، فإن شكل هذه البادرة نحو الوحدة والهوية المشتركة هو الأمر المهم الذي يجب الحفاظ عليه. ويخضع الجسر لأعمال بناء خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن يبدو أن ما يعنيه من الناحية الرمزية قد فُقِد. ونظرًا لعدم قدرتنا على إجراء حوار، يظل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة مطروحًا: هل يريد الأمريكيون تشكيل هوية مشتركة أم لا؟

هناك أوجه تشابه مقلقة مع طريقة تفكير من تحدث إليهم في السليمانية بشأن بلدهم، مضيفًا: «لقد عانوا هم ومواطنوهم في أماكن أخرى من البلاد عواقب وخيمة نتيجة عدم قدرتهم على الاتفاق على ما يعنيه أن تكون عراقيًّا، لدرجة رفض الفكرة نفسها لدى عديد من الأكراد. من ثم تجلت الهوية المتنازع عليها في الشرق الأوسط في حالة عدم الاستقرار السياسي والعنف والصراع الأهلي. والأمريكيون – على الرغم مما نحدِّث به أنفسنا عن وضعنا الاستثنائي – ليسوا بمنأى عن الانتهاء إلى مصير مماثل».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.