فورين أفيرز: ساحة المعركة الذاتية التشغيل
سيكون على الجيوش أن تحسم مسبقاً أي القرارات يجب أن تبقى بيد البشر وأيها يمكن تفويضه إلى الآلات

فورين أفيرز مارس/أبريل 2026، ديفيد بترايوس وإسحاق س. فلاناغان: ساحة المعركة الذاتية التشغيل
لن تعلن حقبة الحرب المؤتمتة أو الذاتية التشغيل عن نفسها عبر جيوش من الروبوتات تسير في ميادين القتال. بل إنها تتشكل بالفعل، بهدوء وعلى نحو لا يمكن وقفه، في سماء شرق أوكرانيا وحقولها، وبدرجة أقل في الشرق الأوسط، حيث تنفذ المهام بوتيرة تعجز القدرات البشرية عن مجاراتها، وحيث تؤدي الحرب الإلكترونية إلى قطع الصلة بين المشغلين وآلاتهم. وقريباً جداً، لن تعود الأنظمة الذاتية التشغيل تعمل فرادى، بل ستنتظم، مع مرور الوقت، في تشكيلات بحجم فصائل أو حتى كتائب، تتبادل المعلومات وتنسق في ما بينها من دون تدخل بشري. والطرف الذي ينتظر موافقة الإنسان قبل أن يتحرك سيكون هو الخاسر.
ويفرض هذا التحول على الجيوش أن تعيد التفكير، لا في طبيعة القيادة فحسب، بل في الطبيعة الأساسية للحرب نفسها. والتحدي هنا لا يقتصر على التكنولوجيا والصناعة، على رغم أن هذين البعدين بالغا الأهمية. فالمهندسون الأوكرانيون يطورون بالفعل بوتيرة سريعة برمجيات للملاحة الذاتية، فيما يعمد الفنيون العسكريون الأوكرانيون إلى تجميع المسيرات بمنظور الشخص الأول وأنواع أخرى بأعداد هائلة: نحو 3.5 مليون العام الماضي، مع احتمال بلوغ 7 ملايين هذا العام، مقارنة بما بين 300 ألف و400 ألف فقط تجمع سنوياً في الولايات المتحدة حالياً. وسيكون على الجيش الأميركي أن يتكيف بسرعة أكبر بكثير، سواء لإنتاج المسيرات بالأعداد المطلوبة أو لتعلم كيفية استخدام الأنظمة الذاتية التشغيل بفاعلية.
لكن العتاد والبرمجيات لن يكونا كافيين. فالأمر لا يقل حاجة إلى تطوير مفاهيم وعقائد عسكرية جديدة، وتعديل البنى التنظيمية، وإرساء أنماط جديدة من التعليم والتدريب العسكريين تتلاءم مع ما تتطلبه الحرب الذاتية التشغيل. وهذه كلها مجالات تميل فيها المؤسسات العسكرية غالباً إلى البطء المفرط في التحرك. لكن الجيوش التي تبادر أولاً إلى تغيير طريقة تفكيرها في القيادة وفي المسار الذي تتطور فيه طبيعة الحرب، هي التي ستحدد أي الدول سيفوز في حروب المستقبل.
التعلم الآلي
تندرج الأنظمة بلا طيار او طاقم بشري في الحرب ضمن طيف واسع، لكن ليس كل ما يندرج ضمن هذا الطيف ذاتي التشغيل. ففي أحد طرفيه توجد الأنظمة التي تدار من بعد، أي الآلات التي يقودها أو يوجهها مشغل بشري بصورة متواصلة عبر وصلة اتصال. ولنتذكر هنا، مثلاً، مشغل طائرة “بريديتور” في نيفادا وهو يقود مهمة فوق أفغانستان. وقد بدأت الجيوش إدخال الأنظمة التي تدار من بعد منذ عقود. فاستخدام الطائرات بلا طيار بوصفها أهدافاً تدريبية يعود إلى الحرب العالمية الأولى، كما أن الأسلحة الجوية الموجهة كانت مستخدمة بالفعل في الحرب العالمية الثانية. لكن العصر الحديث للتحكم من بعد بدأ عام 1995، حين نفذت “بريديتور” أولى مهامها الاستطلاعية فوق البوسنة. وبحلول عام 2015، كان الجيش الأميركي يشغل ما يقارب 11 ألف مركبة جوية بلا طيار، بعدما كان العدد 90 فقط عام 2001، ويخطط البنتاغون الآن لنشر أكثر من 300 ألف منها. واليوم، يقدر أن نحو 200 ألف طائرة مسيرة تدار من بعد تطلق شهرياً في أوكرانيا، إلى جانبمسيرات بحرية أغرقت سفناً حربية روسية، بل وأسقطت في إحدى الحالات مقاتلات فوق البحر.
لكن أياً من هذه الأنظمة، على رغم ما يبدو عليها من تطور، ليس ذاتي التشغيل. فهي لا تزال تعتمد على وجود إنسان يمسك بزمام التحكم. ذاتية التشغيل تبدأ حين لا يعود ذلك الإنسان ضرورياً، إما لأن الحرب الإلكترونية تقطع وصلة القيادة والسيطرة فتتولى البرمجة المدمجة أثناء تنفيذ المهمة، أو لأن النظام لم يعد في حاجة إلى قيادة من بعد كي ينجز مهمته. وهذه العتبة يجري تجاوزها بالفعل في أوكرانيا. فالأنظمة بلا طيار لدى كل من كييف وموسكو باتت، على نحو متزايد، تتحول تلقائياً إلى البرمجة المدمجة فيها عندما يؤدي التشويش إلى قطع الاتصالات، فتواصل مهمتها إلى أن تستعاد السيطرة البشرية أو تنجز المهمة بالكامل.
وقد وسعت كل من كييف وموسكو نطاق الاعتماد على الذاتية التشغيل، لأن الحرب الإلكترونية والدفاعات الجوية أصبحت حاضرة بكثافة في بيئة العمليات. ولم يعد في مقدور أي قائد أن يفترض استمرار السيطرة البشرية من دون انقطاع. فالمشغلون الأوكرانيون باتوا يطلقون الأنظمة وهم يعرفون مسبقاً أن وصلات التحكم ستتعرض للتشويش أو الخداع خلال دقائق. ونجاح هذه الأنظمة يعتمد على مدى جودة البرمجيات التي زودت بها سلفاً لتتولى التحكم عندما تنقطع الاتصالات.
وفي هجوم أوكراني على القوات الروسية قرب خاركيف في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أطلق اللواء الثالث عشر في الحرس الوطني الأوكراني ما قيل إنها أول عملية هجومية تنفذ بالكامل بواسطة أنظمة غير مأهولة. فبدلاً من نشر جنود على الأرض، تقدمت مركبات أرضية تدار من بعد لتزرع الألغام وتزيلها وتطلق النار على الدفاعات الروسية، فيما وفرت مسيرات المراقبة والقصف والانقضاض الاستطلاع الميداني والدعم الجوي.
وقد دمر الهجوم المواقع الدفاعية الروسية، ومهد في النهاية لتقدم المشاة الأوكرانيين والسيطرة على أرض ما زالوا يحتفظون بها حتى اليوم. ولم يتعرض أي جندي للخطر خلال الهجوم الأولي، كذلك فإن التخطيط الدقيق والانضباط في الاتصالات ضمنا أيضاً عدم فقدان أي نظام ذاتي التشغيل بسبب التشويش الروسي. وكان هذا التنسيق لافتاً. لكنه ظل، مع ذلك، خاضعاً للبشر. فقد تابع المشغلون، الموجودون في مواقع متفرقة، بثاً مشتركاً للفيديو، ورتبوا تسلسل التحركات يدوياً، كما أن الأنظمة نفسها لم تكن تتبادل الاتصال في ما بينها.
لكن تحولاً أعمق بكثير يلوح في الأفق: ذاتية التشغيل منذ لحظة الإطلاق. فهذه الأنظمة ستنفذ مهامها بصورة مستقلة منذ بداية المهمة. وليس المقصود هنا ذاتية صاروخ “كروز” أو مسيرة تتبع مساراً محدداً مسبقاً نحو نقطة ثابتة. فذاتية التشغيل منذ الإطلاق تعني أنظمة تعدل طريقة تنفيذها ضمن القيود التي يضعها القائد: تنسق مع عناصر أخرى في التشكيل، وتستجيب للظروف المتغيرة، وتختار من بين إجراءات مصرح بها حين تنقطع صلتها بالتحكم البشري، مع بقاء البشر قادرين على متابعة تطورها وإعادة توجيهها أو إلغاء المهمة ما دام الاتصال قائماً.
وفي الوقت الراهن، لا تزال هذه القدرة في بداياتها. فعدد المسيرات الفردية المزودة بأنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي، والقادرة على العثور على الأهداف وضربها من دون تحكم متواصل من المشغل، لا يتجاوز الآلاف وسط ملايين الأنظمة التي تدار من بعد. لكن هذه الآلات لن تبقى، مع مرور الوقت، وحدات منفصلة. بل سيعمد القادة إلى حشدها في تشكيلات تضم أنظمة جوية وبرية وبحرية، تشمل المسيرات وأجهزة الاستشعار وعناصر الاستهداف التي توجه الحركة والضربات وتنسقها. وستنفذ هذه التشكيلات نية القائد والتعليمات المسبقة البرمجة، حتى عندما تنقطع صلتها بالبشر.
المد الآلي
أصبحت الجيوش في مختلف أنحاء العالم تدرك أنها في حاجة إلى إنتاج أعداد أكبر بكثير من المسيرات. لكنها تخاطر بأن تغفل الفكرة الأهم. فالتفوق في المرحلة المقبلة لن يكون من نصيب الطرف الذي يجمع أكبر أسطول من الأنظمة غير المأهولة، بل من نصيب الطرف الذي يطور أولاً المفاهيم العملياتية اللازمة لتوظيفها، ثم يعيد تصميم أنظمة القيادة والسيطرة، والهياكل التنظيمية، والتدريب، والعمليات بما يواكب ذلك. فالتكنولوجيا قادمة، لكن الأفكار الكبرى والمفاهيم يجب أن تسبقها.
وسيجمع التشكيل الذاتي التشغيل، سواء كان بحجم فصيل أو بقوة كتيبة، منظومات جوية وبرية وبحرية، إلى جانب المستشعرات، والأسلحة، وقدرات الحركة، والحماية. ولن تكون هذه التشكيلات قادرة فقط على تنفيذ رغبة القائد حتى من بعد، وربما في حال انقطاع الاتصال أيضاً، بل ستستطيع كذلك التنسيق في ما بينها بسرعة الآلة. ومن شأن ذلك أن يبدل جذرياً الإيقاع التقليدي للمعارك، وأن يتيح للجيوش التقاط الفرص التكتيكية الخاطفة واستثمارها بسرعة تفوق قدرة الخصم على الرد، حتى لو كان هذا الخصم قد نشر بدوره أنظمة تدار من بعد.
ولنتأمل ما يمنحه ذلك من مزايا: فالقوة العسكرية التي تملك مثل هذه المنظومات المتزامنة، وتستخدمها بعناية وفاعلية، ستتمكن من ضغط الزمن الذي تستغرقه عادة هيئات الأركان في إعداد خيارات الضربات ورفعها إلى القادة، ثم الزمن الذي يحتاج إليه القادة للتداول وإصدار الأوامر إلى مرؤوسيهم، ثم الزمن الذي يستغرقه هؤلاء في إيصال التعليمات إلى الطيارين أو السائقين الذين يقودون الأنظمة من بعد. وفي الحروب التقليدية الواسعة النطاق، من النوع الجاري اليوم في أوكرانيا، ستكون التشكيلات الذاتية التشغيل قادرة على الحفاظ على زخم الهجوم حتى عندما يؤدي التشويش الإلكتروني إلى قطع الاتصالات.
وستغير التشكيلات الذاتية التشغيل كذلك شكل الحروب غير النظامية، مثل حملات مكافحة التمرد في الساحل الأفريقي أو غزة، وعمليات الاستقرار، أي حفظ النظام في بيئات ما بعد النزاع، وكذلك المنافسة في المنطقة الرمادية، مثل الضغوط البحرية التي تمارسها بكين في بحر الصين الجنوبي. ففي هذه السيناريوهات، ستتيح القدرات الذاتية التشغيل قدراً أكبر بكثير من الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات بصورة مستمرة، كأن تسمح، مثلاً، بمراقبة مساحات شاسعة من الأرض على مدى الساعة فيما ترصد المستشعرات تلقائياً أي تحركات غير مألوفة أو تبدلات في الأنماط السائدة، وهي مهام تتطلب اليوم نوبات متعاقبة من المحللين البشريين لمتابعة شاشات الفيديو. كذلك ستعزز هذه الأنظمة حماية القوات ودقة الضربات، من خلال الحراسة المستمرة للأفراد وتقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف المعادي وضربه.
لكن في الحروب التقليدية الواسعة النطاق، مثل الحرب الدائرة في أوكرانيا، فإن ما تتيحه ذاتية التشغيل من اختصار زمن اتخاذ القرار سيبدل طريقة القادة في إدارة العمليات وتنسيقها. وستزداد، تبعاً لذلك، أهمية تفويض الصلاحيات والتخطيط للعمل في حال تعطل الاتصالات. فهذه التشكيلات، متى عملت ضمن حدود مسبقة التحديد، ستتمكن من الحفاظ على زخم الهجوم حتى عندما تقطع الحرب الإلكترونية الاتصالات عبر قطاعات كاملة. والطرف الذي يتقن ذلك، ويملك ما يكفي من الأنظمة غير المأهولة، هو الذي سيفوز.
أما أي جيش يصر على إبقاء إيقاع المعركة تحت سيطرة بشرية كاملة، فسيجد نفسه أمام عبء خطير. لذلك، سيكون على الجيوش أن تحسم مسبقاً أي القرارات يجب أن تبقى بيد البشر، وأيها يمكن تفويضه إلى الآلات، وأن تضمن في الوقت نفسه أن ينسجم التنفيذ الذاتي مع رغبة القائد عندما تصبح الأفعال أسرع من قدرة الأفراد على التدخل. وفي نهاية المطاف، لن يكون الفوز من نصيب الطرف الذي يملك أكبر عدد من المسيرات، بل من نصيب الطرف الذي ينجح أكثر من غيره في حل مشكلة تصميم القيادة والسيطرة، مع امتلاكه أيضاً عدداً كافياً من المنظومات غير المأهولة. وبطبيعة الحال، ينبغي أن يحتفظ البشر ببعض الأحكام الحاسمة، بما في ذلك توقيت التصعيد، وكيفية التعامل مع السكان، وما إذا كانت الضربة تخدم الأهداف السياسية أو تقوضها. وفي الديمقراطيات على وجه الخصوص، يجب أن تظل هذه القرارات، في مختلف أنواع الصراع، قرارات بشرية لا يجوز التفريط بها.
تحول في طبيعة القيادة
ولتحقيق ذلك، سيتعين على القادة نقل تركيزهم من التحكم بالأنظمة أثناء القتال إلى برمجتها سلفاً على نحو دقيق. فبدلاً من الاعتماد على الطيارين أو السائقين للتحكم في كل نظام على حدة من بعد، أو الموافقة على كل ضربة في الزمن الحقيقي، سيكون عليهم صياغة مقاصدهم في تعليمات دقيقة بما يكفي لكي تنفذها الآلات. وهذا يعني ألا يحددوا فقط شكل النجاح، بل أيضاً ما هي الأفعال المسموح بها، وما هو المحظور، وكيف ينبغي للنظام أن يتصرف إذا واجه ظروفاً لم يكن القائد قد توقعها.
كذلك، سيتعين عليهم تحديد الشروط التي يجب توافرها قبل أن تتمكن الأنظمة الذاتية التشغيل من تنفيذ إجراءات هجومية أو غير هجومية. فقد يصرح قائد، مثلاً، لهذه الأنظمة بضرب مدرعات معادية تتحرك داخل ممر محدد، لكنه يشترط تأكيداً بشرياً قبل التعامل مع أي هدف يقع على بعد 500 متر من مستشفى أو مدرسة. كذلك يتعين عليهم تضمين الخوارزميات القيود الحاكمة لعمل هذه الأنظمة، بما في ذلك الحدود الجغرافية للمهمة، والسقف الزمني، والأهداف، والأفعال المحظورة، ومعايير إلغاء المهمة. وعليهم أيضاً أن يخططوا لاحتمال فقدان الاتصال بهذه الأنظمة. وبعد بدء المهمة، يتعين عليهم متابعة سيرها، وإعادة توجيهها أو إلغاؤها متى سمحت الاتصالات بذلك.
وبالمعنى الواسع، تشبه هذه العملية الطريقة التقليدية التي يفوض بها القادة المهام إلى مرؤوسين يثقون بهم. غير أن كون هؤلاء “المرؤوسين” الجدد سيكونون أنظمة برمجية تعمل بسرعات أعلى بكثير، وربما خارج نطاق الاتصال، يفرض قدراً أكبر بكثير من الدقة والانضباط في التخطيط المسبق. فلا بد من تحديد الأهداف والقيود المفروضة على الأفعال الذاتية التشغيل بصورة أكثر صراحة ودقة. كذلك يجب أن تبرمج آليات الأمان والتوقف الاضطراري مسبقاً، لا أن يعول على وجودها افتراضاً.
ومن الواضح، بطبيعة الحال، أن السرعة من دون حوكمة كافية يمكن أن تؤدي إلى أخطاء وتصعيد غير مقصود. فإذا اشتبكت أنظمة أحد الطرفين ذاتية التشغيل مع أهداف بسرعة الآلة، فقد ترد الأنظمة الدفاعية الذاتية التشغيل لدى الخصم بالمثل، وقد يجد الجانبان نفسيهما، خلال دقائق، في مواجهة تصعيد لم تقصده أي قيادة بشرية ولم تأذن به. وستبقى شرعية أي حملة عسكرية مسألة بشرية في جوهرها. فلا توجد خوارزمية قادرة على أن تحسم بذاتها ما إذا كانت ضربة ما ستخدم الأهداف الاستراتيجية أم ستخلق من الأعداء أكثر مما تخرج من ساحة المعركة. ولذلك، يجب أن يحتفظ القادة بالسيطرة على هذه القرارات وبالمساءلة عنها، حتى وهم يفوضون التنفيذ التكتيكي إلى الأنظمة الذاتية التشغيل.
لن تختفي القيادة البشرية أبداً. لكن التنفيذ نفسه، أي الاستشعار، والاستهداف، وتوجيه الحركة، والتوقيت، والضرب، سينتقل إلى آلات تقودها الخوارزميات التي يبرمجها البشر، من دون أن يسيطروا عليها لحظة بلحظة. وعندئذ سيكون التنافس الأساس بين نوعين من القوات: نوع ينظر إلى ذاتية التشغيل على أنها مجرد أداة، أي مزيداً من الأنظمة التي تقاد من بعد لتنجز الأشياء نفسها التي كانت تؤديها الأسلحة والقوات التقليدية، ولكن بسرعة أكبر، ونوع آخر يتعامل معها بوصفها معضلة تصميم للقيادة، تتطلب مفاهيم جديدة، وعقيدة جديدة، وبنى تنظيمية جديدة، وتدريباً مختلفاً جذرياً، وتعليماً جديداً للقادة، إلى جانب ثورة في البرمجيات والعتاد.
أخطار الطيار الآلي
يبرهن التاريخ مراراً أن الإخفاق في التقاط الأفكار الكبرى الصحيحة، أي في بلورة الاستراتيجية الملائمة وتنفيذها مع تغير طبيعة الحرب، يفرض أثماناً باهظة. فقد أمضت الولايات المتحدة 13 عاماً في فيتنام وهي تحاول كسب حرب استنزاف ضد مقاتلي “الفيتكونغ” ووحدات فيتنام الشمالية، قبل أن تدرك في أواخر عام 1968 أنها لن تنتصر عبر عمليات البحث والتدمير واسعة النطاق، فتنتقل إلى حملة لمكافحة التمرد تركز على أمن السكان. لكن هذا التحول جاء متأخراً، إذ كان الدعم الداخلي لمواصلة الحرب قد تلاشى بالفعل.
وبعد 40 عاماً، احتاج الجيش الأميركي إلى ثمانية أعوام في أفغانستان لتطوير حملة شاملة لمكافحة التمرد، مدنية وعسكرية، تكون فعالة حقاً. ثم احتاج إلى عام آخر لضبط المقومات اللازمة لتنفيذ الاستراتيجية الجديدة على النحو الصحيح. وبعد أقل من عام، بدأ سحب القوات، وهو ما أعلن عنه في الخطاب نفسه الذي عرض زيادة عديدها، في خطوة استندت في نهاية المطاف إلى اعتبارات واشنطن أكثر مما استندت إلى الوقائع على الأرض في أفغانستان.
وقد أولت الصحافة الأميركية اهتماماً واسعاً لما عرف بـ”زيادة القوات” في العراق عام 2007، حين أرسل الرئيس جورج دبليو بوش نحو 30 ألف جندي إضافي إلى هناك. وكانت هذه القوات الإضافية ذات أهمية كبيرة في تسريع تطبيق المقاربة الجديدة. لكن التغيير الحاسم تمثل في الانتقال من استراتيجية “طهر ثم غادر” إلى “طهر وامسك وابنِ”، أي البقاء بين السكان العراقيين بعد طرد المتطرفين من أحيائهم، وإنشاء مناطق مسورة مزودة بجدران ونقاط تحكم في الدخول وبطاقات هوية بيومترية لإبقاء المتمردين خارجها. وقد ساعدت هذه المقاربة، إلى جانب عدد من “الأفكار الكبرى” الأخرى، في إخراج العراق من الحلقة المفرغة للحرب الأهلية، وخفض مستوى العنف بنحو 90 في المئة خلال 18 شهراً.
وفي وقت أقرب، نفذت إسرائيل عمليات لافتة ضد إيران وميليشيا “حزب الله” اللبنانية، وأضعفت على نحو كبير قدرات هذين الخصمين، وساعدت في تهيئة الظروف التي أفضت إلى السقوط الدراماتيكي لنظام بشار الأسد في سوريا. وهي الآن، بالعمل مع القوات الأميركية، تواصل إضعاف الجيش الإيراني، مع استهداف ناجح لكبار القادة الإيرانيين ومخزونات الصواريخ وقدرات المسيرات. لكن في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ثلاثة أهداف رئيسة لعمليات بلاده في غزة: إعادة الرهائن، وتدمير “حماس” عسكرياً، ومنع الحركة من التحكم في حياة سكان غزة. وعلى رغم النجاح المهم جداً في استعادة الرهائن، واجهت إسرائيل صعوبة في بلورة المقاربة الصحيحة لتحقيق الهدفين الآخرين، واستمرت العمليات من دون مسار واضح يقود إلى النتيجة المنشودة.
وفي الوقت الراهن، لا يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة أو حلفاءها في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ يطورون مفاهيم لعمليات ذاتية التشغيل واسعة النطاق، أو حتى لعمليات شبه ذاتية التشغيل تعمل تحت إشراف بشري لكنها تتحول إلى مهام مبرمجة مسبقاً حين تتدهور الاتصالات. وسيكون الفشل في بلورة الأفكار الكبرى الصحيحة في شأن الانتقال إلى ذاتية التشغيل كارثياً على التفوق العسكري الأميركي. فقد وعدت مبادرة “ريبليكاتور” التابعة للبنتاغون بنشر آلاف الأنظمة الذاتية التشغيل بحلول منتصف عام 2025، لكنها لم توفر سوى المئات، وحتى هذا البرنامج انصب على شراء العتاد، لا على تطوير المفاهيم العملياتية الخاصة بكيفية قتال التشكيلات الذاتية التشغيل فعلياً. ولا توجد حتى الآن عقيدة موحدة لهذه التشكيلات، ولم تكلف أي قيادة كبرى بوضعها، كما لم تنشأ قوة جديدة للمنظومات غير المأهولة. وباختصار، يشتري الجيش الأميركي مزيداً من المسيرات من دون أن يفكر بما يكفي في كيفية بناء قوات ذاتية التشغيل منسقة، وتنظيمها، وقيادتها، والسيطرة عليها.
وقد يتحول هذا القصور إلى مكمن ضعف خطر إذا واجهت القوات الأميركية أو الحليفة اختباراً شبيهاً بما واجهته أوكرانيا. فقد تكيفت أوكرانيا سريعاً مع المنظومات غير المأهولة التي تدار من بعد لأنها لم تكن تملك خياراً آخر: فهي تقاتل من أجل بقائها الوطني، وتملك سلاسل إمداد قصيرة، وثقافة تنظيمية مسطحة تكافئ المبادرة، ومهندسين يعملون مباشرة إلى جانب الوحدات القتالية في الخطوط الأمامية. أما الجيش الأميركي فيعمل في ظروف مختلفة تماماً: دورات شراء تمتد لأعوام، ومراجعات للعقيدة العسكرية تقاس مددها بالأعوام، وثقافة مؤسسية تفصل بين تطوير التكنولوجيا والقيادة العملياتية. وتحدث أوكرانيا برمجيات مسيراتها كل أسبوعين، وتطور عتادها كل بضعة أسابيع، فيما تستغرق دورة مراجعة عقيدة “الناتو” ما بين 15 و20 شهراً. وفي نزاع يتصاعد بسرعة، لن يكون هناك وقت للتعلم أثناء العمل.
من يغفل يخسر
ولا تزال الولايات المتحدة بعيدة جداً عن إنتاج ما يكفي من المنظومات غير المأهولة والشبكات التي يتطلبها نزاع من طراز الحرب في أوكرانيا، كذلك فإنها لا تملك بعد العدد الكافي من الصواريخ الاعتراضية وأنظمة مكافحة المسيرات التي تحتاج إليها نزاعات أوسع نطاقاً، مثل الصراع الدائر حالياً في الشرق الأوسط. لكن، وعلى رغم التركيز الكبير الذي انصب على هذا النقص في القاعدة الصناعية، فإن على الجيش الأميركي أولاً أن يطور مفاهيم عملياتية وتكتيكية سليمة للحرب الذاتية التشغيل قبل أن ينشر هذه الأنظمة على نطاق واسع. وعليه أن يصوغ هذه المفاهيم في عقيدة عسكرية توجه العمليات المقبلة. كذلك ينبغي له أن يعيد تصميم بنيته التنظيمية بما يتيح تنفيذ هذه المفاهيم الجديدة، كأن ينشئ، على سبيل المثال، وحدات مخصصة تبنى من الأساس حول حل تحديات الفرق البشرية – الآلية، بدلاً من الاكتفاء بإضافة الأنظمة الذاتية التشغيل إلى تشكيلات صممت أصلاً حول منصات مأهولة. ويتعين عليه أيضاً أن يعلم القادة العسكريين، على جميع المستويات، كيف يقودون أنظمة برمجية يتعين التعامل معها بوصفها مرؤوسين. ويجب أن يدرب الوحدات على تنفيذ عمليات ذاتية التشغيل، بما في ذلك في الحالات التي تضعف فيها الاتصالات مع هذه الأنظمة أو تنقطع. وينبغي له أن يشتري العتاد والبرمجيات اللازمين، وأن يرفع الإنتاج على نحو كبير، وأن يجري تجارب صارمة تعود دروسها إلى تطوير المفاهيم ذاتها.
وعلى الجيش أن ينجز كل ذلك قبل خصومه المحتملين. فالصين تستثمر بالفعل بكثافة في ما تسميه “الحرب الذكية” أو “الحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي”، التي تدمج فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نحو شامل في القيادة والاستهداف وتنسيق عمل القوات. كذلك نشر جيش التحرير الشعبي الصيني عقيدة تتناول مهاجمة أنظمة الذكاء الاصطناعي المعادية عبر إفساد البيانات، وتعطيل الخوارزميات، والحرب الإلكترونية. أما روسيا، فتتعلم في أوكرانيا عبر تجربة قاسية قائمة على الخطأ والصواب، وتطور أساليبها بوتيرة أسرع من أي مؤسسة غربية، وإن كانت لا تفعل ذلك ضمن إطار عقائدي متماسك. ولن ينتظر أي من هذين الخصمين حتى تنتهي الولايات المتحدة من إنجاز تحولها الخاص.
وعادة ما تستغرق هذه المشاريع كلها وقتاً طويلاً. فقد صممت إجراءات التكيف المؤسسي في الجيش الأميركي في زمن كانت فيه المنصات العسكرية تبقى عقوداً، وكانت العقيدة تتطور بين حرب كبرى وأخرى. وعادة ما يتطلب تعديل العقيدة العسكرية الأساسية للبنتاغون 15 شهراً في الأقل، وغالباً ما يستغرق أكثر من ذلك بكثير. وكان الاستثناء هو دليل مكافحة التمرد للجيش وسلاح مشاة البحرية لعام 2006، الذي نشر بعد 10 أشهر من بدء صياغته. أما التحول الاستراتيجي الكامل، من الفكرة إلى القدرة المجربة والمعتمدة والميدانية، فيستغرق في العادة أعواماً عدة.
ولهذا، يجب تسريع هذه العملية. فالوحدات الأوكرانية المشغلة للمسيرات باتت قادرة بالفعل على تحديث البرمجيات والتكتيكات والعتاد بصورة متواصلة. وقريباً جداً، قد يصبح الأسلوب الذي ينجح يوم الإثنين متقادماً بحلول يوم الجمعة. وعلى وجه الخصوص، لا يستطيع نظام المشتريات في الجيش الأميركي مواكبة المتطلبات الجديدة. ويمكن تسريع تطوير العقيدة من خلال تخويل قادة المسارح العملياتية إصدار توجيهات عملياتية موقتة، أي مفاهيم انتقالية تستطيع الوحدات اختبارها وتعديلها، من دون انتظار اكتمال الدورة الكاملة لنشر العقيدة المشتركة. كذلك يمكن إصلاح تعليم القادة عبر إدماج العمليات الذاتية التشغيل في الألعاب الحربية والتمارين الجارية داخل كليات الأركان والكليات الحربية التابعة للأفرع العسكرية، بدلاً من إنشاء برامج منفصلة من الصفر. ويمكن أيضاً تقليص الفاصل بين التجريب الميداني وصوغ العقيدة، عبر إلحاق مطوري المفاهيم مباشرة بالوحدات العملياتية، كما فعلت أوكرانيا مع فرق ابتكار المسيرات، بدلاً من تمرير الدروس المستفادة إلى هيئات الأركان بعد أشهر من وقوعها.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في التعليم. فالمؤسسات التي تدرب العسكريين الأميركيين والحلفاء لا تسعى حتى الآن، على نحو منهجي، إلى تنمية المهارات اللازمة لقيادة الأنظمة الذاتية التشغيل. وهي تحتاج إلى تخريج جيل جديد من القادة القادرين على برمجة الخوارزميات، أو توجيه المبرمجين، لتحقيق الأهداف العملياتية، وعلى إدارة الاتصالات حين تضعف أو تنقطع، وعلى فهم كيفية تصرف الأنظمة الذاتية التشغيل عندما تتعطل المستشعرات أو تتجاوز الظروف الفعلية ما هو مبرمج مسبقاً، وعلى التعامل مع مهندسي البرمجيات وعلماء البيانات والمتخصصين في الحرب الإلكترونية بوصفهم أفراداً أساسيين في طواقم القيادة. كذلك يجب إعادة تصميم أنظمة الترقيات والتعيينات بحيث تتمكن من اكتشاف الضباط القادرين على القيادة من خلال أنظمة برمجية تعمل بوصفها مرؤوسين ودفعهم إلى الأمام، لا الاكتفاء بمن يتفوقون في القيادة التقليدية والعمل الأركاني المعتاد. فالجيش يرقي ما يقدره، وإذا كان يقدر الكفاءة في مجال ذاتية التشغيل، فعليه أن يقيسها ويكافئها.
والأنظمة الذاتية التشغيل منتشرة بالفعل على نطاق واسع في ساحات القتال. والمستقبل الذي تعمل فيه هذه الأنظمة ضمن تشكيلات مكتملة لم يعد بعيداً. وإذا أدركت واشنطن الآن التحولات التي يتعين عليها إنجازها، فإن التشكيلات الذاتية التشغيل ستتيح واقعاً عملياتياً جديداً: تنفيذ منسق ومتزامن بسرعة الآلة، يعهد فيه القادة إلى خوارزميات مبرمجة مسبقاً ومقيدة بعناية بتنسيق عمل المستشعرات والأسلحة داخل تشكيلات تتحرك باستقلالية، فيما يحتفظ القادة بالمسؤولية عن النية والحدود والمساءلة. أما إذا أخفقت واشنطن في استيعاب ما هو على المحك، فستنشر أنظمة غير مأهولة تزداد قدرة، وإن كان على الأرجح بأعداد غير كافية، من دون المفاهيم، والعقيدة، والبنى التنظيمية، والقادة المؤهلين اللازمين لاستخدامها بفاعلية. وعندها لن تكون قد امتلكت حرباً ذاتية التشغيل، بل مجرد أدوات براقة ذاتية التشغيل. وستهزم أمام خصوم سبقوها إلى حل معضلة بناء منظومة القيادة.

ديفيد بتريوس شريك في شركة الاستثمار “كيه كيه آر”، ويشغل زمالة كيسنجر في كلية جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل. وبين عامي 2007 و2011، شغل مناصب عسكرية أميركية رفيعة، من بينها توليه قيادة خطة زيادة القوات الأميركية في العراق. وبين عامي 2011 و2012، تولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وهو أحد المشاركين في تأليف كتاب “الصراع: تطور الحرب من 1945 إلى غزة”.

إسحاق س. فلاناغان، مؤسس مشارك لمنظمة “زيرو لاين” غير الربحية التي تعمل مع شركاء دوليين على تحديد الحاجات الحيوية في قطاع الدفاع الأوكراني.



