أقلام وأراء

فتحي كليب – بين أوكرانيا والأونروا.. أي تمييز للدول المانحة!

فتحي كليب ١٣-٤-٢٠٢٢م

بعيدا عن الاعتبارات السياسية والعسكرية وحسابات المصالح والصراع على النفوذ، وبعيدا عن الاعتبارات التي دفعت بروسيا الى القيام بعملية عسكرية ضد اوكرانيا، فقد ابرزت الحرب الكثير من الامور كانت حتى وقت قريب ربما خافية، او مستورة عن الكثيرين، ومن شأن ابرازها بصورتها الحقيقة ونفض الغبار عنها ان تغير الكثير من القيم التي ظلت حتى وقت قريب مرآة كاذبة لا تعكس حقيقة السياسات الاستنسابية والازدواجية القاتلة في التعامل الغربي مع القضايا العالمية..

مشهدان مختلفان الى درجة التناقض رغم ان ارضهما واحدة وسمائهما واحدة.. ففي بداية عام 2022، واجه الآلاف من اللاجئين القادمين من دول آسيوية وافريقية مشكلة كبرى كادت تحدث شقا في التحالف الاوروبي بشأن موضوع الهجرة، عندما اقفلت بولندا حدودها مع بيلاروسيا ودفعت بالآلاف من عناصر الشرطة لمنع اللاجئين من دخول اراضيها، وساندتها في ذلك بعض الدول الاوروبية، فيما رفعت الجدران والاسوار على حدود بعضها، واعلنت حالات طوارئ على خطوط حدودية اخرى، ومنعت الهيئات الانسانية من الوصول الى مناطق تجمعات اللاجئين الذين عانى معظمهم من درجات حرارة منخفضة، في ظل عجز عن الوصول الى احتياجاتهم من الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.. وبعد شهر، وفوق البقعة الجغرافية ذاتها كان المشهد مختلفا لجهة فتح العديد من الدول لحدودها مع اوكرانيا لاستقبال اللاجئين واعلان العديد من الدول الاوروبية حالات طوارئ، لكن لنجدة ومساعدة اللاجئين الاوكرانيين، بل ان بعضها ارسلت بأطباء نفسيين للوقوف الى جانب اللاجئين ومساعدتهم..

الاشارة لهذا التناقض ليس من زاوية الاحتجاج او رفض التعاطي الانساني مع اللاجئين الاوكرانيين وتوفير احتياجاتهم المعيشية وتقديم كل اشكال الدعم الاقتصادي لهم، بل من زاوية النظرة التمييزية لمعظم الدول الاوروبية تجاه حالات انسانية مماثلة في اماكن اخرى من العالم وتجاه لاجئين من اجناس واعراق مختلفة. رغم اختلاف الاسباب والظروف الخاصة باللاجئين الاوكرانيين مقارنة باللاجئين القادمين من دول افريقية وآسيوية وعربية هربا من اوضاع اقتصادية صعبة، الا ان التداعيات الانسانية هي واحدة ومنطق التعاطي مع القيم الانسانية يجب ان يكون واحدا.

نموذج التكاذب هو في طريقة التعاطي الاوروبي مع القضية الفلسطينية، بأسبابها وتداعياتها ونتائجها التي ما زلنا نعيشها رغم مرور نحو سبعة عقود ونصف. فاذا كان توصيف الدول الغربية للعملية العسكرية الروسية ضد اوكرانيا باعتبارها احتلال يستوجب دعم اوكرانيا عسكريا وفرض عقوبات على روسيا كي تنهي عمليتها العسكرية،

بغض النظر عن صحة هذا التوصيف، فلماذا لم تتصرف هذه الدول مع العصابات الصهيونية التي احتلت فلسطين بقوة القتل والارهاب بنفس الطريقة، ولماذا لم تتخذ الاجراءات نفسها عندما كانت طائرات الاحتلال الاسرائيلي تقصف المدنيين الفلسطينيين في منازلهم وهم نيام، ولماذا لم تتخذ تلك الدول الحد الادنى من الاجراءات لحماية الشعب الفلسطيني وضمان وجوده فوق ارضه، رغم عشرات القرارات التي صدرت عن جميع الهيئات الدولية بما فيها هيئات اوروبية، تعتبر ان وجود اسرائيل في فلسطين هو احتلال موصوف.. وبدلا من دعم اصحاب الارض وتطبيق القرارات الدولية التي تدعم حقهم بأرضهم، قامت برعاية واحتضان الكيان الاسرائيلي ولتوفر له كل اشكال الحماية والبقاء والاستمرار، على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني..

وفي جانب آخر، وفرت الكثير من الدول الغربية لاوكرانيا، دولة وشعب، الدعم العسكري والسياسي لمواجهة “العدوان الروسي”، بل ان بعض الدول سنت قوانين للسماح لمواطنيها بالقتال في اوكرانيا ضد القوات الروسية.. بينما في فلسطين حين حمل الشعب الفلسطيني السلاح مدافعا عن ارضه واهله، كان توصيف المقاومة الفلسطينية مختلفا باعتبارها ارهابا ويجب مقاومته، وكان توصيف الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية ايضا مختلفا، رغم ان قرارات الامم المتحدة ما زالت تعتبره احتلالا.. بل ان هناك من سن قوانين داخلية لمعاقبة الشعب الفلسطيني وكل من يدعمه من مواطنين اوروبيين وغربيين تحت شعار ما يسمى “معاداة السامية”، التي لم تكن وليدة المسالة الفلسطينية، بل ان القضية الفلسطينية كانت احدى النتائج التي تولدت عن الافكار العنصرية التي طرحتها الحركة الصهيونية منذ ما قبل القرن التاسع عشر وان الشعب الفلسطيني كان ضحية لهذه الافكار عملت بعض الدول الغربية على رعايتها ونشرها باعتبارها حقيقة..

النموذج الفاقع لهذا التكاذب الاوروبي هو في التعاطي مع ملف آخر يتعلق بالازمة المالية التي تعيشها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى (اونروا)، والتي دائما ما كنا نرجعها الى اسباب سياسية تتمثل بالضغط على اللاجئين لتحقيق اهداف سياسية، وبالامكان تأكيد امر تسييس الدعم المالي المقدم للاونروا مقارنة مع الازمة الاكروانية..

في بداية شهر نيسان الماضي أعلنت وكالة الغوث أنها ستواجه أزمة مالية بسبب الازمة الروسية الاوكرانية، وان دولا مانحة ابلغتها أنها ستخفض مساهماتها المالية وبعضها لن تكون قادرة على دفع التبرعات في موعدها. والسبب هو توجيه المساعدات باتجاه اوكرانيا. وقال المفوض العام لوكالة الغوث “أن الأزمات في أفغانستان التي أعقبتها الآن الأزمة في أوكرانيا، كان لها تأثير كبير على قيمة التمويل المقدم من المانحين، وعلى تكلفة شراء سلع أساسية مثل القمح والوقود، التي تعتبر سلعاً أساسية للوكالة”.

وبالعودة الى اسباب المشكلة المالية، فان تقارير الوكالة، وتصريحات مسؤوليها، تركز على عدد من الاسباب ليس من بينها السبب السياسي منها: اولا: إن العديد من إقتصاديات المانحين التقليديين تعمل على تطبيق خطط وإجراءات تقشفية بهدف تقليص الإنفاق العام، بما في ذلك المساعدات الدولية. وإلى هذا نضيف المزاجية التي تتحكم بقرار الدول المانحة وفي سياساتها المالية والإقتصادية التي تراعي فيها مصلحتها. وثانيا إن بعض المتبرعين التقليديين الذين يمولون الميزانية غير قادرين على زيادة تبرعاتهم لمواكبة الزيادة السنوية، بسبب ما إستجد من حالات طوارىء عالمية جديدة تنافس إحتياجات الاونروا.. وهذا كلام قد يعكس جزءا بسيطا من الحقيقة التي ستتضح بعد استعراض التالي:

خلال فترة اقل من شهر (منذ بداية شهر آذار)، قدمت مجموعة من الدول الغربية والاوروبية والمنظمات الدولية مساعدات مالية لاوكرانيا زادت عن ستة مليارات دولار والارقام مرشحة للارتفاع، اضافة الى الدعم العسكرى الواسع الذي لا يمكن التكهن بقيمته لكنه مرتفع جدا، ناهيك عن النداءات العاجلة من قبل الامم المتحدة ومنظماتها المختلفة لجمع مليارات الدولارات لمواجهة تداعيات الازمة. وهذه الدول هي نفسها التي تغطي الجزء الاكبر من موازنة وكالة الغوث (25 دولة غطت ما نسبة 90 بالمائة من حجم الموازنة في الاعوام الخمسة الماضية) وتعجز هذه الايام عن سد عجز لا يكاد يساوي شيئا مقارنة بما تنفقه من اموال “سياسية” في اوكرانيا وفي غيرها من دول العالم.. وفي مقدمة هذه الدول: الولايات المتحدة الامريكية، المملكة المتحدة، البنك الدولي، هولندا، المانيا، فرنسا، ايطاليا، كندا وغيرها من دول تعتبر من المانحين التقليديين والاساسيين لموازنة وكالة الغوث..

وعلى سبيل المثال لا الحصر ايضا، فقد طلبت الادارة الامريكية من الكونغرس مبلغ 10 مليارات دولار للمساعدة في حماية أوكرانيا. وأكد مسؤول السياسة الخارجية والأمن الأوروبية جوزيب بوريل “أن أوكرانيا حصلت خلال ثماني سنوات من الاتحاد الأوروبي على نحو 17 مليار يورو”. وقال البنك الدولي في شهر آذار “إن قيمة المساعدة الطارئة الإجمالية التي أقرها البنك لأوكرانيا وصلت إلى 723 مليون دولار”، وقد وعد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بمنح اوكرانيا قرضا من البنك الدولي بقيمة 500 مليون دولار، اضافة الى انشاء البنك لصندوق ائتماني متعدد المانحين لتسهيل توجيه موارد المنح من المانحين إلى أوكرانيا، ساهمت فيه المملكة المتحدة والدنمارك ولاتفيا وليتوانيا وآيسلندا بقيمة إجمالية بلغت 134 مليون دولار”. اضافة الى كتل مالية ضخمة من عدد من الكيانات والمؤسسات من جميع الدول الاوروبية تقريبا..

ان اوروبا، كدول واطار موحد على مستوى السوق الاوروبية المشتركة ثم الاتحاد الاوروبي بعد ذلك، احتلت المرتبة الاولى خلال العقود الماضية وكانت الداعم الاكبر لموازنة وكالة الغوث. وتبرز المعطيات الرقمية ان الاتحاد الاوروبي ودوله قدموا اكثر من 6.8 مليار خلال اعوام 2018، 2019 و 2020، وهي الفترة التي شهدت قطع المساهمة الامريكية اثناء فترة الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي كانت من المفترض ان تتجاوز المليار دولار امريكي (اكثر من 360 مليون دولار سنويا).. لكن مع ذهاب ترامب ومجيء الادارة الديمقراطية، قلصت بعض الدول الاوروبية مساهماتها نتيجة الضغط الامريكي الاسرائيلي..

وكانت وكالة الغوث قد اعلنت بداية هذا العام عن موازنتها السنوية وبلغت 1,6 مليار دولار، منها 806 مليون دولار مخصصة لميزانية البرنامج، و 771 مليون دولار لموازنة الطوارئ،وهي ارقام لا تكاد تساوي شيئا مقارنة مع ما سبق. وليس مضمونا حتى هذه اللحظة ان الاونروا قادرة على جمع هذا المبلغ، مقارنة بالعام الماضي حيث كانت الموازنة اقل من ذلك (1.4 ثم 1.2 مليون دولار)، ومع ذلك عانت الموازنة من عجز كبير خلال العام 2021 استمر حتى نهايتها، ودخلت الاونروا العام 2022 بعجز مالي بلغ نحو 62 مليون دولار وحتى اللحظة لم تتمكن من سداده.. فكيف تستوي الامور بأن الدول المانحة توزع المليارات من اموالها شمالا ويمينا وتعجز عن سد عجز بسيط او تعجز عن تمويل خطة طوارئ اغاثية تعالج تداعيات الازمة اللبنانية على اللاجئين الفلسطينيين او تمول نفقات اعمار مخيم نهر البارد وصندوق الطوارئ الذي يغطي احتياجات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وقطاع غزه ولبنان.. ما يؤكد للمرة الالف حقيقة لا مجال لانكارها وهي ان الازمة المالية للاونروا هي ازمة سياسية مفتعلة، ولا يمكن لعاقل ان يقتنع بغير ذلك..

لقد قدم الاتحاد الاوروبي ودوله المختلفه تبرعات طوعية منذ تأسيس وكالة الغوث، وعلى ارضية الموقف السياسي للاتحاد بدعم وكالة الغوث باعتبارها صمام امان الاستقرار في المنطقة، وهذا الدعم هو حكما موضع تقدير من كل الشعب الفلسطيني كون المساهمات المالية الاوروبية لم تكن مشروطة بتحقيق اهداف سياسية، لكن مع انطلاق عملية التسوية منذ بداية التسعينات اخذ التمويل الاوروبي مسارا سياسيا مختلفا حين تم زج وكالة الغوث في مشاريع سياسية لا علاقة للوكالة بها.. ويمكن لأي كان ملاحظة مسألة في غاية الخطورة انه كلما تعقدت العملية السياسية وتوقف مسارها كلما عانت موازنة وكالة الغوث من مشاكل مالية.. وعندما اعلن الرئيس ترامب قطع المساهمة المالية الامريكية عن وكالة الغوث بسبب عدم تجاوب الشعب الفلسطيني مع سياسته (صفقة القرن)، تقدم الاتحاد الاوروبي ودوله واربع دول عربية لسد ثغرة الاجراء الامريكي، ومع عودة التمويل الامريكي، وبدلا من تحقيق وفر مالي في موازنة الوكالة، قامت دول اوروبية وعربية بقطع او تخفيض تمويلها مما وضع الاونروا في ازمة جديدة، وكأن المسألة هي توزيع ادوار بين الدول المانحة..

ان تذبذب التمويل لا يمكن تفسيره الا باعتباره حرب سياسية واقتصادية تشن على الشعب الفلسطيني الذي رفض المشروع الامريكي واعلن بشكل موحد تمسكه بحقوقه الوطنية المدعومة من قبل الدول الاوروبية نفسها، التي يساهم بعضها اليوم في سياسة العقاب الجماعي الامريكية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. وهذا ما يؤكد حقيقة أن التخوفات التي عبر عنها اللاجئون الفلسطينيون في اوقات سابقة من أن هناك مساعي أمريكية وإسرائيلية تعمل على المس بوكالة الغوث وخدماتها هي مخاوف في مكانها، بسبب الكثير من المؤشرات التي تؤكد أن دولا مانحة وبالتواطؤ مع إسرائيل تسعى صراحة وعلنا الى الانسحاب من التزاماتها تجاه وكالة الغوث.

اذا كان التوصيف الواقعي لمساهمات الدول المانحة انها تبرعات طوعية، فلا شيء يجبر هذه الدول على تقديم اموالها الى وكالة الغوث والى اللاجئين الفلسطينيين الا اعتبار القيم الاخلاقية والانسانية والمصالح السياسية، وبالتالي حين تقرر هذه الدول وقف التمويل، لأي سبب كان، فلتملك الجرأة وتكون صادقة مع شعوبها اولا ومع اللاجئين الفلسطينيين ثانيا بأنها تخلت عن قيمها الانسانية والاخلاقية وانحازت الى الموقفين الامريكي والاسرائيلي لاعتبارات سياسية، ولتتوقف عن ممارسة سياسة المعايير المزدوجة في حديثها الدائم عن الديمقراطية والشقافية، وهي التي تنشر آلاف المنظمات الاهلية حول العالم بزعم نشر تلك القيم..

امام كل ذلك، وفي اطار حماية وكالة الغوث واخراجها من دائرة الابتزاز السياسي والمالي الذي تمارسه بعض الدول، فقد بات ملحا إعادة الاعتبار لمشروع قرار كان مطروحا سابقا على جدول اعمال الجمعية العامة في دورتها (72) عام 2017 بشان معالجة جذرية للمشكلة المالية، والذي جاء بعد مشاورات اجراها الامين العام مع اكثر من (54) دولة وهيئة حكومية ومؤسسة مالية دولية، إضافة الى الدول المضيفة ودول حركة دول عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي التي شاركت جميعها في جلسة احاطة واوصت بضرورة تخصيص جزء من موازنة المنظمة الدولية لصالح موازنة الاونروا، وهو ما يجب ان تعمل عليه الامم المتحدة والدول العربية المضيفة وجميع حلفاء واصدقاء الشعب الفلسطيني خلال العام القادم الذي سيشهد طرح تجديد التفويض لوكالة الغوث امام الجمعية العامة للامم المتحدة.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى