أقلام وأراء

فاروق يوسف – ما الذي يمنع العملية السياسية في العراق من الانهيار؟

فاروق يوسف ١٠-٤-٢٠٢٢م

عندما غزا الأميركيون العراق عام 2003 كان هدفهم الأساس اجتثاث الدولة العراقية الحديثة من جذورها. لذلك فإن التخلص من صدام حسين ونظامه كان شعاراً كاذباً. يومها كان السعي الأميركي في اتجاه إقامة نظام المحاصصة الطائفية هو القاعدة التي تُبنى عليها دولة العراق الجديد. وهو ما يعني أن النظام يسبق الدولة وهو أمر غير طبيعي. ذلك لأن دولة العراق ظلت قائمة عبر نحو قرن من الزمن بغض النظر عن تغيير الأنظمة.

لقد عمل الأميركيون على نسف تلك القاعدة من أجل أن تكون الدولة تابعة للنظام، فإن سقط النظام سقطت الدولة تلقائياً. كانت تلك المعادلة مريحة للأحزاب التي تقاسمت السلطة وصارت تتمتع بثروات العراق من غير أن تملك الدولة القدرة على إحكام سيطرتها على موازنتها التي ليست التنمية واحدة من فقراتها. ولأن الدولة كانت دائماً أضعف من الأحزاب التي تتحكم بمصائر أحوالها فإنها ستكون خاضعة دائماً للتحولات التي تفرضها تحالفات القوى الحزبية. وهي تحالفات لم تكن عبر العشرين سنة الماضية مستقرة. يوماً يكون الأكراد ضروريين لـ”حزب الدعوة” ويوماً آخر يجدون في “التيار الصدري” خندقاً يحاربون من خلاله للدفاع عن مكتسباتهم التي يسعى “حزب الدعوة” إلى حذفها. ذلك ما يصح أيضاً على الأحزاب التي قرر الأميركيون أنها تمثل السنّة أو من سموا بـ”العرب السنّة” في محاولة لعزل الشيعة في إطار لا قومي. 

لقد تم تمرير التحالفات الموقتة بين الأحزاب تحت غطاء الحرص على أن لا تخرج العملية السياسية عن دائرة التوازنات التقليدية فلا يزحف طرف من الأطراف الثلاثة خارج المنطقة التي سُمح له بالحركة فيها. وهو ما ضمن مرونة نسبية في حركة الأحزاب داخل مناطقها كأن ترتفع نسبة “حزب الدعوة” على حساب الأحزاب الشيعيّة الأخرى وليس على حساب الأحزاب الكردية وإن جرت بعض التوترات في أوقات سابقة بعدما حاول الحزب الشيعي أن يمثل دور الممثل الوحيد لمصالح الدولة حين قام مسعود البارزاني بإجراء استفتاء الاستقلال عام 2017. وهي محاولة تم اجهاضها من غير أن تكون هناك تداعيات سلبية على المساحة التي يحتلها الأكراد في العملية السياسية.

لقد بقي كل شيء على حاله بالرغم من أن الأكراد أعلنوا من طريق ذلك الاستفتاء رغبتهم في الانفصال عن العراق. كانت العقوبات التي فرضتها الحكومة العراقية يومها موقتة ولم تؤثر في حصة الحزبين الكرديين “الحزب الديموقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني” في التركيبة الحكومية القائمة على أساس المحاصصة، بحيث أصبح أحد كبار الداعين إلى الانفصال برهم صالح رئيساً لجمهورية العراق، وهي مفارقة لا يمكن أن تقع لولا حرص الأحزاب بكل توجههاتها على عزل العملية السياسية عن الخلافات التي يتعلق بعضها بمصير الدولة. وهو ما يؤكد أن للنظام السياسي أولوية على الدولة التي لا يملك أحد من الأحزاب مصلحة في تقويتها أو ضخ الروح في قوانينها المعطلة.     

حين انفجرت الانتفاضة الشعبية (تشرين الأول / أكتوبر 2019) ولم يعد في إمكان الأحزاب أن تخفي الهوية الطائفية للمشاركين في الاحتجاجات – وهو ما أسقط تهمة الإرهاب الجاهزة – كان إسقاط النظام العاجز عن تلبية المطالب الخدمية هدفاً رئيساً تم الالتفاف عليه من خلال التخلي عن حكومة عادل عبد المهدي وفتح باب الترشح لمنصب رئيس الحكومة البديل في مزاد، كان الغرض منه إيهام المحتجين بأن لديهم القدرة على صناعة حكومة تقع كما قيل يومها خارج المحاصصة الحزبية بما يوحي بأن النظام السياسي قد فقد سيطرته على الدولة، ولم يكن ذلك صحيحاً كما تبيّن في ما بعد.

فحكومة مصطفى الكاظمي الذي لا ينتمي إلى أي من أحزاب السلطة كانت هي الأخرى موزعة بين الأحزاب على أساس نسبة كل حزب في السلطة. كان الكاظمي واجهة لخديعة استطاع النظام السياسي من خلالها الدفاع عن مكتسباته والإبقاء على الدولة في حالة خنوع حيث تجري عمليات الفساد من غير أن تتمكن أجهزة تلك الدولة من الحفاظ على المال العام من خلال فرض قوانينها.

ولم يكن مفاجئاً أن الكاظمي الذي وعد بمحاربة الفساد والإصلاح لم يفِ بأي من وعوده ولم يشهد العراق في ظل حكومته أي تغيير في الأداء الحكومي. وإذا ما عدنا إلى استعراضات الميليشيات التي تكررت مشاهدها عبر السنتين الماضيتين فإنها لم تكن سوى غطاء لتفسير عجز الدولة عن مواجهة النظام وتلك كذبة يُراد من خلالها خلط الأوراق لتبرئة الأطراف كلها، حكومة وأحزاباً، من استمرار الفساد والتقاعس عن إجراء إصلاحات يمكن أن تحدث تغييراً في طبيعة النظام الحاكم.   

ولأن مقتدى الصدر الفائز في انتخابات 2021 طالب بحل الميليشيات فقد نال إعجاب الكثيرين بالرغم من أنه لم يقترب من تركيبة النظام القائمة على أساس المحاصصة بين الأحزاب. كان الصدر قد وقع في الخصومة القديمة بينه وبين الحرس القديم للبيت الشيعي وكان ذلك سبباً رئيساً في محاولة تجريد هذا الحرس من السلاح لتتاح له فرصة تكريس انتصاره من خلال زعامة التمثيل الشيعي في النظام وهو تمثيل يحظى بأغلبية في مجلس النواب ويحق له بالتالي اختيار شخصية رئيس الوزراء في المرحلة المقبلة.

لم يكن الصدر معنياً بالدولة التي يعرف أنها وقعت بيده، بل كان معنياً بالنظام الذي نجح في إنقاذه غير مرة من السقوط. ولهذا فإنه يعتقد أن من حقه القيام بتجديد النظام وإعادة تأهيله بما لا يسمح بإسقاطه بسبب رثاثته. ولهذا يمكن القول إن الصدر الذي لو لم يكن هناك نظام محاصصة لما كان موجوداً في السلطة هو الأكثر حرصاً على الإبقاء على ذلك النظام وفق الوصفة الأميركية. 

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى