أقلام وأراء

أين تقع دولة العراق الجديد؟

فاروق يوسف

فاروق يوسف ٢١-٤-٢٠٢٢م

عبر العشرين سنة الماضية أخفق العراقيون في إقامة دولة وطنية مستقلة على أنقاض الدولة التي حطمها الأميركيون بغزوهم العراق عام 2003، من غير أن يُظهروا أي رغبة في إعادة صوغ الدولة التي ضعفت بتأثير مباشر من الحصار الدولي الذي فُرض أممياً على العراق بعد احتلال الكويت عام 1990.

ما أظهره الأميركيون أنهم كانوا جادين في تدعيم سلطة الاحتلال محلياً من خلال إقامة نوع من الائتلاف بين الأحزاب “العراقية” التي وجدت في الاحتلال فرصة للقفز إلى الحكم بعد سنوات طويلة من النفي والإلغاء، قضاها زعماؤها عاطلين من العمل في رعاية دول اللجوء ودول أخرى كانت علاقتها غير طيبة بالدولة العراقية مثل إيران وسوريا.

لقد كان تأسيس مجلس الحكم بصيغته القائمة على تداول المناصب التي كان معظمها شرفياً من غير أي صلاحيات محاولة لجس النبض في اتجاه تشكيل صورة نهائية لمصير نظام الحكم الذي أصر خبراء سلطة الاحتلال على أن لا يفارق طاولة المحاصصة بين الأحزاب، بحيث توزع الغنائم عليها قياساً الى نسبة المكون الاجتماعي الذي يمثله كل حزب.

لهذا نص الدستور العراقي الجديد على أن العراق دولة مكونات مستبعداً فكرة الشعب العراقي الواحد. كانت تلك الفقرة بداية لتحول قانوني سيكون له أثره الكبير في وقف التعامل مع إمكان أن يعود العراق دولة لمواطنيه من غير تمييز على أساس الطائفة أو الدين أو العرق.

كان نظام المحاصصة الطائفية في الحقيقة قد أُقر في مؤتمر لندن عام 2002 قبل الغزو بأشهر. وهو المؤتمر الذي عقدته المعارضة العراقية بإشراف وزارة الخارجية الأميركية، وقد كانت أطياف تلك المعارضة، بناء على المشورة البريطانية، تمثل طوائف الشعب العراقي من غير أن تكون شرعية ذلك التمثيل ملزمة لأحد. كان مهماً بالنسبة الى الطرفين، الولايات المتحدة والمعارضة العراقية، إنشاء نوع من الشراكة في المسؤولية عن الصورة التي سينتهي إليها العراق بعد تدميره.

في مؤتمر لندن اكتشف الأميركيون ممثلين بالأفغاني زلماي خليل زاده أن ما بين أيديهم من عراقيين لا يصلحون لبناء دولة جديدة كما أنهم أصلاً لا يرغبون في ذلك، فكل منطلقاتهم النظرية التي تربوا ثقافياً عليها ومستوى الوطنية الناقصة ونوعها ودرجتها لديهم ومشاعرهم المضطربة إزاء شعب الداخل العراقي باعتباره من وجهة نظرهم موالياً للنظام السياسي ومستفيداً من بقائه، دفعتهم إلى الإنجرار وراء الرغبة في الانتقام. كان مغرياً للمعارضين يومها أنه ستتاح لهم فرصة حكم الشعب الذي يريدون الانتقام منه.

لم يكن من الصعب على رئيس الإدارة المدنية لسلطة الاحتلال بول بريمر أن يدرك أن التمتع بمكتسبات السلطة هو أقصى ما يمكن أن يحلم به زعماء الأحزاب العراقيون الذين جمعتهم بلاده ليكونوا بناة للعراق الجديد، وهم في حقيقتهم مجموعة من اللصوص والحاقدين والانتهازيين، ولم يكن لديهم أي مقدار من الوطنية أو الالتزام بالمبادئ وهو ما ثبته في مذكراته عن سنته في العراق.

ترك بريمر العراق وهو على يقين من أنه لن تقوم دولة فيه.

لقد غطت فوضى الارهاب على حقائق كثيرة طوال السنوات التي سبقت تحرير الموصل عام 2017. فمَن يواجه القتل والرعب والعنف، وإن كُتب له أن ينجو، فإن حياته لن تكون سوى رحلة مريرة بين المخيمات، إضافة إلى نبذه اجتماعياً، ولن يكون في إمكانه سوى أن يصمت في مواجهة الفساد الذي استشرى في مفاصل دولة لم تكن في حقيقتها سوى هيكل أفرغ من محتواه وقابل للسقوط في أي لحظة.

كان المعارضون السابقون، وهم الحكام الحاليون، قد حلوا مشكلة مظلوميتهم من خلال الاستيلاء على المال العام ووضع جزء كبير منه في أيدي أتباعهم وأنصارهم المقيمين في الخارج حين شرّعوا قوانين تتعلق بما سُمي بإنصاف المظلومين من ضحايا النظام السابق. كان شعبهم هناك، خارج العراق. وهو الشعب الذي قرروا أن يتمتع بكل أسباب الرخاء والرفاهية بدلاً من شعب الداخل الذي كان من وجهة نظرهم نصيراً لصدام حسين.

تلك عقدة وقفت حائلاً دون إعادة إعمار البنية التحتية في العراق ومن ثم بناء الدولة. كانت هناك أموال فائضة دائماً تكفي للقيام بتلك المهمة غير أن الرغبة في القيام بذلك لم تكن موجودة. وليس أدل على ذلك من أن أحد زعماء الأحزاب الشيعية قد طالب بتعويض إيران عن أضرارها بسبب حرب ثمانينات القرن العشرين وربما قامت الحكومة العراقية التي قادها نوري المالكي بتنفيذ ذلك الطلب.

من المضحك فعلاً أن العراق، رغم إيراداته المالية الكبيرة، كان يقترض الأموال من المؤسسات المالية الدولية وكان لديه عجز دائم في الموازنة. ذلك ما يكشف عن نوع الصفقة التي عقدها الأميركيون مع صنائعهم من المعارضة العراقية. “نسلمكم الحكم شرط أن يبقى البلد كما تركناه. لا ماء ولا كهرباء ولا تعليم ولا مستشفيات ولا طرق ولا خدمات” ومن ثم لا دولة.

لذلك خرج الأميركيون مطمئنين إلى أن دولة لن تُقام في العراق.

كانت صفقة درّت على إيران الكثير من الأموال لقاء قيامها بحماية النظام الجديد والتحكم بميزان القوى داخله من خلال الإشراف المباشر عليه. تلك المهمة التي كان يقوم بها زعيم “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني قبل مقتله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى