ترجمات أجنبية

فات الأوان على وقف الحرب السرية في الشرق الأوسط

مركز الناطور للدراسات والابحاث

 أعلن المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون حديثاً أن أهم البنى التحتية في البلدين (ولا سيما البنوك والمؤسسات المالية الأخرى) تتعرض لاعتداءات متزايدة من مجموعة قراصنة موجودين في إيران وفق الادعاءات.

بعد أن كانت طهران وواشنطن تسعيان إلى إنكار ما ذكره تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” عن اتفاقهما “في المبدأ على إجراء مفاوضات مباشرة للمرة الأولى”، انتقلت الحرب السرية بين أبرز معسكرات الشرق الأوسط إلى العاصمة اللبنانية بيروت.

لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد ضربة في وجه الرئيس السوري بشار الأسد (الذي يجد صعوبة في إدارة الوضع المريع في بلده)، بل إن التفجير الهائل الذي اغتال يوم الجمعة مسؤولاً أمنياً لبنانياً بارزاً وسبعة أشخاص آخرين كان مؤشراً على زيادة الضغوط التي يواجهها “حزب الله” (حليف مهم لإيران).

كان اللواء وسام الحسن الذي قُتل في الاعتداء مسؤولاً عن اعتقال الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة منذ بضعة أشهر بتهمة التخطيط لاعتداءات إرهابية في البلد بأمرٍ من النظام السوري. كما أنه ألمح إلى تورط “حزب الله” في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وكانت هذه الحادثة قد سببت سخطاً دولياً عارماً في عام 2005 وأجبرت الجيش السوري على مغادرة لبنان. وسط أعمال الشغب التي تلت جنازة الحسن، قد يمهد اغتياله لسقوط الحكومة اللبنانية التي يسيطر عليها “حزب الله”.

يبدو أن الانفجار كان جزءاً من نشاطات “حزب الله” الأخيرة التي شملت تورطاً علنياً في الحرب الأهلية السورية وإرسال طائرة بلا طيار إلى إسرائيل منذ أسبوعين (يُقال إنها حصلت ضمن عملية مشتركة مع القوات الإيرانية الخاصة). حصل هذا التطور أيضاً وسط تبادل عالي المستوى من الاعتداءات الإلكترونية بين إيران وخصومها الغربيين.

أعلن المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون حديثاً أن أهم البنى التحتية في البلدين (ولا سيما البنوك والمؤسسات المالية الأخرى) تتعرض لاعتداءات متزايدة من مجموعة قراصنة موجودين في إيران وفق الادعاءات.

على صعيد آخر، أعلنت شركة أمن الحواسيب الروسية “كاسبرسكي” (Kaspersky) في الأسبوع الماضي أنها اكتشفت فيروساً جديداً من فصيلة “ستاكس نت” (Stuxnet) و”دوكو” (Duqu) و”فلام” (Flame) و”غوس” (Gauss)، ويُقال إن هذه الأنواع كلها هي أسلحة إلكترونية متطورة جداً تستعملها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد برنامج إيران النووي. اعتبرت شركة “كاسبرسكي” أن الفيروس الجديد الذي يحمل اسم “ميني فلام” (miniFlame) هو برنامج “استُعمل لتنفيذ عمليات مستهدفة من التجسس الإلكتروني”.

يمكن تفسير هذه التطورات بطرق عدة، فهناك مفاوضات غير مباشرة تجرى بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما حتماً، ألمح المسؤولون الإيرانيون إلى احتمال تحقيق إنجاز معين بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في الشهر المقبل. يوم الأربعاء الماضي، ألمح رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، إلى حدوث تطور إيجابي أيضاً، فقال لوكالة “رويترز”: “أتمنى عقد اجتماع [مع الإيرانيين] قريباً”.

من جهة، ربما يهدف “حزب الله” إلى تقوية موقف إيران خلال تلك المحادثات عبر تطبيق مناورة خطيرة قد ترتد عليه عكسياً وتشعل الوضع في لبنان. من جهة أخرى، ربما يحاول الحزب تخريب الوضع (لضمان ألا يتم استبداله أو استبدال النظام السوري مقابل تنازلات غربية سرية)، وذلك من خلال استدراج أعمال عنف واسعة النطاق إلى البلد.

يظن بعض المراقبين أن المفاوضات السرية الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران تتمحور في المقام الأول حول سورية، وإذا وصل الصراع الطائفي إلى لبنان، فسيصبح الوضع السوري أكثر تعقيداً وسيصعب حلّه.

لكن ثمة احتمال ثالث مفاده أن “حزب الله” ربما يتصرف بهذا الشكل لترسيخ وجوده؟لأنه يخضع لضغوط محلية ودولية متزايدة بسبب الدور الذي يلعبه في سورية وانتهاكه قرارات مجلس الأمن التي تدعو لنزع سلاحه. قبل يوم من اغتيال الحسن، أرسل أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون تقريراً قاسياً بهذا الشأن، وقد حصلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية على نسخة منه.

إن التهديد الذي يواجهه “حزب الله” ليس دبلوماسياً فقط بل سياسياً أيضاً، وبما أن النظام السوري هو رابط أساسي ضمن سلسلة الإمدادات الممتدة من إيران إلى لبنان وغزة، تشكل الحرب الأهلية ضد الأسد تهديداً خطيراً على المتشددين اللبنانيين. من أجل حماية فرعهم العسكري حتى لو انهارت السلطة المركزية في دمشق، عمد الإيرانيون إلى تنشيط ميليشيا علوية طائفية في سورية واختبار تكنولوجيا جديدة ومتنوعة، منها أسطول من الطائرات بلا طيار.

يبدو أن الطائرة التي أُرسلت فوق إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر كانت جزءاً من هذه المقاربة، لكن وفق نظرية أخرى، سعى الإيرانيون وعناصر “حزب الله” إلى تصوير تدريب دفاعي صاروخي مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل كان من المقرر أن يبدأ هذا الأسبوع، وهو يهدد فاعلية ترسانة “حزب الله” ولا سيما مخزونه الصاروخي.

في غضون ذلك، لم يتضح بعد موقف جميع اللاعبين الأساسيين في الشرق الأوسط تجاه المفاوضات والتطورات الأخيرة. سارعت معظم الأطراف (منها “حزب الله” نفسه) إلى إدانة الاعتداء الإرهابي الذي وقع يوم الجمعة في لبنان.

تمتنع الولايات المتحدة عن اتخاذ أي قرارات مهمة في المرحلة الراهنة، فهي تشهد مرحلة حاسمة من الحملة الانتخابية الرئاسية. يأمل البعض أن يتغير هذا الوضع في الشهر المقبل (قد تتنامى الضغوط لعقد اجتماعات علنية مع قادة إيران)، لكن يشكك البعض الآخر بأن تتغير السياسة الأميركية بشكل جذري. في هذا الصدد، قال المفاوض المخضرم آرون ديفيد ميلر في مقالة نُشرت في مجلة “فورين بوليسي”: “بغض النظر عن هوية الرئيس الفائز في شهر نوفمبر، قد لا يكون عام 2013 حاسماً في تحديد مصير القنبلة الإيرانية أكثر من عام 2012″.

تقلبت مواقف روسيا في الآونة الأخيرة أيضاً لكن لأسباب مختلفة طبعاً. يشير اتفاقها العسكري الأخير مع العراق (حصل طبعاً بموافقة الولايات المتحدة) إلى أنها مستعدة لتقبّل المكافآت التي يمكن أن تقنعها بالتخلي عن عملاء مربحين آخرين مثل سورية وإيران. يتضح هذا النهج نفسه من خلال تعاملاتها مع إسرائيل، منها عرض مهم من شركة “غازبروم” العملاقة التي تسيطر عليها الدولة الروسية بهدف المشاركة في تطوير حقول الغاز الطبيعي الإسرائيلية في البحر المتوسط.

في المقابل، تشير Stratfor، مؤسسة تحليل استخباراتي مقرها في الولايات المتحدة، إلى أن تغيير النظام في إيران قد يسهل تبديل الأنظمة في وسط آسيا. لكن هذا خط أحمر بارز بالنسبة إلى الروس. وإذا أضفنا إليه احتمال ازدياد الوجود الأميركي في طهران عقب السقوط الافتراضي لآيات الله، يعني ذلك أن الكرملين سيواصل على الأرجح دعمه النظام الإيراني.

على نحو مماثل، من المتوقع أن يواصل الروس على الأقل بعض أشكال التعاون مع الحكومة السورية. على سبيل المثال، تدعي بعض التقارير غير المؤكدة أن موسكو تنقل مسؤولية مدّ نظام الأسد بالسلاح إلى أعوان لها، مثل روسيا البيضاء.

يذكر تحليل منفصل صادر عن Stratfor أن تركيا تحاول تسهيل المفاوضات، في حين أن من المتوقع أن تؤدي المملكة العربية السعودية دوراً معاكساً في المستقبل. يفيد التقرير: “لا شك أن المملكة العربية السعودية تدرك المخاطر التي قد تواجهها المنطقة في حال طالت الحرب الأهلية في سورية. لكنها لا تريد أن تتوصل واشنطن وطهران إلى تفاهم أوسع يولد من الأزمة السورية، تفاهم قد يوتر العلاقات الأميركية-السعودية. لذلك، إذا اكتسبت المفاوضات زخماً في الأشهر القادمة، فقد تلعب السعودية دور المخرب لا المسهِّل”.


كتب
 Victor Kotsev – Asia Times

قسم الترجمة – الجريدة – 26/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى